جنازة خامنئي تكشف «ألماسة إيران».. هرمز يتقدم على الملف النووي
لم تكن جنازة المرشد الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي، التي شهدتها طهران يوم الاثنين 6 يوليو 2026، مجرد مراسم وداع وطنية، بل تحولت إلى استعراض سياسي ورسالة تحدٍ موجهة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، مفادها أن الحرب لم تنجح في إخضاع الجمهورية الإسلامية أو تفكيك مؤسساتها.
وسعت القيادة الإيرانية، من خلال الحشود الضخمة والشعارات المناهضة لواشنطن وتل أبيب، إلى تقديم صورة دولة ما زالت متماسكة وقادرة على حشد الشارع وفرض نفسها لاعبًا رئيسيًا في ترتيبات ما بعد الحرب. ويرى مسؤولون ودبلوماسيون ومحللون أن هذا المشهد يمثل جزءًا من استراتيجية تفاوضية أوسع تحاول طهران عبرها تحويل قدرتها على الصمود إلى نفوذ سياسي دائم.
جنازة خامنئي تتحول إلى رسالة سياسية
الحشود التي ملأت شوارع طهران لم تكن موجهة إلى الداخل الإيراني وحده، بل حملت رسالة إلى الخارج أيضًا.
فإيران تريد القول إن الضربات الأمريكية والإسرائيلية، التي بدأت يوم 28 فبراير 2026 وأدت إلى مقتل خامنئي وعدد من أفراد عائلته، لم تنجح في إنهاء النظام أو إضعاف قدرته على التحكم في مسار الأحداث.
من الحداد إلى استعراض القوة
استخدمت السلطات الإيرانية مراسم التشييع لإظهار الوحدة والتماسك، في الوقت الذي تحاول فيه إعادة صياغة نتائج الحرب باعتبارها صمودًا في وجه قوتين عسكريتين كبيرتين.
وهكذا تحولت الجنازة من حدث ديني وشعبي إلى منصة سياسية تؤكد من خلالها طهران أنها لم تدخل مفاوضات ما بعد الحرب من موقع المنهزم، بل من موقع طرف يعتقد أنه ما زال يمتلك أوراق ضغط مؤثرة.

«لن نقايض قطعة ألماس بمصاصة»
يختصر المثل الفارسي الذي استشهد به أليكس فاتانكا، الباحث في معهد الشرق الأوسط، طريقة التفكير الإيرانية الحالية: «لماذا نقايض قطعة ألماس بمصاصة؟»
وفي حسابات طهران، تمثل السيطرة والنفوذ على مضيق هرمز «الألماسة»، بينما يمثل رفع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة مكاسب مالية يمكن التفاوض عليها لاحقًا، لكنها لا تساوي القيمة الجيوسياسية للمضيق.
هرمز أهم من العائدات المالية
قد تستطيع إيران جني عائدات كبيرة من فرض رسوم أو ترتيبات مرور جديدة على السفن، لكن الأهمية الحقيقية للمضيق بالنسبة إلى طهران تتجاوز المال.
فالمطلوب إيرانيًا، بحسب محللين، هو انتزاع اعتراف دولي بأن الجمهورية الإسلامية صاحبة النفوذ الأكبر في الممر، وأن أي ترتيبات أمنية أو ملاحية مستقبلية لا يمكن أن تتم من دون موافقتها.
لماذا يمثل مضيق هرمز ورقة إيران الأقوى؟
يعد مضيق هرمز أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، إذ عبر خلاله في عام 2024 والربع الأول من 2025 أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا، ونحو خمس الاستهلاك العالمي من النفط والمنتجات البترولية، إضافة إلى قرابة خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا.
وتعني هذه الأرقام أن أي اضطراب في المضيق لا يؤثر على إيران ودول الخليج فقط، بل يمتد مباشرة إلى أسعار الطاقة والاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد في آسيا وأوروبا.
موقع إيران يتحول إلى سلاح تفاوضي
الحرب كشفت قدرة إيران على تهديد حركة السفن وتأخير الإمدادات ودفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع.
وبذلك أصبح الموقع الجغرافي لإيران أهم من كميات اليورانيوم المخزنة لديها في المرحلة الحالية، لأن واشنطن تستطيع الضغط عبر العقوبات، لكن طهران تستطيع التأثير في أسواق الطاقة العالمية عبر بوابة هرمز.
طهران تؤجل النووي وتقدم هرمز
كان الهدف الأمريكي من وقف إطلاق النار لمدة 60 يومًا هو إحياء المفاوضات الخاصة بالبرنامج النووي الإيراني، ومنع طهران من تطوير ترسانة نووية.
لكن فترة التهدئة فتحت معركة تفاوضية مختلفة، إذ تحاول إيران تثبيت مكاسبها في مضيق هرمز قبل الانتقال إلى مناقشة تخصيب اليورانيوم أو القيود النووية.
إيران تتحكم في إيقاع المفاوضات
لم يبدأ العد التنازلي الكامل لمهلة الستين يومًا بالصورة المتوقعة، بينما تمنح مراسم التشييع وتأجيل الجولات التفاوضية طهران مزيدًا من الوقت.
وتشير التقديرات إلى أن إيران ليست في عجلة من أمرها، لأنها تعتقد أن الوقت يعمل لمصلحتها، وأن الإدارة الأمريكية بحاجة إلى اتفاق أكثر من حاجة طهران إلى تقديم تنازلات سريعة.
