خرجنا من دور الـ16 واحتفلنا كأننا فزنا بالكأس.. الهزيمة ليست نصرًا
في مصر فقط يحدث ذلك قدرة عجيبة للبحث عن فرحة لايختلف أحد علي أننا نحن المصريين لدينا قدرة عجيبة على صناعة الفرح من قلب الخيبة يولد الفرح احيانا فنحن نستطيع تحويل الانكسار إلى مشهد احتفالي كامل الأركان. وربما تبدو هذه القدرة جميلة في ظاهرها، لأنها تكشف عن شعب يحب الحياة ويبحث عن السعادة حتى في أصعب اللحظات، لكنها تصبح خطيرة عندما تدفعنا إلى إنكار الحقيقة أو تجميل الفشل بدلًا من مواجهته.
أقول ذلك عقب لاعبو المنتخب المصري بعد الخروج من دور الـ16 في كأس العالم، فاستُقبلوا وكأنهم عادوا بالكأس. ارتفعت الهتافات، وانتشرت مشاهد الاحتفال، وتحولت الهزيمة في ساعات قليلة إلى قصة بطولة وانتصار استثنائي لم بحدث في الحقيقة .
وبغض النظر عن تفاصيل المباراة التي لا اسنطيع تقيمها وما قدمه اللاعبون خلالها من جهد أو أداء مشرف خلال هذة المباراة تبقى الحقيقة التي لا تحتمل التأويل ولا يمكن أنكارها : المنتخب خرج من البطولة في دور الـ16.
هذه ليست إهانة للاعبين، ولا تقليلًا من مجهودهم، لكنها تسمية للأشياء بأسمائها. فالخروج من البطولة يظل خروجًا، والهزيمة تظل هزيمة، مهما كانت الظروف أو المبررات أو جودة الأداء.
نفرح بالجهد.. لكن لا نلغي النتيجة
من حقنا أن نشكر اللاعبين على القتال داخل الملعب، وأن نفتخر بوصول المنتخب إلى هذا الدور، وأن نحتفي بأي تطور حقيقي في الأداء. لكن هناك فارقًا كبيرًا بين تقدير الجهد وبين تصوير الهزيمة باعتبارها نصرًا.
يمكن أن نقول إن المنتخب قدم مباراة قوية، أو إنه خرج مرفوع الرأس، أو إنه اكتسب خبرة مهمة للمستقبل. لكن لا يجوز أن نتعامل مع الخروج وكأنه إنجاز كامل، ثم نغلق ملف الأخطاء وكأن شيئًا لم يحدث.
الفرح لا يجب أن يكون بديلًا عن التقييم، والتشجيع لا يعني تعطيل النقد، والاحتفاء باللاعبين لا يمنعنا من السؤال: لماذا خرجنا؟ وما الأخطاء التي وقعت؟ وكيف نتجنب تكرارها؟
الهزيمة ليست عيبًا.. إنكارها هو المشكلة
الهزيمة جزء طبيعي من الرياضة، كما أن الفشل جزء طبيعي من الحياة. لا يوجد فريق يفوز دائمًا، ولا توجد أمة تحقق أهدافها من المحاولة الأولى.
لكن الأمم التي تتقدم هي التي تعترف بنتائجها بوضوح، وتبحث في أسباب الإخفاق دون خوف أو مبالغة أو بحث عن شماعة تعلق عليها مسؤوليتها.
المشكلة ليست في أن منتخبنا خسر مباراة، بل في أن نرفض الاعتراف بأنه خسر، ثم ننشغل بصناعة رواية مريحة تجعلنا نشعر بأننا انتصرنا، من دون أن نغير شيئًا أو نتعلم شيئًا.
عندما نعتبر كل إخفاق نجاحًا مؤجلًا، وكل خسارة بطولة أخلاقية، وكل تراجع مؤامرة خارجية، فإننا نحرم أنفسنا من أهم خطوة نحو التقدم: الاعتراف الصادق بالمشكلة.
من كرة القدم إلى حياتنا اليومية
المشهد لا يخص كرة القدم وحدها، بل يعكس طريقة نتعامل بها أحيانًا مع كثير من قضايانا.
قد نتجاهل نتيجة مشروع فاشل لأن النية كانت طيبة، أو نبرر قرارًا خاطئًا لأن الظروف كانت صعبة، أو نرفض الاعتراف بتقصير واضح ونبحث سريعًا عن طرف آخر نحمله المسؤولية.
