المجموع الكبير لا يكفي.. رسوب نحو ثلثي طلاب أولى أسنان سوهاج يفتح ملف اختيار الكليات
أعادت نتيجة الفرقة الأولى بكلية طب وجراحة الفم والأسنان في جامعة سوهاج فتح واحد من أكثر ملفات التعليم المصري حساسية: هل يكفي حصول الطالب على مجموع مرتفع في الثانوية العامة ليكون مؤهلًا فعلًا للالتحاق بإحدى كليات القطاع الطبي؟
فقد أعلنت جامعة سوهاج، الأحد 5 يوليو 2026، اعتماد نتائج الفرقتين الأولى والثانية، وبلغت نسبة النجاح في الفرقة الأولى 34.23% فقط، بما يعني أن نحو 65.77% من الطلاب لم يجتازوا العام بنجاح، في مقابل ارتفاع نسبة النجاح بالفرقة الثانية إلى 86.85%.
والفارق الكبير بين النسبتين لا يقدم حكمًا نهائيًا على قدرات الطلاب، لكنه يطرح سؤالًا مشروعًا حول منظومة تعتمد بدرجة أساسية على مجموع الثانوية العامة، بينما قد لا تختبر بصورة كافية ميول الطالب، واستعداده النفسي، وقدرته على تحمل طبيعة الدراسة الطبية العملية.
نتيجة صادمة في الفرقة الأولى
بحسب النتائج المعتمدة، لم تتجاوز نسبة النجاح بين طلاب الفرقة الأولى 34.23%، وهي نسبة تقل كثيرًا عن نصف عدد الطلاب، بينما نجح أكثر من 86% من طلاب الفرقة الثانية.
وأكدت الجامعة أن النتائج جاءت بعد استكمال أعمال التصحيح والمراجعة ورصد الدرجات وفق ضوابط أكاديمية دقيقة، مع الالتزام بالعدالة والشفافية وتكافؤ الفرص بين جميع الطلاب.
لكن الرقم المنخفض في الفرقة الأولى يظل لافتًا، ويستحق دراسة أسبابه بدلًا من الاكتفاء باعتباره مجرد نتيجة امتحانات.
هل اختار الطلاب الكلية أم اختارها المجموع؟
في نظام التنسيق التقليدي، يجد كثير من الطلاب أنفسهم أمام معادلة اجتماعية شبه ثابتة: المجموع الكبير يعني الالتحاق بكلية من كليات القمة، حتى إن لم تكن هذه الكلية هي الرغبة الحقيقية للطالب.
وقد يلتحق الطالب بطب الأسنان لأنه حصل على الدرجة المطلوبة، أو بسبب ضغط الأسرة، أو بحثًا عن المكانة الاجتماعية، وليس لأنه يمتلك اهتمامًا حقيقيًا بالمجال أو استعدادًا لدراسة مقرراته العلمية والعملية الصعبة.
وهنا تظهر الأزمة بعد دخول الجامعة، حيث يكتشف بعض الطلاب أن التفوق في امتحانات الثانوية العامة لا يعني بالضرورة القدرة التلقائية على النجاح في التشريح والكيمياء الحيوية والأنسجة والمواد الطبية والتدريبات العملية.
التفوق المدرسي ليس ضمانًا للنجاح الجامعي
الحصول على مجموع مرتفع يثبت أن الطالب تفوق داخل منظومة امتحانية محددة، لكنه لا يقيس وحده جميع المهارات التي تحتاج إليها الدراسة في كلية طب الأسنان.
فالطالب يحتاج إلى الانضباط طويل المدى، والقدرة على الاستيعاب العلمي العميق، والمهارات اليدوية الدقيقة، وتحمل ضغط الدراسة والتدريب العملي، إلى جانب الرغبة الحقيقية في ممارسة المهنة.
ومن ثم، فإن اعتبار المجموع المرتفع دليلًا وحيدًا على أهلية الطالب لكل كلية قد يضع بعض المتفوقين في تخصصات لا تتناسب مع قدراتهم أو ميولهم.

هل النتيجة دليل على فشل نظام التنسيق؟
لا يمكن الجزم بذلك اعتمادًا على نتيجة دفعة واحدة، كما لا توجد بيانات منشورة تربط مباشرة بين رسوب الطلاب والتحاقهم بالكلية بسبب المجموع وحده.
فالنتيجة قد تتأثر بعوامل متعددة، منها صعوبة الانتقال من المدرسة إلى الجامعة، وطبيعة المقررات، ومستوى الامتحانات، وانتظام الدراسة، والدعم الأكاديمي، والفروق الفردية بين الطلاب.