قاليباف: هرمز «هبة إلهية»
عبر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف عن هذا التوجه بوضوح، عندما وصف مضيق هرمز بأنه أحد أعظم مصادر قوة إيران و«هبة» يجب الحفاظ عليها.
وتكشف هذه التصريحات أن ملف المضيق لم يعد مجرد ورقة مؤقتة تستخدم خلال الحرب، بل أصبح جزءًا أساسيًا من العقيدة السياسية والأمنية الإيرانية في مرحلة ما بعد القتال.
تحويل السيطرة إلى وضع مؤسسي
تسعى إيران إلى تحويل نفوذها الفعلي إلى ترتيبات دائمة قد تشمل:
- آليات تنسيق مع السفن العابرة.
- خطوط اتصال لتجنب الاشتباك.
- ترتيبات جديدة للمرور الآمن.
- اعترافًا أكبر بدور إيران في إدارة أمن المضيق.
- رسومًا مقابل بعض الخدمات أو عمليات التنسيق.
وقد أعلنت طهران بالفعل التوصل إلى تفاهم بشأن إنشاء خط اتصال لتنظيم المرور الآمن وتجنب الحوادث في المضيق.
ترامب تحت ضغط الوقت والانتخابات
تراهن إيران على أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يريد الانخراط في حرب طويلة جديدة قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر.
وترى طهران أن ترامب يحتاج إلى إعلان اتفاق سياسي وإنهاء الأزمة، وهو ما يمنح المفاوض الإيراني مساحة أكبر للمماطلة ورفع سقف المطالب.
طهران تعتقد أن الوقت في صالحها
بحسب تقديرات خبراء أمريكيين، يعرف الإيرانيون أن ترامب يرغب في تجاوز الأزمة والانتقال إلى ملفات داخلية أخرى.
ومن هنا، تحاول إيران استغلال عامل الوقت لدفع واشنطن إلى قبول ترتيبات جديدة في هرمز، قبل تقديم تنازلات جوهرية في ملفها النووي.
هل فشلت الحملة العسكرية الأمريكية؟
يرى محللون أن الحملة الأمريكية الإسرائيلية ألحقت خسائر كبيرة بإيران، لكنها لم تنجح في كسر إرادة القيادة أو حرمانها من أبرز أدوات الضغط.
فالقوة العسكرية لم تغير الموقع الجغرافي لإيران، كما لم توفر بدائل كاملة للدول التي تعتمد على مضيق هرمز في تصدير النفط والغاز.
وقف الحرب قبل حل أسبابها
تقول ابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات، إن إنهاء الحرب دون تسوية جذور الأزمة ربما ساعد إيران على تحويل هرمز من أداة ضغط مؤقتة إلى مصدر دائم للنفوذ.
فقد أدركت طهران أن قدرتها على تهديد حركة الطاقة العالمية تمنحها وزنًا تفاوضيًا لا يقل أهمية عن برنامجها النووي.
مخاوف خليجية من «كنز هرمز»
تتابع دول الخليج التطورات بحذر، لأنها ستكون أول المتأثرين بأي قيود جديدة أو رسوم أو اضطرابات في الملاحة.
ورغم امتلاك السعودية والإمارات خطوط أنابيب تستطيع تجاوز المضيق جزئيًا، فإن الطاقة الاستيعابية المتاحة لا تكفي لتعويض جميع الكميات التي تمر عبر هرمز.
لا بديل كاملًا عن المضيق
تستطيع بعض خطوط الأنابيب نقل جزء من النفط إلى البحر الأحمر أو خليج عمان، لكنها لا تمثل بديلًا شاملًا للممر البحري.
ولهذا تخشى دول الخليج من أن تقبل واشنطن بشروط إيرانية لإعادة فتح المضيق بالكامل، تجنبًا لمزيد من الصدمات في أسعار النفط والغاز.
إيران لن تتخلى عن هرمز
الخلاصة التي يتفق عليها محللون ومسؤولون إقليميون هي أن طهران لن تتنازل بسهولة عن النفوذ الذي أثبتت أنها تمتلكه في المضيق.
وقد تقبل إيران إعادة حركة السفن وتخفيف القيود، لكنها ستسعى إلى ضمان ألا يعود الوضع إلى ما كان عليه قبل الحرب في 27 فبراير 2026.
لا عودة إلى قواعد ما قبل الحرب
ما تريده إيران ليس فقط رفع العقوبات أو الإفراج عن الأصول المجمدة، بل إعادة تعريف مكانتها الإقليمية.
إنها تريد أن تتعامل معها الولايات المتحدة والعالم باعتبارها القوة التي لا يمكن تجاوزها في مضيق هرمز، وأن يصبح هذا الاعتراف نقطة البداية لأي اتفاق نووي أو سياسي مقبل.
جنازة ترسم ملامح النظام الإقليمي الجديد
في هذا السياق، تبدو جنازة خامنئي لحظة رمزية حاولت فيها القيادة الإيرانية إعلان بداية مرحلة جديدة.
فالرسالة التي أرادت طهران إيصالها واضحة: إيران دفعت ثمنًا باهظًا، لكنها لم تستسلم، ولن تتخلى عن أهم ورقة قوة كشفتها الحرب.
ورغم أن نتيجة المفاوضات لا تزال غير محسومة، فإن واشنطن قد تجد نفسها في النهاية مضطرة إلى قبول إعادة فتح مضيق هرمز ضمن ترتيبات تمنح إيران نفوذًا أكبر مما كانت تتمتع به قبل اندلاع الحرب.


