أفريقيا بين فوهات البنادق وحسابات الردع
تحتدم المنافسة على القوة العسكرية في أفريقيا بوتيرة غير مسبوقة، في قارة لم تهدأ فيها الصراعات المسلحة منذ عقود، وتتداخل فيها النزاعات الداخلية مع الحسابات الإقليمية والدولية. من شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث تجددت المواجهات المسلحة بسقوط مدينة غوما مطلع عام 2025، إلى منطقة الساحل التي تحولت منذ عام 2012 إلى مسرح مفتوح للجماعات الإرهابية، تبدو القارة السمراء أمام واقع أمني بالغ التعقيد.
هذا الواقع دفع العديد من الدول الأفريقية إلى إعادة النظر في عقيدتها الدفاعية، فلم يعد امتلاك جيش كبير عددًا كافيًا، بل بات التركيز منصبًا على نوعية التسليح، وتحديث البنية التحتية العسكرية، وتطوير القدرات اللوجستية والاستخباراتية، في محاولة لفرض توازن ردع داخل بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.
أفريقيا ساحة صراعات مفتوحة
شرق الكونغو.. حرب بلا نهاية
في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، تتجدد المواجهات المسلحة منذ أكثر من ثلاثين عامًا، وسط صراع معقد بين جماعات مسلحة محلية وقوى إقليمية غير مباشرة. وجاء سقوط مدينة غوما في يناير/كانون الثاني 2025 ليؤكد أن النزاع ما زال بعيدًا عن أي حل جذري، وأن القوة العسكرية ستظل عنصرًا حاسمًا في المعادلة السياسية.
الساحل الأفريقي.. الإرهاب يفرض معادلات جديدة
من مالي إلى بوركينا فاسو والنيجر، تعيش منطقة الساحل واحدة من أخطر المراحل الأمنية في تاريخها الحديث. فمنذ عام 2012، باتت الجماعات الإرهابية تحديًا دائمًا للدول، ما دفع الجيوش الوطنية إلى إعادة هيكلة قواتها، وزيادة الإنفاق العسكري، والاعتماد على الشراكات الدفاعية الإقليمية والدولية.

التوترات الدبلوماسية تدفع نحو التسلح
في هذا السياق، أشارت مجلة «جون أفريك» الفرنسية إلى أن القارة لا تعيش فقط على وقع الحروب المفتوحة، بل تشهد أيضًا تصاعدًا ملحوظًا في التوترات الدبلوماسية، من شمال أفريقيا إلى القرن الأفريقي. هذا المشهد المتشابك دفع عددًا متزايدًا من الدول إلى تسريع خطط تحديث جيوشها، سواء عبر زيادة عدد القوات، أو اقتناء معدات أكثر تطورًا، أو الاستثمار في الصناعات الدفاعية المحلية.
مؤشر عالمي لقياس القوة العسكرية
ما هو تصنيف «جلوبال فاير باور»؟
يُعد تصنيف عام 2026 لأقوى الجيوش في العالم، الصادر عن مؤسسة «جلوبال فاير باور» منذ عام 2006، أحد أبرز المؤشرات العالمية لقياس موازين القوة العسكرية. ويعتمد التصنيف على ما يُعرف بـ«مؤشر القوة»، الذي يستند إلى نحو 60 معيارًا مختلفًا.
معايير القياس
يشمل المؤشر عدة عناصر أساسية، من بينها:
-
عدد القوات العسكرية النشطة
-
حجم ونوعية العتاد العسكري
-
البنية التحتية الدفاعية
-
القدرات الجوية والبحرية
-
الميزانيات الدفاعية
-
التوزيع الجغرافي والجاهزية القتالية
ورغم أن التصنيف لا ينشر جميع تفاصيل منهجيته، ما يستوجب التعامل معه بحذر، فإنه يظل أداة مهمة لمقارنة التطور النسبي بين الجيوش، خصوصًا في القارة الأفريقية.
