أثار تعليق وزير التموين د. شريف فاروق بعد مباراة مصر والأرجنتين موجة من الانتقادات، رغم أن ما قاله لم يتجاوز عبارات اعتاد الجميع على سماعها بعد أي مباراة: "هاردلك للمنتخب.. شرفتونا.. ومبروك للأرجنتين". قد يختلف البعض مع توقيت التصريح أو يرون أنه لم يكن مناسبا في ظل الغضب الجماهيري من القرارات التحكيمية، لكن تحويل هذه الكلمات إلى قضية سياسية أو وطنية يبدو مبالغا فيه.
تعليق تلقائي
أقول ذلك لأنني شخصيا لست خبيرة في كرة القدم. شاهدت المباراة وشجعت مصر لأنها بلدي، لكنني لم أدرك حجم الأخطاء التحكيمية أو تفاصيل الجدل إلا بعد انتهاء اللقاء، عندما قرأت التحليلات وشاهدت الإعادات. ومن ثم فمن الطبيعي أن يكون هناك أشخاص، ومن بينهم مسؤولون، تابعوا النتيجة فقط أو علقوا بصورة تلقائية دون معرفة كل الملابسات.
ليس من العدل أن نفترض سوء النية في كل تصريح، أو أن نحمل جملة بروتوكولية أكثر مما تحتمل. فهناك فرق بين من يطلع على كل تفاصيل المشهد الرياضي، وبين من يرى النتيجة ويقدم تهنئة وخطابا معتادا يجمع بين مواساة الخاسر وتهنئة الفائز.
إذا كان هناك ما يستحق محاسبة وزير التموين، فليكن في حدود مسؤولياته وملفات وزارته، من توافر السلع إلى ضبط الأسواق وحماية المستهلك. أما آراؤه الشخصية في مباراة كرة قدم، فهي لا ينبغي أن تتحول إلى معيار للحكم على أدائه الوزاري، ما لم تتضمن إساءة أو موقفا يتجاوز حدود اللياقة.
شعارات العنصرية
من حق الجماهير أن تغضب دفاعا عن منتخبها، ومن حقها أن تطالب بالعدالة إذا رأت ظلما تحكيميا، لكن من الحكمة أيضا أن نفرق بين من تسبب في الأزمة، ومن قال عبارة تقال بعد آلاف المباريات حول العالم دون أن يقصد بها أكثر من المجاملة الرياضية المعتادة.
المفارقة اللافتة أن موجة الغضب التي طالت وزير التموين بسبب كلمات بروتوكولية معتادة، كانت أشد بكثير من ردود الفعل تجاه تصريح المدير الفني حسام حسن، عندما استخدم كلمة "يا يهود" كشتيمة، وهو تعبير يخلط بين ديانة سماوية وبين مواقف سياسية، ويكشف قدرا من الجهل بالفارق بين اليهودية كدين والصهيونية كأيديولوجيا سياسية.
رفض العنصرية يجب أن يكون مبدأ ثابتًا
والأكثر غرابة أن من رفع شعار "لا للعنصرية" في المدرجات، وقع هو نفسه في خطاب يحمل مضمونا عنصريا عندما استخدم ديانة كاملة كإهانة. فمواجهة العنصرية لا تكون بالانتقائية، ولا يصح أن ندينها في موقف ونتغاضى عنها في موقف آخر. فالمعايير الأخلاقية لا تتجزأ، وإلا فقدت قيمتها.
إذا كنا نرفع شعار المحاسبة، فمن الأولى أن توجه إلى من أساء بخطاب يحمل تمييزا ضد أتباع ديانة كاملة، لا إلى وزير قال عبارة مجاملة رياضية اعتاد الجميع على سماعها بعد كل مباراة. فالنقد يفقد اتساقه عندما يغض الطرف عن الخطأ الحقيقي، ويشتد على ما لا يستحق كل هذا الغضب. والنقد يصبح أكثر قوة عندما يوجه إلى المكان الصحيح.


