انطلقت اليوم ، الجمعة، جولة جديدة من المحادثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة العُمانية مسقط، في أول اتصال دبلوماسي مباشر من نوعه منذ الضربات العسكرية التي استهدفت منشآت رئيسية في البرنامج النووي الإيراني خلال حرب الـ12 يومًا بين إيران وإسرائيل.
وتعكس هذه العودة إلى طاولة التفاوض محاولة متبادلة لاختبار فرص التهدئة، دون التخلي عن أوراق الضغط العسكرية والسياسية التي راكمها الطرفان خلال الأشهر الماضية.
سياق إقليمي متفجر يسبق المفاوضات
جاءت المحادثات بعد تصعيد غير مسبوق في يونيو/حزيران، حين شنت الولايات المتحدة ضربات دقيقة على مواقع نووية إيرانية، يُرجّح أنها ألحقت أضرارًا جسيمة بأجهزة الطرد المركزي، بالتوازي مع هجمات إسرائيلية استهدفت منظومات الدفاع الجوي الإيرانية وأجزاء من ترسانة الصواريخ الباليستية.
هذا السياق جعل من الجولة الحالية اختبارًا حقيقيًا لجدوى الدبلوماسية بعد مرحلة “الردع بالنار”.
من يشارك في المفاوضات؟
الوفد الإيراني
وصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى مسقط ليلًا، برفقة فريق من الدبلوماسيين، وفق ما نقلته وكالة “إرنا”.
وكتب عراقجي على منصة “إكس” أن إيران “تدخل معترك الدبلوماسية بعيون مفتوحة وذاكرة راسخة”، مشددًا على أن الالتزامات المتبادلة والاحترام والمصالح المشتركة هي الأساس لأي اتفاق دائم.
كما حظي عراقجي بدعم علني من مستشار المرشد الإيراني، علي شمخاني، الذي وصفه بـ“المفاوض البارع والاستراتيجي الموثوق على أعلى مستويات صنع القرار”.
الوفد الأمريكي
من الجانب الأمريكي، يقود المحادثات المبعوث الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، رجل الأعمال المقرب من الرئيس الأمريكي، ويرافقه في جولته الإقليمية جاريد كوشنر، الذي نشط مؤخرًا في ملفات غزة ومحادثات إقليمية متعددة الأطراف.
أجندة المفاوضات.. ما الذي يُطرح وما الذي يُستبعد؟
الملف النووي في الصدارة
أكدت طهران أن المحادثات تقتصر على برنامجها النووي، رافضة توسيع النقاش ليشمل ملفات إقليمية أخرى.
في المقابل، تحدثت تقارير عن مقترح غير رسمي قُدم عبر وسطاء من مصر وتركيا وقطر، يتضمن:
-
وقف تخصيب اليورانيوم لمدة ثلاث سنوات
-
تصدير اليورانيوم عالي التخصيب إلى خارج إيران
-
تعهد بعدم البدء باستخدام الصواريخ الباليستية
ورغم إبداء روسيا استعدادها لاستلام اليورانيوم، شدد شمخاني على أن إنهاء البرنامج النووي أو تصدير كامل المخزون “غير وارد” بالنسبة لإيران.
الخلاف حول الصواريخ والنفوذ الإقليمي
لم تتطرق الجولة الحالية إلى أذرع إيران الإقليمية أو مصيرها، وهو ما ترفضه طهران، بينما تصر واشنطن على إدراج هذه الملفات.
وكان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قد أكد أن أي اتفاق “ذي معنى” يجب أن يشمل الصواريخ الباليستية، ودعم الجماعات المسلحة، والملف النووي، وحقوق الإنسان داخل إيران.

دور عُمان.. الوسيط الهادئ
مسقط كمنصة تمهيدية
استضافت سلطنة عمان المحادثات، حيث أجرى عراقجي لقاءً تمهيديًا مع نظيره العُماني بدر البوسعيدي.
وأكدت الخارجية الإيرانية أن الوزير العُماني اطّلع على مقترحات وملاحظات طهران، في حين أعرب البوسعيدي عن أمله بأن تشكل الجولة أساسًا لتفاهم مستدام.
وأوضحت مسقط أن الجولة تركز على القضايا العامة دون الخوض في التفاصيل التقنية، تمهيدًا لوضع خارطة طريق مستقبلية.
دلالات سياسية وما بعد الجولة
تعكس هذه المفاوضات رغبة الطرفين في اختبار حدود الممكن سياسيًا دون تقديم تنازلات مبكرة، كما تشير إلى أن الطريق نحو اتفاق شامل لا يزال طويلًا ومعقدًا.
فبينما تسعى واشنطن لتوسيع سلة التفاوض، تتمسك طهران بحصرها في النووي، ما يفتح الباب أمام جولات لاحقة قد تكون أكثر صعوبة أو أكثر وضوحًا.
محادثات عُمان محطة أولى قد تفضي إلى مسار تفاوضي ممتد
في ظل توازن هش بين الضغط العسكري والدبلوماسية المشروطة، تبقى محادثات عُمان محطة أولى قد تفضي إلى مسار تفاوضي ممتد، أو تتحول إلى مجرد هدنة سياسية مؤقتة بانتظار تطورات إقليمية جديدة.