ثلاثي الصدارة الأفريقية في 2026
مصر في الصدارة بلا منازع
كشفت نتائج تصنيف 2026 عن استمرار الجيش المصري في تصدر قائمة أقوى الجيوش الأفريقية بلا منازع، محافظًا على المركز الأول قاريًا كما كان في عام 2025، بمؤشر قوة بلغ 0.365، ما يعكس حجم التطوير المستمر في القدرات البرية والجوية والبحرية.
الجزائر في المركز الثاني
حلّ الجيش الجزائري في المرتبة الثانية أفريقيًا بمؤشر قوة بلغ 0.485، مستفيدًا من استثمارات طويلة الأمد في التسليح والبنية الدفاعية، إلى جانب خبرة ميدانية متراكمة في مكافحة الإرهاب.
نيجيريا ثالثًا
وجاء الجيش النيجيري في المركز الثالث بمؤشر 0.610، مدعومًا بحجمه الكبير ودوره المحوري في غرب أفريقيا، رغم التحديات الأمنية التي يواجهها داخليًا.

صعود وتراجع في مراكز متقدمة
جنوب أفريقيا وإثيوبيا
حلّ الجيش الجنوب أفريقي رابعًا بمؤشر 0.684، يليه الجيش الإثيوبي في المركز الخامس بمؤشر 0.853، في ظل بيئة إقليمية متوترة في القرن الأفريقي.
المغرب يتقدم
سجّل الجيش المغربي تقدمًا بمركز واحد ليحتل المرتبة السادسة أفريقيًا بمؤشر 1.037، متجاوزًا أنغولا التي تراجعت إلى المركز السابع بمؤشر 1.105.
الكونغو والسودان
حافظت جمهورية الكونغو الديمقراطية على المركز الثامن بمؤشر 1.305، بينما جاءت السودان في المركز التاسع بمؤشر 1.356، وسط تحديات سياسية وأمنية معقدة.
تونس تحقق القفزة الأكبر
سجّل الجيش التونسي أبرز تقدم في تصنيف 2026، بعدما قفز أربعة مراكز أفريقيًا، من المرتبة 14 إلى المرتبة 10، محققًا مؤشر قوة بلغ 1.782، في دلالة على جهود واضحة لتحديث القدرات العسكرية وتعزيز الجاهزية.
تحركات لافتة في بقية القائمة
على مستوى باقي الدول:
-
تراجعت ليبيا وكينيا وتشاد مركزًا واحدًا لكل منها
-
تقدمت تنزانيا ومالي مركزًا واحدًا
-
حققت زيمبابوي قفزة لافتة بتقدمها أربعة مراكز إلى المرتبة 18 بمؤشر 2.280
-
تقدمت أوغندا أربعة مراكز إلى المرتبة 19 بمؤشر 2.325
-
تراجعت ساحل العاج ثلاثة مراكز إلى المرتبة العشرين بمؤشر 2.388
سباق تسلح أفريقي.. إلى أين؟
يعكس تصنيف 2026 صورة واضحة للفوارق النسبية في القوة العسكرية بين دول القارة، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن اتجاه عام نحو سباق تسلح متصاعد، تفرضه بيئة أمنية هشة وصراعات ممتدة. وبينما تسعى بعض الدول إلى بناء قدرات ردع حقيقية، تجد أخرى نفسها مضطرة للحاق بالركب خوفًا من اختلال موازين القوة.
القوة العسكرية عنصر مركزي في حسابات الاستقرار السياسي
في قارة تعيش على وقع الأزمات، لم تعد القوة العسكرية مجرد أداة دفاع، بل عنصرًا مركزيًا في معادلات السياسة والاقتصاد والاستقرار. ومع استمرار النزاعات وتزايد التوترات الإقليمية، يبدو أن سباق التسلح في أفريقيا مرشح للاستمرار، ما لم تفرض الحلول السياسية نفسها بديلًا عن منطق السلاح.


