بين النقد والإنصاف.. رسالة دعم إلى محافظ سوهاج وكل المخلصين
من واجب الصحافة أن تنتقد ما تراه خطأ، وأن تكشف أوجه القصور، وأن تضع المسؤول أمام واجباته تجاه المواطنين. لكن من واجبها أيضًا أن تُنصف من يعمل بجد، وأن تشيد بكل مسؤول يتعامل مع منصبه باعتباره تكليفًا لخدمة الناس، لا وسيلة للحصول على الألقاب أو الامتيازات.
فالصحافة التي لا ترى إلا الأخطاء تفقد جزءًا من رسالتها، كما أن الصحافة التي لا تفعل سوى المدح تفقد مصداقيتها. وبين النقد والإشادة تبقى الحقيقة هي المعيار، ويبقى الإنصاف واجبًا لا يقل أهمية عن المحاسبة.
لماذا أكتب عن محافظ سوهاج؟
أتحدث هنا عن محافظ سوهاج، وهو رجل لا تربطني به معرفة شخصية، ولم ألتقِ به من قبل، ولا تجمعني به أي مصلحة مباشرة أو غير مباشرة.
لكنني واحد من أبناء هذه المحافظة، أتابع ما يجري فيها، وأهتم بكل صغيرة وكبيرة تتعلق بأهلها ومراكزها وقراها، ولذلك تابعت أداء المحافظ منذ وصوله إلى سوهاج في ظروف خاصة ودقيقة يعلمها الجميع.
وخلال هذه المتابعة، لفت انتباهي الكثير من التفاصيل التي دفعتني إلى الكتابة عنه، ليس من باب المجاملة، ولا بحثًا عن منفعة، وإنما من منطلق أن كلمة الحق يجب أن تُقال، سواء كانت نقدًا أو إشادة.
محافظ يرفض التكلف ويقترب من المواطنين
من أبرز ما يلفت الانتباه في أداء محافظ سوهاج أنه لا يبدو أسيرًا للمظاهر الرسمية أو الألقاب، بل يتحرك بصورة دائمة بين مراكز المحافظة، ويتواجد في مواقع الأحداث، ويتعامل مع المواطنين بصورة مباشرة وبملابس بسيطة خالية من التكلف.
وهذه الصورة ليست مجرد مظهر شكلي، لأن المسؤول الحقيقي لا يُقاس بحجم مكتبه، ولا بعدد الحواجز التي تفصله عن الناس، وإنما بقدرته على النزول إلى الشارع، والاستماع إلى الشكاوى، ورؤية المشكلات بعينيه، ثم التحرك لحلها.
المسؤول لا يعرف الحقيقة من التقارير فقط
قد تكون التقارير الرسمية ضرورية، لكنها لا تكشف دائمًا الصورة الكاملة، وقد تصف المشكلة من زاوية إدارية بعيدة عن معاناة المواطن اليومية.
أما المسؤول الذي ينزل إلى الشارع ويزور القرى والمدن ويتحدث إلى الناس، فإنه يرى الواقع كما هو، ويستطيع أن يميز بين الحقيقة والتجميل، وبين الإنجاز الفعلي والإنجاز المكتوب على الورق.
وهذا النوع من التحرك الميداني هو ما تحتاج إليه سوهاج، خاصة أنها محافظة مترامية الأطراف، وتضم مراكز وقرى تعاني منذ سنوات مشكلات متراكمة في الخدمات والمرافق والطرق والصحة والتعليم.
هل الإشادة بالمسؤول نفاق؟
أدرك جيدًا أن قطاعًا كبيرًا من الناس لا يحب مقالات الإشادة بالمسؤولين، ويرى في بعضها نوعًا من النفاق أو محاولة للتقرب من أصحاب المناصب.
وهذا التخوف مفهوم، لأننا شاهدنا عبر سنوات طويلة نماذج من الكتابة التي تحولت من الصحافة إلى التطبيل، ومن النقد إلى صناعة صورة زائفة للمسؤول.
لكن وجود النفاق لا يعني أن كل إشادة نفاق، كما أن وجود الفساد لا يعني أن كل مسؤول فاسد.

محافظ سوهاج بملابس بسيطة في موقع الحدث
الحقيقة هي الفيصل
الفرق واضح بين الإشادة القائمة على الوقائع، وبين المدح المصنوع بحثًا عن مصلحة.
فمن يكتب عن مسؤول لا يعرفه، ولا ينتظر منه منفعة، ولا يطلب منه شيئًا، ثم يشيد بما يراه من عمل وجهد، لا يمارس نفاقًا، وإنما يؤدي واجبًا أخلاقيًا ومهنيًا.
الانتماء إلى الحقيقة يجب أن يكون هو الباقي، وذكر محاسن الناس حق، كما أن كشف أخطائهم واجب.
ومن يعمل بصدق في هذا البلد من حقه أن يحصل على الثناء، ليس من أجل شخصه، وإنما حتى يشعر كل مسؤول مخلص بأن المجتمع يراه، ويقدّر جهده، ويدعمه في مواجهة الفساد والروتين وأصحاب المصالح.
دور الصحافة لا يقتصر على الهجوم
لا يجب أن يقتصر دورنا على الهجوم والنقد وكشف السلبيات فقط، رغم أهمية هذه الوظيفة.
