الأحد، ١٢ يوليو ٢٠٢٦ في ٠٤:٥٤ م

الجيوش الإلكترونية والأخبار الزائفة.. من يوجه الرأي العام عبر مواقع التواصل؟

التربص.. حين تتحول مواقع التواصل إلى ساحة للاغتيال المعنوي

تعيش مصر حالة من التربص  السياسي والاجتماعي مع تنامي تأثير مواقع التواصل الاجتماعي ولم يعد التربص في حياتنا العامة مجرد موقف عابر أو سلوك فردي محدود،بل تحول إلى  حالة يومية تتكرر بصورة لافتة  حتى كادت تتحول إلى جزء ثابت من المشهد السياسي والاجتماعي في مصر.

وقد ظهرت ملامح هذه الحالة بوضوح مع ثورة  أحداث 25 يناير، ثم أخذت في الاتساع والاستفحال عقب أحداث 30 يونيو، مع ازدياد حدة الاستقطاب ودخول مواقع التواصل الاجتماعي طرفاً أساسياً في تشكيل الرأي العام وتوجيهه بطريقة التربص والتحليل بمزاج كل صاحب بوست  او تغريدة علي مواقع التواصل الاجتماعي .

ومنذ ذلك الحين، لم ينجُ أحد تقريباً من سهام التربص؛ سياسيون ومسؤولون وإعلاميون وفنانون ورياضيون، بل ومواطنون عاديون قد يجد أحدهم نفسه فجأة في قلب حملة شرسة بسبب كلمة أو صورة أو موقف جرى اجتزاؤه أو تفسيره وفق غرض مسبق.

المشكلة هنا ليست في النقد، فالنقد حق مشروع وضرورة لأي مجتمع يسعى إلى التطور والمحاسبة. لكن الفارق كبير بين النقد والتربص

النقد يبحث عن الحقيقة، أما التربص فيبحث عن الإدانة.

النقد يناقش الفعل، أما التربص فيستهدف الشخص.

النقد قد يتراجع عندما تظهر معلومات جديدة، بينما يبدأ التربص بحكم جاهز، ثم يبحث بعد ذلك عن أي شيء يمكن استخدامه لتبرير هذا الحكم.

مواقع التواصل ومحاكم الإدانة السريعة

لاشك ان  مواقع التواصل الاجتماعي تبحث عن الأدنة  في كثير من الأحيان أشبه بمحاكم مفتوحة لا تحتاج إلى أدلة أو تحقيقات أو سماع الطرف الآخر.

يكفي أن تنتشر صورة أو عبارة أو مقطع فيديو قصير حتى تبدأ الأحكام، ويصبح المتهم مطالباً بإثبات براءته أمام آلاف الأشخاص الذين كوّنوا موقفهم خلال دقائق من مشاهدة الصورة او الفيديو .

والأخطر أن الاتهام ينتشر عادة بسرعة هائلة، بينما لا يصل التصحيح إلى العدد نفسه من الناس.

قد تظهر الحقيقة بعد ساعات أو أيام، لكن الضرر يكون قد وقع، والسمعة تكون قد اهتزت، والانطباع الأول يظل عالقاً في الأذهان حتى بعد نفي الاتهامات.

في هذه البيئة، لا تكون الحقيقة دائماً هي صاحبة الصوت الأعلى، بل قد ينتصر المحتوى الأكثر إثارة والأشد غضباً والأكثر قدرة على جذب المشاركات والتعليقات.

جيش إلكتروني يخوض معارك العقول

من السذاجة الاعتقاد بأن كل ما نراه على مواقع التواصل يعبر بالضرورة عن رأي عام طبيعي وعفوي ...فهناك حملات منظمة، وحسابات تعمل بطريقة متزامنة، ورسائل تتكرر بالكلمات نفسها، وهاشتاجات يجري الدفع بها، ومقاطع تنشر في التوقيت ذاته، بهدف خلق انطباع بأن موقفاً معيناً يحظى بإجماع واسع.

وقد تقف خلف هذه الحملات جهات سياسية أو اقتصادية أو جماعات مصالح أو أفراد يسعون إلى إسقاط خصم أو تشويه شخصية أو فرض رواية بعينها على الجمهور.

وأحياناً لا تعتمد هذه الحملات على الكذب الكامل، بل على نصف الحقيقة، وهو أكثر خطورة من الكذب الواضح.

يُنتقى جزء صحيح من الواقعة، ثم يُفصل عن سياقه، وتُحذف منه التفاصيل التي قد تغير معناه، قبل أن يوضع داخل تحليل موجه لخدمة غرض محدد سلفاً.

وهكذا يبدو المحتوى مقنعاً، لأن بعض عناصره صحيحة، بينما تكون النتيجة النهائية مضللة.