وبهذه الطريقة لا نجني ثمارًا حقيقية؛ لأن من لا يعترف بمكانه الحالي لن يعرف الطريق إلى المكان الذي يريد الوصول إليه.
النجاح يحتاج إلى قياس واضح، والفشل يحتاج إلى تحليل واضح، أما خلط الاثنين فلا يصنع تقدمًا، بل يمنحنا راحة مؤقتة ثم يعيدنا إلى النقطة نفسها.
طبيعة المصري الباحث عن الفرحة
أتفهم تمامًا حاجة الناس إلى الفرح. المصري يعيش ضغوطًا يومية كثيرة، ولذلك يبحث عن أي لحظة تجمعه بالآخرين وتمنحه شعورًا بالفخر والانتماء.
هذه الروح من أجمل ما فينا؛ فنحن قادرون على الضحك وسط الأزمات، وصناعة الأمل من أبسط الأشياء، وتحويل الشوارع إلى احتفال في لحظة واحدة.
لكن حب الفرح يجب ألا يتحول إلى خوف من الحقيقة. يمكننا أن نفرح بما تحقق، ونشجع فريقنا، ونحتضن اللاعبين، وفي الوقت نفسه نعترف بأن الرحلة انتهت مبكرًا، وأن أمامنا عملًا طويلًا حتى نصل إلى الكأس التي نحلم بها.
فالوعي لا يقتل الفرحة، والنقد لا يهدم الانتماء، والاعتراف بالخسارة لا يعني جلد الذات.
الانتصار الحقيقي يبدأ بعد الهزيمة
الانتصار الحقيقي ليس في الاستقبال الحافل بعد الخروج، بل في ما يحدث بعد انتهاء الاحتفال.
هل ستتم مراجعة الأخطاء؟ هل ستتطور منظومة الناشئين؟ هل سيتم إعداد المنتخب بصورة أفضل؟ هل سنتعلم من التجربة أم سنكتفي بشعار «خرجنا مرفوعي الرأس» حتى البطولة المقبلة؟
المنتخبات الكبرى لا تحتفل طويلًا بالخروج المشرف، بل تحوله إلى نقطة بداية. تراجع أداءها، وتحاسب مسؤوليها، وتضع خطة، ثم تعود أقوى.
أما نحن، فإذا حولنا كل خروج إلى انتصار معنوي مكتمل، فلن نشعر بالحاجة إلى التغيير، وسنظل نكرر المشهد نفسه ثم نتساءل لماذا لا نصل إلى النهاية.
الهزيمة هزيمة والنصر نصر
لا بد أن نتعلم الفصل بين المشاعر والحقائق. مشاعرنا تقول إننا نحب المنتخب ونقف خلفه، وهذا حق وواجب. لكن الحقيقة تقول إننا خرجنا من دور الـ16.
يمكن للجملتين أن تكونا صحيحتين في الوقت نفسه.
نحب لاعبينا، لكن نطالبهم بالأفضل. نفتخر بالمشاركة، لكن لا نعتبرها نهاية الطموح. نفرح باللحظات الجميلة، لكن لا نمحو النتيجة من الذاكرة.
الهزيمة ليست فضيحة، والنقد ليس خيانة، والاعتراف بالفشل ليس ضعفًا. الضعف الحقيقي هو أن نعيد تسمية الفشل حتى لا نضطر إلى مواجهته.
«بنعملها إزاي؟»
ربما تكون هذه هي عبقرية المصري التي يصعب على الآخرين فهمها: قادر على تحويل الحزن إلى ضحكة، والخسارة إلى أغنية، والعودة بلا كأس إلى موكب استقبال.
إنها قدرة إنسانية رائعة حين تمنحنا الأمل، لكنها تصبح مشكلة حين تمنعنا من رؤية الواقع.
فلنفرح، نعم، لكن بوعي. ولنصفق للاعبين، لكن بلا مبالغة. ولنعتز بما قدموه، لكن مع الاعتراف بأن الهدف لم يتحقق.
لأن الأمة التي تعرف كيف تحتفل تحتاج أيضًا إلى أن تعرف كيف تراجع نفسها، والأمة التي تحلم بالنصر يجب أن تمتلك الشجاعة الكافية لتقول عند الخسارة: لقد خسرنا، وسنعمل حتى لا نخسر بالطريقة نفسها مرة أخرى.