فمن واجبنا أيضًا أن نقف بكل قوة خلف كل من يحاول العمل بجد وإخلاص من أجل رفعة الوطن، وأن نكون داعمين وإيجابيين في مساندة المخلصين داخل مؤسسات الدولة.
النقد مهم لأنه يصحح المسار، لكن الدعم مهم أيضًا لأنه يمنح المسؤول الجاد قوة معنوية للاستمرار.
الدعم لا يعني منح شيك على بياض
الإشادة بمحافظ سوهاج اليوم لا تعني التوقف عن نقده غدًا إذا أخطأ، ولا تعني اعتبار كل قراراته صحيحة، ولا تعفيه من المسؤولية والمحاسبة.
بل إن المعنى الحقيقي للإنصاف هو أن نقول للمحسن أحسنت، وللمخطئ أخطأت، دون خصومة أو مصلحة.
الدعم الحقيقي ليس تقديس الأشخاص، وإنما مساندة العمل الجاد، مع استمرار المتابعة والرقابة والمساءلة.
الشرفاء موجودون في مؤسسات الدولة
لقد رأينا جميعًا نماذج عظيمة لمسؤولين لم يتعاملوا مع مناصبهم باعتبارها مجرد مواقع إدارية، بل اعتبروها مسؤولية وشرفًا وتضحية.
ومن بين هذه النماذج اللواء الشربيني، رحمه الله ورحم شهداء الوطن جميعًا، والذي كان يشغل منصبًا قياديًا في الحماية المدنية بالقاهرة.
كان بإمكانه أن يبقى داخل مكتبه، وأن يتلقى التقارير والأخبار من موقع الحريق في منشأة ناصر، لكنه اختار أن ينزل بنفسه إلى الميدان، وأن يعمل وسط رجاله كواحد منهم.

المنصب الحقيقي يظهر وقت الخطر
في الأوقات العادية، قد تتشابه صور المسؤولين، لكن المواقف الصعبة هي التي تكشف المعادن الحقيقية.
فاللواء الشربيني لم يكتفِ بإصدار التعليمات، وإنما تقدم الصفوف، ودفع حياته ثمنًا لأداء واجبه، ليؤكد أن مصر لا تخلو من الشرفاء، وأن في مؤسسات الدولة رجالًا يقومون بأدوارهم بإخلاص وشجاعة.
وكما يوجد الفساد، يوجد الشرف، وكما يوجد المقصرون، يوجد المخلصون، والعدالة تقتضي ألا نعمم الاتهام، وألا نضع الجميع في سلة واحدة.
سوهاج تحتاج إلى مسؤول حاضر في الشارع
محافظة سوهاج لا تحتاج إلى مسؤول يديرها من خلف الأبواب المغلقة، بل تحتاج إلى محافظ حاضر بين الناس، يعرف مشكلاتهم، ويستمع إلى شكواهم، ويتابع المشروعات بنفسه، ويحاسب المقصرين دون تردد.
وما رأيناه حتى الآن من حركة المحافظ وتواجده الميداني وبساطته في التعامل يمنح الناس قدرًا من الأمل، ويجعلنا نتمنى أن تستمر هذه الروح، وأن تتحول الجولات والزيارات إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
النجاح يُقاس بما يصل إلى المواطن
المواطن لا يريد صورًا ولا تصريحات، وإنما يريد خدمة صحية جيدة، ومدرسة مناسبة، وطريقًا آمنًا، ومياهًا نظيفة، ومواصلات آدمية، واستجابة سريعة لشكواه.
لذلك فإن الإشادة الحالية يجب أن تكون دافعًا للاستمرار، وليس نهاية للتقييم، لأن النجاح الحقيقي سيظل مرتبطًا بحجم ما يتحقق على الأرض.
رسالة إلى محافظ سوهاج
نقول لمحافظ سوهاج: استمر في النزول إلى الشارع، واستمع إلى المواطنين، ولا تسمح للحواجز الإدارية أن تفصلك عن الحقيقة.
استمر في مواجهة التقصير، ولا تخشَ أصحاب المصالح، واجعل البسطاء في القرى والنجوع والمراكز هم معيارك الأول في تقييم النجاح.
وإذا كان ما نراه بداية حقيقية لمرحلة جديدة في المحافظة، فقد يكون هذا الرجل بالفعل هدية من الله لأهل سوهاج، بشرط أن يستمر العمل، وأن تتحول النوايا الطيبة والحركة الدائمة إلى تغيير حقيقي ومستدام.
تحية لكل مخلص في هذا الوطن
هذه ليست رسالة مدح لشخص، وإنما رسالة دعم لكل مسؤول يعمل بصدق، ولكل موظف يؤدي واجبه، ولكل قائد ينزل إلى الميدان، ولكل إنسان يختار ضميره على حساب مصلحته.
تحية إلى محافظ سوهاج على ما نراه من جهد وحضور بين المواطنين، وتحية إلى كل الشرفاء في هذا الوطن، الذين يثبتون كل يوم أن مصر لا تزال تملك رجالًا يعملون بصمت وإخلاص.
وتبقى رسالتنا واضحة: سننتقد الخطأ بلا خوف، لكننا أيضًا سنشيد بالصواب بلا تردد، لأن الإنصاف هو جوهر الصحافة، والحقيقة هي المصلحة الوحيدة التي تستحق أن ندافع عنها.


