من جديد، يتحول معبر رفح إلى أداة ضغط سياسي وأمني في يد الحكومة الإسرائيلية، في مشهد يعكس بوضوح كيفية إدارة تل أبيب للملفات الإنسانية بعقلية الابتزاز والمقايضة.
فعلى الرغم من إدراج فتح الجانب الفلسطيني من المعبر ضمن المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، تواصل إسرائيل ربط التنفيذ بشروط إضافية، آخرها نتائج عملية عسكرية جارية للبحث عن جثمان الأسير الإسرائيلي ران غويلي، في وقت تتصاعد فيه الضغوط الأمريكية لإنهاء حالة الشلل المفروضة على أحد أهم شرايين الحياة لقطاع غزة.
موافقة مشروطة لا تنفيذ فعلي
وافقت إسرائيل مبدئيًا على إعادة فتح الجانب الفلسطيني من معبر رفح بين قطاع غزة و**مصر**، لكنها رهنت التنفيذ بإتمام عملية البحث عن جثمان الرهينة الإسرائيلي ران غويلي.
ويكشف هذا الشرط عن استمرار السياسة الإسرائيلية القائمة على ربط القضايا الإنسانية بملفات أمنية وعسكرية، رغم أن بند فتح المعبر أُدرج صراحة في اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
لا موعد رسمي رغم التسريبات
حتى الآن، لا يوجد توقيت محدد لإعادة فتح المعبر، رغم تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت سابقًا عن فتحه خلال يومين.
لكن القناة 12 الإسرائيلية نقلت عن مسؤول أمريكي قوله إن المعبر قد يُفتح نهاية الأسبوع، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين الرواية الإسرائيلية الرسمية والموقف الأمريكي.
خطة ترامب والرقابة الإسرائيلية

في بيان رسمي، قال مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو:
"كجزء من خطة الرئيس ترامب المكونة من 20 بندًا، وافقت إسرائيل على فتح معبر رفح، وهو معبر محدود لعبور الأفراد فقط، مع وجود آلية إشراف إسرائيلية كاملة".
وبموجب هذه الصيغة:
-
يُمنع مرور البضائع في المرحلة الحالية
-
تخضع حركة الفلسطينيين لمراقبة إسرائيلية عن بُعد
-
تُقام نقاط تفتيش للتدقيق في العائدين إلى غزة
-
يعمل المعبر عبر مراقبين أوروبيين وموظفين فلسطينيين دون زي رسمي
وهي شروط تعكس تحكمًا أمنيًا إسرائيليًا كاملًا في معبر يُفترض أنه إنساني بالأساس.
جثمان غويلي.. ورقة ضغط أخيرة
أكد البيان أن فتح المعبر كان مشروطًا في الأصل بإعادة جميع المختطفين أحياءً، قبل أن يُعاد تعديل الشرط ليشمل بذل أقصى جهد للعثور على جثامين المتوفين.
وأوضح مكتب نتنياهو أن الجيش الإسرائيلي ينفذ حاليًا عملية استخباراتية مركزة في شمال غزة للعثور على رفات ران غويلي، مشددًا على أن فتح المعبر لن يتم قبل انتهاء هذه العملية.
ضغوط أمريكية وخلافات داخلية
الملف لم يعد إسرائيليًا صرفًا، إذ تمارس الإدارة الأمريكية ضغوطًا متزايدة على نتنياهو لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة دونالد ترامب، والتي تشمل:
-
تثبيت وقف إطلاق النار
-
إعادة فتح المعبر بالاتجاهين
-
بدء مسار إعادة الإعمار
وقد التقى نتنياهو بالفعل بالمبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف و**جاريد كوشنر**، اللذين شددا على ضرورة عدم عرقلة التنفيذ.
في المقابل، يعارض وزراء متشددون في حكومة نتنياهو فتح المعبر قبل استعادة جثمان غويلي، ما يعكس انقسامًا داخليًا حادًا داخل الائتلاف الحاكم.
معبر رفح.. من شريان حياة إلى أداة ابتزاز
تحوّل معبر رفح، في السياق الحالي، من منفذ إنساني إلى ورقة تفاوض أمنية، تُستخدم للضغط على الفلسطينيين والمجتمع الدولي معًا.
وبين الضغوط الأمريكية، والتعنت الإسرائيلي، والانقسام السياسي الداخلي، يبقى مصير المعبر معلقًا، فيما يدفع سكان غزة ثمن التأجيل والمماطلة.


