بينما يطوف المسلمون حول الكعبة المشرفة في أمن وأمان، وقف عدد من أهالي قطاع غزة بين الركام والخيام، يطوفون حول مجسم للكعبة في مشهد إنساني مؤلم، بعدما حُرموا من السفر لأداء فريضة الحج للعام الثالث على التوالي، لتتحول واحدة من أعظم الشعائر الإسلامية إلى حلم مؤجل خلف الحصار والحرب وإغلاق المعابر.
لم يكن المشهد مجرد صورة عابرة، بل صرخة من قلب غزة إلى العالم: آلاف الفلسطينيين كانوا ينتظرون لحظة الوقوف على عرفات وزيارة بيت الله الحرام، لكن القيود المفروضة على الحركة والحرب الدائرة منذ 2023 جعلت الطريق إلى مكة مغلقًا أمامهم، رغم أن كثيرون منهم ظلوا سنوات ينتظرون دورهم في قوائم الحج.
غزة محرومة من الحج للعام الثالث
بحسب تقارير صحفية دولية، يواجه سكان غزة قيودًا عميقة تمنعهم من أداء فريضة الحج، إضافة إلى صعوبة ممارسة بعض مظاهر عيد الأضحى المعتادة، مثل ذبح الأضاحي، في ظل القيود على الحركة وإدخال الماشية والظروف الإنسانية القاسية داخل القطاع. وتشير رويترز إلى أن أكثر من 3000 من سكان غزة كانوا يسافرون سنويًا إلى مكة قبل حرب 2023، لكن القيود الحالية جعلت هذا المسار شبه مغلق أمام معظمهم.

مجسم الكعبة.. طواف رمزي ورسالة موجعة
الصورة المتداولة لأهالي غزة وهم يحملون مجسمًا للكعبة ويطوفون حوله بين آثار الدمار اختصرت حجم الألم. فهؤلاء لم يستبدلوا الكعبة بمجسم، بل أرادوا إرسال رسالة رمزية: أن القلوب معلقة بمكة، حتى لو منعتهم الحرب والمعابر من الوصول إليها.
وتداولت منصات إخبارية ومواقع تواصل مشاهد لأهالي القطاع وهم يطوفون حول مجسم للكعبة بين الركام، بعد حرمانهم من السفر للحج، في لقطة أثارت تعاطفًا واسعًا وغضبًا من استمرار القيود التي تمنع آلاف الغزيين من أداء الفريضة.
إغلاق المعابر يحاصر الحلم
أزمة حجاج غزة لا تنفصل عن الوضع العام في القطاع، حيث تخضع حركة الخروج لقيود شديدة، ولا يُسمح غالبًا بالمغادرة إلا لحالات إنسانية أو طبية محدودة. وبحسب تقارير عربية، فإن حصة غزة من الحج تُمنح حاليًا في جزء منها لأبناء القطاع المقيمين في مصر أو خارج غزة، بينما يظل آلاف المسجلين داخل القطاع عاجزين عن الوصول إلى المعبر والسفر.
وهنا تكمن المأساة؛ فالمشكلة ليست في الرغبة ولا في الاستعداد الروحي، بل في طريق مغلق، وواقع أمني وسياسي يحرم الناس من أبسط حقوقهم الدينية والإنسانية.
71 حاجًا ماتوا قبل أن يتحقق الحلم
الأكثر وجعًا أن بعض من كانوا ينتظرون أداء الحج لم يمهلهم العمر. فقد نقلت تقارير عن مسؤولين في ملف الحج أن 71 مواطنًا من المقبولين للحج في غزة توفوا وهم ينتظرون السماح لهم بالسفر، بعدما ظل حلم زيارة بيت الله معلقًا بين الحرب والإغلاق.
هذه الأرقام لا تُقرأ كإحصاء فقط، بل كحكايات لأسر كانت تجهز الدعوات والحقائب والوصايا، ثم انتهى الانتظار إلى جنازات بدل تلبية نداء الحج.
عيد بلا حج ولا أضاحٍ
لم تتوقف معاناة غزة عند منع الحجاج من السفر؛ إذ أشارت تقارير إلى أن القطاع يعيش عيدًا مثقلًا بالحرمان، مع صعوبة إدخال الأضاحي وتراجع القدرة على ممارسة شعائر العيد بسبب الحرب والقيود المفروضة على إدخال الحيوانات والسلع الأساسية.
وبذلك يجد سكان غزة أنفسهم أمام عيد مختلف: لا حج لمن انتظر، ولا أضحية لكثير من الأسر، ولا بيوت كاملة في مناطق واسعة، بل خيام ونزوح وذكريات ثقيلة.
القضية أكبر من تصريح سفر
حرمان حجاج غزة من السفر ليس إجراء إداريًا عابرًا، بل ملف إنساني وديني وسياسي في آن واحد. فالحج فريضة لمن استطاع إليه سبيلًا، لكن أهل غزة يواجهون أزمة في «السبيل» نفسه: المعبر، التصريح، الأمان، الطريق، والعودة.
ولهذا فإن استمرار منع آلاف الغزيين من أداء الفريضة يطرح أسئلة حادة أمام المؤسسات الدولية والجهات المعنية بتنظيم الحج وحقوق الإنسان: كيف يمكن ترك سكان منطقة كاملة خارج واحدة من أهم الشعائر الإسلامية بسبب الحصار والحرب؟
طريق آمن إلى بيت الله،
مشهد أهالي غزة وهم يطوفون حول مجسم للكعبة بين الركام ليس مجرد لقطة مؤثرة، بل عنوان لخذلان طويل. فهؤلاء لم يطلبوا أكثر من طريق آمن إلى بيت الله، لكن الحرب والقيود أغلقت الطريق، وتركتهم يرددون حلم الحج من قلب الدمار.
وبين مكة التي تهفو إليها القلوب، وغزة التي تحاصرها المعابر، تبقى المأساة واضحة: حجاج غزة لا تنقصهم النية ولا الشوق.. ينقصهم فقط حقهم في السفر بكرامة وأمان.