كما أن ارتفاع نجاح الفرقة الثانية إلى 86.85% قد يشير إلى أن الطلاب الذين تجاوزوا صدمة العام الأول أصبحوا أكثر قدرة على التكيف مع النظام الدراسي ومتطلباته. وهذه قراءة محتملة وليست نتيجة رسمية معلنة.
السنة الأولى.. صدمة الانتقال إلى التعليم الطبي
تمثل الفرقة الأولى عادة مرحلة انتقال حادة للطلاب، خصوصًا في الكليات الطبية.
فبعد سنوات من الاعتماد على نمط دراسي يركز لدى كثيرين على تحصيل الدرجات، ينتقل الطالب إلى مناهج كثيفة تحتاج إلى الفهم والربط والمتابعة اليومية، وليس المذاكرة المكثفة قبل الامتحانات فقط.
كما يواجه الطالب للمرة الأولى مصطلحات علمية باللغة الإنجليزية، ومقررات مترابطة، وساعات دراسة طويلة، وهو ما قد يجعل العام الأول اختبارًا حقيقيًا لقدرة الطالب على التكيف.
الجامعة: النتائج تعكس تقييمًا عادلًا
أكدت جامعة سوهاج أن نسب النجاح جاءت نتيجة تطبيق معايير تقييم دقيقة وموضوعية، وأنها تستهدف تخريج كوادر تمتلك الكفاءة العلمية والمهارية اللازمة للمنافسة في سوق العمل.
وشددت الجامعة على أن العدالة في التقييم تمثل ركيزة أساسية لجودة العملية التعليمية، وأن المصداقية في إعلان النتائج تعكس ثقة المؤسسة في منظومتها الأكاديمية.
كما أعلنت استمرارها في تطوير التعليم والامتحانات، وتقديم الدعم الأكاديمي للطلاب من أجل رفع مستواهم العلمي والمهاري.
هل يحتاج القبول إلى أدوات أخرى بجانب المجموع؟
تفتح النتيجة الباب أمام التفكير في إضافة معايير أخرى للقبول بالكليات العملية، إلى جانب مجموع الثانوية العامة.
ومن بين الخيارات التي يمكن مناقشتها اختبارات الاستعداد والميول، والمقابلات الشخصية المنضبطة، وبرامج تعريفية إلزامية قبل اختيار التخصص، إلى جانب إتاحة فرصة حقيقية للطالب لمعرفة طبيعة الدراسة والمهنة قبل الالتحاق بها.
ولا يعني ذلك إلغاء المجموع، لكنه يعني عدم تحميله وحده مسؤولية تحديد مستقبل الطالب المهني.
دور الأسرة في اختيار الكلية
تتحمل بعض الأسر جزءًا من المشكلة عندما تربط التفوق بعدد محدود من الكليات، وتتعامل مع رغبة الطالب باعتبارها أقل أهمية من المكانة الاجتماعية للتخصص.
وقد يجد الطالب نفسه داخل كلية طبية لأنه لا يريد إحباط أسرته، رغم ميله إلى مجال آخر يمكن أن يحقق فيه تفوقًا أكبر.
والنتيجة أحيانًا طالب يمتلك القدرة العقلية، لكنه يدرس في مكان لا يشعر بالانتماء إليه، فتتراجع دافعيته وقدرته على الاستمرار.
لا يجوز تحميل الطلاب وحدهم المسؤولية
رغم ضرورة مناقشة مدى استعداد الطلاب، لا يصح تحويل نسبة النجاح المنخفضة إلى إدانة جماعية لهم.
فالجامعة مطالبة أيضًا بتحليل النتائج على مستوى المواد، وأعداد الراسبين، وأنماط الأسئلة، ونسب الحضور، وأسباب التعثر، ومدى كفاية الإرشاد الأكاديمي خلال السنة الأولى.
كما ينبغي دراسة ما إذا كانت المشكلة تتركز في مقررات بعينها أو ترتبط بصعوبة عامة في التكيف، بدلًا من الاكتفاء بالرقم الإجمالي.
سؤال يحتاج إلى إجابة
لا تثبت نتيجة أسنان سوهاج أن كل الطلاب التحقوا بالكلية فقط بسبب مجموعهم، لكنها تقدم جرس إنذار بشأن ثقافة تجعل المجموع المرتفع بوابة تلقائية إلى تخصصات محددة.
فالمجموع قد يفتح باب الكلية، لكنه لا يضمن النجاح داخلها، ولا يصنع وحده طبيبًا قادرًا على تحمل مسؤولية المهنة.
ويظل الاختيار الصحيح قائمًا على معادلة أوسع: القدرة، والرغبة، والاستعداد، وطبيعة الشخصية، إلى جانب التفوق الدراسي.


