دخل ملف جنوب لبنان مرحلة جديدة من الترتيبات الأمنية، بعد إعلان وزارة الخارجية الفرنسية عن استعدادات جارية بالتنسيق مع إيطاليا لتشكيل قوة دولية جديدة، تنتشر في الجنوب اللبناني بعد انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان اليونيفيل.
التحرك الفرنسي الإيطالي، المدعوم أمريكيًا والمفتوح على مشاركة عدد من الدول الأوروبية، يأتي في توقيت حساس يرتبط بالاتفاق الإطاري الأخير بين لبنان وإسرائيل، وبمحاولة إعادة ضبط المشهد الأمني في الجنوب عبر دعم الجيش اللبناني وتعزيز سلطة الدولة على الأرض.
فرنسا تكشف خطة قوة دولية جديدة في جنوب لبنان
كشفت وزارة الخارجية الفرنسية، في تصريحات لقناتي «العربية» و«الحدث»، عن استعدادات جارية مع إيطاليا لتشكيل قوة دولية جديدة تنتشر في جنوب لبنان بعد انتهاء مهمة اليونيفيل. وأكدت الخارجية الفرنسية أن القوة متعددة الجنسيات ستكون بدعم أمريكي ومشاركة عدد من الدول الأوروبية، وأن انتشارها سيتم بناءً على طلب السلطات اللبنانية بهدف دعم الجيش اللبناني وتعزيز الاستقرار.
وبحسب التصريحات الفرنسية، لا تزال المشاورات مستمرة مع الشركاء لوضع اللمسات الأخيرة على آلية الانتشار، في ظل الترتيبات الأمنية المرتبطة بالاتفاق الإطاري الأخير بين لبنان وإسرائيل.
لماذا الآن؟
يأتي الحديث عن القوة الجديدة مع اقتراب نهاية ولاية اليونيفيل، وفي ظل رغبة فرنسية إيطالية في عدم ترك فراغ أمني في الجنوب اللبناني، خاصة أن هذه المنطقة تمثل واحدة من أكثر النقاط حساسية في العلاقة بين لبنان وإسرائيل.
كما أن الاتفاق الإطاري الأخير وضع ملف انتشار الجيش اللبناني، وتفكيك البنى المسلحة غير الحكومية، وتعزيز سلطة الدولة في قلب الترتيبات المقبلة.
ما طبيعة القوة الجديدة؟
بحسب ما أعلنته باريس، فإن القوة ستكون متعددة الجنسيات، وليست نسخة تقليدية من اليونيفيل بالضرورة. ويُفهم من التصريحات أنها ستعمل على دعم الجيش اللبناني في تنفيذ مهامه، لا الحلول مكانه.
وقالت تقارير دولية إن فرنسا وإيطاليا اتفقتا على إنشاء «ائتلاف متعدد الجنسيات» لدعم لبنان بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، وهو ما أعلنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عقب محادثات مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني.
دعم للجيش اللبناني لا بديل عنه
النقطة الأهم في الطرح الفرنسي أن القوة الجديدة ستنتشر بناءً على طلب السلطات اللبنانية، وبهدف دعم الجيش اللبناني.
وهذا يعني أن باريس تحاول تقديم القوة باعتبارها أداة مساندة لسيادة الدولة اللبنانية، وليست ترتيبا مفروضا من الخارج أو بديلا عن المؤسسات الأمنية اللبنانية.
دور إيطاليا في الترتيبات الجديدة
إيطاليا تبدو شريكًا أساسيًا في التحرك الفرنسي، خاصة أنها من الدول الأوروبية المهتمة تقليديًا بملف لبنان وبمهمة اليونيفيل.
وأفادت صحيفة «لوريان لوجور» بأن إيطاليا وفرنسا تسعيان لإطلاق ائتلاف لدعم لبنان بعد انتهاء تفويض اليونيفيل، وأن ميلوني وماكرون بحثا أيضًا إمكانية تنظيم مؤتمر دولي بشأن هذا الملف.
أوروبا تبحث عن صيغة ما بعد اليونيفيل
التحرك الفرنسي الإيطالي يعكس رغبة أوروبية في البقاء داخل معادلة جنوب لبنان، خاصة بعد سنوات طويلة من الوجود الأوروبي ضمن قوات اليونيفيل.
لكن الصيغة الجديدة قد تكون أكثر ارتباطًا بالترتيبات الأمنية والسياسية الناتجة عن الاتفاق الإطاري، وأكثر اعتمادًا على التنسيق المباشر مع الجيش اللبناني والدعم الأمريكي.

جنود اسرائلين في جنوب لبنان
موقف لبنان من المبادرة
بحسب تقارير، رحّب الرئيس اللبناني جوزيف عون بالمبادرة الفرنسية الإيطالية لإنشاء ائتلاف دولي لفترة ما بعد اليونيفيل، معتبرًا أنها تعبير قوي عن الدعم الدولي لسيادة لبنان واستقراره.