مشاركون في التربص دون علم

الأخطر من وجود الحسابات المنظمة هو أن كثيراً من المواطنين يشاركون في هذه الحملات دون أن يدركوا حقيقتها أو أهدافها.

يشاهد أحدهم منشوراً يثير غضبه، فيسارع إلى مشاركته من دون تحقق، ثم يضيف تعليقاً غاضباً، قبل أن ينتقل المحتوى إلى دائرة أكبر من المتابعين.

وهكذا يتحول المواطن العادي، من دون قصد، إلى جزء من جيش إلكتروني لا يعرف من يقوده ولا ما الهدف الحقيقي من معركته.

وقد يظن أنه يدافع عن الحق، بينما هو في الحقيقة يساهم في ترويج شائعة أو تشويه شخص أو خدمة صراع لا يعرف أبعاده.

كل مشاركة تمنح الكذبة قوة إضافية، وكل تعليق يرفع المحتوى، وكل تفاعل يساعد الخوارزميات على تقديمه لمزيد من المستخدمين.

ومن هنا يصبح السؤال الضروري قبل الضغط على زر المشاركة: هل أعرف حقيقة ما أنشره، أم أنني مجرد أداة داخل حملة صممها آخرون؟

ضحايا التربص كثيرون

شهدت السنوات الماضية سقوط عدد كبير من الضحايا تحت وطأة التربص الإلكتروني.

بعضهم خسر مكانته العامة، وبعضهم تشوهت سمعته، وبعضهم اضطر إلى الانسحاب من المشهد، بينما تعرض آخرون لضغوط نفسية واجتماعية قاسية.

ولم يعد الأمر مقصوراً على الشخصيات العامة التي قد تمتلك وسائل للدفاع عن نفسها، بل امتد إلى مواطنين عاديين لا يملكون منبراً إعلامياً ولا فريقاً قانونياً ولا شبكة علاقات تساعدهم على مواجهة حملات التشهير.

وقد يبدأ الأمر بصورة نُشرت من دون إذن، أو خلاف شخصي، أو فيديو ناقص، ثم يتحول خلال ساعات إلى حملة واسعة من الإدانة والسخرية والتهديد.

في هذه اللحظة لا يهتم كثيرون بسماع الرواية الأخرى، لأن الجمهور يكون قد وجد ضحيته، والحملة تكون قد اكتسبت زخماً يصعب إيقافه.

حين يتحول الخلاف إلى اغتيال معنوي

التربص لا يستهدف الموقف فقط، بل يسعى إلى إسقاط الإنسان نفسه.

فبدلاً من مناقشة قرار سياسي أو تصريح أو خطأ، تبدأ عملية هدم كاملة للصورة العامة للشخص، ويجري استدعاء ماضيه وأسرته وحياته الخاصة وكل ما يمكن استخدامه ضده.

وهنا ننتقل من مساحة النقد إلى الاغتيال المعنوي.

فالهدف لم يعد التصحيح أو المحاسبة، بل إلغاء الشخص ومنعه من الدفاع عن نفسه وتحويله إلى رمز دائم للفشل أو الفساد أو الخيانة.

والخطورة أن هذا الأسلوب قد يطال إلىوم شخصاً نختلف معه، ثم يطال غداً شخصاً نتفق معه، لأن التربص لا يعرف ولاءً دائماً، بل يعيش على خلق خصم جديد كل يوم.

الاستقطاب يقتل الحقيقة

ساهم الانقسام السياسي في ترسيخ ثقافة التربص، لأن كثيراً من الناس أصبحوا يتعاملون مع الأخبار بناءً على هوية الشخص المستهدف، لا على قوة الدليل.

فإذا كان الاتهام موجهاً إلى خصم سياسي، يُصدق فوراً، أما إذا طال شخصاً قريباً من توجهاتهم، تبدأ المطالبة بالأدلة والتروي وسماع الطرف الآخر.

وهكذا لم تعد الحقيقة واحدة، بل أصبحت لكل فريق حقيقته الخاصة، ولكل معسكر روايته التي يرفض مراجعتها.

وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع، لأن الاختلاف هنا لا يعود حول تفسير الوقائع، بل حول الاعتراف بالوقائع نفسها.

مسؤولية المواطن قبل الإعلام

من السهل تحميل المسؤولية كاملة للإعلام أو المنصات أو الجيوش الإلكترونية، لكن للمواطن أيضاً دور أساسي في مواجهة هذه الظاهرة.

لا أحد يجبر المستخدم على مشاركة خبر مجهول المصدر، ولا أحد يجبره على سب شخص لمجرد أن منشوراً اتهمه، ولا أحد يمنعه من التوقف للحظات قبل إصدار الحكم.

