أعاد مقتل نجل الزعيم الليبي السابق فتح واحد من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في المشهد الليبي، ليس فقط بسبب رمزية الشخصية المغيَّبة، بل لما يحمله الحدث من دلالات سياسية وقبلية وأمنية تهدد بإعادة إنتاج دوامة الصراع.
وبحسب مصادر ليبية موثوقة، فإن طريقة الدفن، ومكانه، وتوقيت الاغتيال، كلها عناصر لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع للصراع على مستقبل الدولة الليبية.
لماذا دُفن في بني وليد؟
وصية عائلية ورسالة رمزية
تشير الروايات المتقاطعة إلى أن اختيار مدينة بني وليد كمكان للدفن لم يكن قرارًا عابرًا، بل تنفيذًا لوصية سابقة، تقضي بأن يُدفن إلى جوار أحد أفراد عائلته الذي قُتل في المدينة نفسها خلال سنوات الصراع.
وبحسب هذه الروايات، فإن الوصية حملت بعدًا عائليًا وقبليًا عميقًا، ورسالة وفاء تتجاوز الحسابات السياسية، وتُعيد التأكيد على مركزية الروابط القبلية في الثقافة الليبية.

من يقف خلف الاغتيال؟
بين الفاعل الداخلي والمشروع الخارجي
تُجمع التحليلات الليبية على أن جهة الاغتيال لم تُحسم بعد، لكن السيناريوهات المطروحة تنقسم إلى مسارين رئيسيين:
-
مسار داخلي: يفترض تورط أطراف محلية، وهو ما يُنذر – وفق مراقبين – بانزلاق البلاد إلى مرحلة أكثر خطورة من عدم الاستقرار، إذ يعكس هشاشة البنية الأمنية وتعدد مراكز القوة.
-
مسار خارجي: ترجّحه مصادر سياسية ترى أن قوى إقليمية ودولية لا مصلحة لها في بقاء أي صوت وطني جامع، وأن تغييب هذه الشخصية يخدم مشاريع تتغذى على استمرار الانقسام.
وتذهب بعض التقديرات إلى أن الخطر الحقيقي على هذه المشاريع كان يتمثل في إمكانية تحوله إلى رمز توافقي في مرحلة سياسية لاحقة.
اغتيال سياسي أم رسالة ردع؟
حسابات ما بعد الغياب
وفق مصادر متابعة، فإن عملية الاغتيال – إن ثبتت فرضية التخطيط الخارجي – لا تستهدف شخصًا بعينه بقدر ما تُرسل رسالة ردع لأي محاولة لإعادة إنتاج مشروع وطني خارج وصاية السلاح أو التدخلات الأجنبية.
وفي المقابل، فإن وجود أيادٍ محلية – سواء بدوافع مالية أو سياسية – يعكس حجم التصدع الداخلي الذي تعانيه ليبيا منذ سنوات.

ليبيا والمجتمع القبلي: تداعيات لا يمكن تجاهلها
الدم في الذاكرة الجمعية
تحذّر مصادر اجتماعية من أن تداعيات الاغتيال قد تكون واسعة، نظرًا لطبيعة المجتمع الليبي القائم على التوازنات القبلية، حيث لا يُنظر إلى الدم كحادث فردي، بل كقضية ممتدة عبر الأجيال.
وتؤكد هذه المصادر أن غياب المعالجة السياسية والقضائية العادلة قد يُعيد إشعال ثارات مؤجلة ويُغذي موجات انتقام متبادل.
هل كان يشكل خطرًا انتخابيًا؟
الانتخابات كحل ضائع
تنفي مصادر سياسية ليبية أن يكون الراحل قد شكّل تهديدًا مباشرًا لمرشحين بعينهم، مؤكدة أن صندوق الاقتراع كان – نظريًا – كفيلًا بحسم أي تنافس سياسي.
غير أن تعثر المسار الانتخابي وغياب الدولة الجامعة جعلا من الاغتيال أداة بديلة لتصفية الخصوم بدل الاحتكام للإرادة الشعبية.
مطلب التحقيق الدولي
أزمة ثقة في العدالة
رغم التأكيد على احترام القضاء الوطني، ترى جهات ليبية أن حجم الجريمة وتشابكها الدولي يستدعي تحقيقًا دوليًا مستقلًا، لضمان الشفافية وكشف جميع الأطراف المتورطة.
وتحذّر هذه الجهات من أن تجاهل الحقيقة سيضع ليبيا على حافة جرف صراعي جديد، في لحظة تحتاج فيها البلاد إلى التهدئة لا التصعيد.
قراءة في المشهد العام
يأتي هذا الاغتيال في سياق دولة تعاني من:
-
انقسام سياسي حاد
-
هشاشة أمنية مزمنة
-
تدخلات خارجية متنافسة
-
غياب مشروع وطني جامع
ما يجعل من الحادث أكثر من مجرد تصفية شخصية، بل فصلًا جديدًا في صراع طويل على هوية ليبيا ومستقبلها.
الأغتيال الغامض
بين وصية الدفن في بني وليد، وغموض الاغتيال، وتعقيدات الداخل والخارج، يبقى السؤال الأكبر:
هل يُغلق هذا الحدث صفحة من الماضي، أم يفتح أبواب صراع جديد لم تُحسب كلفته بعد؟