وهذا الترحيب مهم لأنه يمنح المبادرة غطاءً لبنانيًا رسميًا، خصوصًا أن باريس أكدت أن أي انتشار للقوة الجديدة سيكون بطلب من السلطات اللبنانية.
العلاقة مع الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل
لا يمكن فصل القوة الدولية الجديدة عن الاتفاق الإطاري الأخير بين لبنان وإسرائيل، إذ تأتي الفكرة ضمن ترتيبات أمنية أوسع تستهدف تنظيم الوضع في الجنوب، ودعم انتشار الجيش اللبناني، وتخفيف احتمالات التصعيد.
وبحسب التقارير، فإن الاتفاق الإطاري يقوم على مراحل تشمل تعزيز سلطة الحكومة اللبنانية الأمنية، وانتشار الجيش اللبناني في مناطق محددة، ثم الانسحاب الإسرائيلي التدريجي وفق آليات تحقق ورقابة.
هل تكون القوة الجديدة ضامنًا للتنفيذ؟
قد تلعب القوة متعددة الجنسيات دورًا في مراقبة الاستقرار ودعم الجيش اللبناني أثناء تنفيذ المراحل الأمنية، لكنها لن تكون وحدها قادرة على ضمان نجاح الاتفاق إذا لم يتوفر توافق لبناني داخلي واضح.
فالجنوب اللبناني لا تحكمه الحسابات العسكرية فقط، بل تحكمه أيضًا توازنات سياسية وطائفية وإقليمية معقدة.
هل تنتهي اليونيفيل تمامًا؟
حتى الآن، الحديث يدور عن مرحلة ما بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، وليس عن تفاصيل نهائية لشكل الانسحاب أو طبيعة التفويض البديل.
اليونيفيل موجودة في جنوب لبنان منذ عام 1978، وتوسعت مهمتها بعد حرب 2006 بموجب القرار 1701، ولذلك فإن أي تغيير في وضعها سيكون تحولًا كبيرًا في بنية الأمن جنوب لبنان.
بديل جديد أم إعادة تسمية؟
بعض التقارير الإسرائيلية تحدثت عن مخاوف من عودة اليونيفيل بصيغة جديدة أو تحت اسم مختلف ضمن ترتيبات الاتفاق الجديد، في ظل تحركات فرنسية إيطالية للحصول على دور في تنفيذ مذكرة التفاهم مع لبنان.
لكن حتى الآن، لا توجد صيغة نهائية معلنة تحدد ما إذا كانت القوة الجديدة ستكون بديلًا كاملًا عن اليونيفيل، أم ائتلافًا داعمًا يعمل إلى جانب الجيش اللبناني ضمن تفويض مختلف.
تحديات أمام القوة الدولية الجديدة
رغم الدعم الفرنسي الإيطالي والأمريكي، فإن نشر قوة جديدة في جنوب لبنان لن يكون مهمة سهلة.
فالمنطقة حساسة عسكريًا وسياسيًا، وأي قوة دولية ستحتاج إلى قبول لبناني داخلي، وتفاهمات واضحة مع الجيش اللبناني، وضمانات أمنية لحماية عناصرها، إضافة إلى تحديد علاقتها بالاتفاق الإطاري وبالوجود الإسرائيلي وبملف السلاح غير الحكومي.
مخاطر الفراغ الأمني
الهدف الرئيسي من التحرك الفرنسي الإيطالي هو منع الفراغ الأمني بعد اليونيفيل. لكن الفراغ لا يُملأ فقط بانتشار قوات دولية، بل يحتاج إلى قدرة فعلية للجيش اللبناني على الانتشار، وتمويل كافٍ، وتفاهم داخلي على قواعد المرحلة المقبلة.
مرحلة ما بعد اليونيفيل
إعلان فرنسا عن الاستعداد مع إيطاليا لتشكيل قوة دولية جديدة في جنوب لبنان يمثل تطورًا مهمًا في مرحلة ما بعد اليونيفيل، ويكشف أن الجنوب اللبناني مقبل على ترتيبات أمنية مختلفة بدعم أمريكي ومشاركة أوروبية.
لكن نجاح هذه القوة سيبقى مرهونًا بثلاثة شروط: طلب لبناني واضح، تفويض محدد لا يصطدم بالسيادة، وتوافق داخلي يمنع تحويل الجنوب إلى ساحة صراع جديدة.
وبين نهاية محتملة لدور اليونيفيل، وبداية قوة متعددة الجنسيات، يبقى السؤال الأخطر: هل تنجح الصيغة الجديدة في دعم الجيش اللبناني وتثبيت الاستقرار، أم تتحول إلى عنوان جديد لصراع قديم على أرض الجنوب؟