علينا أن نسأل دائماً: من نشر هذه المعلومة؟ هل هناك مصدر موثوق؟ هل الفيديو كامل؟ هل الصورة حديثة؟ هل سمعنا رواية الطرف الآخر؟ هل نحن أمام خبر أم أمام رأي موجه؟

هذه الأسئلة البسيطة قد تحمي إنساناً من ظلم واسع، وتحمي المجتمع من الانجرار إلى معارك صُنعت بعيداً عنه.

التربص خطر على المجتمع كله

خطورة التربص لا تتوقف عند ضحاياه المباشرين، بل تمتد إلى المجتمع بأكمله.

فعندما يعيش الناس في حالة اتهام دائم، تتراجع الثقة، ويصبح الجميع خائفين من التعبير، ويتحول الاختلاف إلى عداوة، وينقسم المجتمع إلى مجموعات تتبادل التشهير بدلاً من الحوار.

كما يفقد النقد الحقيقي قيمته، لأن كثرة الاتهامات تجعل الناس عاجزين عن التمييز بين القضية الجادة والحملة المصطنعة.

ومع الوقت، قد يتوقف الجمهور عن تصديق الجميع، فتضيع الحقيقة وسط الضوضاء والصراخ.

نحتاج إلى وعي لا إلى صمت

مواجهة التربص لا تعني إسكات النقد أو حماية المسؤولين والسياسيين من المساءلة.

بل تعني أن يكون النقد قائماً على الوقائع، وأن يكون الاتهام مدعوماً بالدليل، وأن يحصل كل طرف على حقه في الرد، وألا تتحول مواقع التواصل إلى منصات للإعدام المعنوي.

نحن بحاجة إلى إعلام أكثر مهنية، ومؤسسات أسرع في تقديم المعلومات، وقوانين تحمي الناس من التشهير، لكننا نحتاج قبل كل ذلك إلى مستخدم واعٍ لا يسمح للآخرين باستغلال غضبه.

فالمعركة الحقيقية إلىوم ليست فقط على الأرض، بل داخل الشاشات والعقول.

وهناك من يعمل كل يوم لإقناع الناس بما يريد، مستخدماً الأخبار الزائفة، والمقاطع المجتزأة، والتحليلات الموجهة، والحسابات المنظمة.

وأمام هذه المعركة، يصبح الوعي هو خط الدفاع الأول.

لا تشارك لأنك غاضب، ولا تصدق لأن الاتهام يوافق هواك، ولا تدن إنساناً قبل أن تعرف الحقيقة.

فمن يشارك إلىوم في التربص بغيره قد يصبح غداً ضحيته.

الكلمات المفتاحية:
لتربص السياسي في مصر ظاهرة التربص السياسي التربص على مواقع التواصل الجيوش الإلكترونية في مصر الحملات الإلكترونية المنظمة الأخبار الزائفة على السوشيال ميديا التضليل الإعلامي توجيه الرأي العام صناعة الرأي العام الإلكتروني اغتيال الشخصيات معنوياً التشهير بالسياسيين حملات تشويه السياسيين ضحايا مواقع التواصل الاستقطاب السياسي في مصر ثورة 25 يناير ومواقع التواصل ثورة 30 يونيو والسوشيال ميديا تأثير مواقع التواصل على السياسة دور السوشيال ميديا في المجتمع الحسابات الوهمية اللجان الإلكترونية الهاشتاجات الموجهة كيفية عمل الجيوش الإلكترونية كيف نكتشف الأخبار الكاذبة التحقق من الأخبار الأخبار المضللة في مصر حملات التشهير الإلكتروني النقد السياسي والتربص الفرق بين النقد والتشهير الاغتيال المعنوي للشخصيات العامة استهداف المواطنين على فيسبوك الشائعات على مواقع التواصل تحليل الأخبار الزائفة التلاعب بالرأي العام خوارزميات مواقع التواصل انتشار الغضب على السوشيال ميديا أثر الشائعات على المجتمع مخاطر إعادة نشر الأخبار التوعية الرقمية التربية الإعلامية حماية المجتمع من الشائعات الإعلام والجيوش الإلكترونية منصات التواصل والسياسة معارك السوشيال ميديا حملات منظمة على فيسبوك حسابات إلكترونية موجهة الأمن المعلوماتي للمواطن حروب الجيل الرابع الحرب النفسية عبر الإنترنت التأثير النفسي لمواقع التواصل الاستقطاب المجتمعي محاكمات السوشيال ميديا ترندات سياسية في مصر الأخبار المفبركة المقاطع المجتزأة توجيه الجمهور إلكترونياً التربص بالشخصيات العامة الحملات المدفوعة على الإنترنت مسؤولية الإعلام في مواجهة التضليل.
عاجل