ظاهرة الخبير في كل شيء.. كيف تصنع السوشيال ميديا نجوم الفتوى الشاملة؟
أنا معجب بشكل شخصي بنقيب الفلاحين المنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، رغم أنني لا أعرف فلاحًا واحدًا انتخبه لو حتي انتخبة مثلا ولا أعرف أين جرت هذه الانتخابات ومتى، لكن الرجل حاضر بقوة في الإعلام والسوشيال ميديا بصفته نقيبًا للفلاحين، حتى بات وجوده مرتبطًا بكل قضية تقريبًا، سواء كانت تخص الزراعة أم لا.
فالرجل يتحدث في كل شيء، ولم يعد الأمر مقتصرًا على مشكلات الفلاحين أو أسعار المحاصيل أو مستلزمات الإنتاج والإرشاد الزراعي، بل وصل به الأمر مؤخرًا إلى الحديث عن الثعابين وأضرارها وكيفية التعامل معها، وكأنه يقدم نفسه باعتباره مرجعًا شاملًا لا يترك مجالًا إلا ويدلي فيه برأيه.
ولا ينافسه في هذا الحضور الموسوعي سوى طبيب القلب المعروف، الذي رأى في بطولة كأس العالم فرصة مناسبة للحديث عن كرة القدم وتحليل المباريات والخطط الكروية، وكأن تخصص القلب لم يعد كافيًا، فكان لا بد من إضافة التدريب والتحليل الرياضي إلى قائمة الخبرات.
المشكلة هنا ليست في أن يبدي الإنسان رأيه في قضية عامة، فكل شخص من حقه أن يتحدث ويناقش ويعبر عما يراه، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الرأي إلى معلومة، والمعلومة إلى فتوى، والفتوى إلى حقيقة يتم تقديمها للجمهور بثقة مطلقة، فقط لأن صاحبها مشهور أو يظهر بكثرة أمام الكاميرات.
نحن أمام عالم إعلامي يفرز حالات غريبة تبحث عن الشهرة بأي ثمن، رغم خطورة الظهور والحديث في قضايا لا يملك المتحدث فيها معرفة حقيقية أو تخصصًا واضحًا. ومع ذلك، يبدو أن البعض قرر رفع شعار: «ابن الهبلة يعرف أكتر»، فكلما زادت الجرأة في الحديث، اتسعت مساحة الظهور، وكلما كانت المعلومة أكثر إثارة، انتشرت بصورة أسرع.
أين ينتهي التخصص وتبدأ الرغبة في الظهور؟
من المفترض أن يكون دور نقيب الفلاحين هو مساندة الفلاح، والدفاع عن مصالحه، ونقل مشكلاته إلى الجهات المختصة، إلى جانب تقديم الإرشاد، خاصة في الأمور الزراعية التي تمس حياة الفلاح وعمله بصورة مباشرة.
لكن الرجل تجاوز ذلك، ولم يترك في الحقيقة ترندًا إلا وكان حاضرًا فيه. فإذا ارتفعت أسعار الخضراوات تحدث، وإذا ظهرت أزمة في محصول تحدث، وإذا انتشرت قصة عن حيوان أو حشرة أو ثعبان تحدث، وكأن صفة النقيب أصبحت تصريحًا مفتوحًا للتعليق على كل شيء.
الأمر نفسه ينطبق على طبيب القلب الشهير، الذي تجاوز الحديث عن أمراض القلب والشرايين، وأصبح حاضرًا في مجالات متعددة، من التغذية إلى الرياضة، ومن القضايا الاجتماعية إلى كرة القدم، حتى بدا وكأنه خبير عام لا يعجزه موضوع.
المثير أن وسائل الإعلام نفسها تساعد على صناعة هذه الصورة؛ فهي تبحث عن الوجه المعروف، وليس بالضرورة عن الخبير الحقيقي. فالاسم الذي يضمن المشاهدة والجدل يُستدعى للحديث، حتى لو كان الموضوع بعيدًا تمامًا عن تخصصه.
الشهرة أصبحت شهادة خبرة
مواقع التواصل الاجتماعي غيرت قواعد اللعبة. في الماضي، كان الشخص يحتاج إلى علم وخبرة وسنوات من العمل حتى يصبح مرجعًا في مجال ما، أما الآن فقد تكفي عدة مقاطع منتشرة، وصوت واثق، وقدرة على إثارة الجدل، حتى يتحول صاحبها إلى خبير في كل شيء.
وهنا تتشكل ظاهرة «النجم الشامل»، الذي يتحدث في الطب والاقتصاد والزراعة والرياضة والسياسة والحياة الاجتماعية، بينما يكتفي الجمهور بعدد المشاهدات بوصفه دليلًا على المصداقية.
لكن كثرة الظهور لا تعني صحة المعلومات، والثقة في الحديث لا تعني امتلاك المعرفة. بل إن أخطر المعلومات قد تأتي أحيانًا في أكثر العبارات ثقة وحسمًا.
الإعلام شريك في صناعة الظاهرة
لا يمكن تحميل المسؤولية كاملة لمن يحبون الظهور، فالإعلام والسوشيال ميديا شريكان أساسيان في صناعة هذه النماذج.
عندما تستضيف القنوات الشخص نفسه للحديث عن عشرات الملفات المختلفة، فإنها تمنحه بصورة غير مباشرة صفة «المرجع العام». وعندما تقتطع الصفحات تصريحًا مثيرًا وتنشره دون تدقيق، فإنها تحول الكلام إلى مادة قابلة للتداول، بصرف النظر عن دقته.
ومع الوقت يصبح صاحب التصريحات نجمًا مطلوبًا، ليس لأنه الأكثر علمًا، بل لأنه الأكثر استعدادًا للحديث في أي وقت وعن أي موضوع.
هل تصنع مواقع التواصل الاجتماعي النجم الشامل؟
الإجابة هي: نعم، لكنها لا تصنعه وحدها.
تصنعه رغبة البعض في الشهرة، ويصنعه إعلام يبحث عن الإثارة، ويصنعه جمهور ينجذب إلى الصوت الأعلى، كما تصنعه خوارزميات تكافئ الجدل والغرابة أكثر مما تكافئ الدقة والمعرفة.
لسنا ضد أن يتحدث نقيب الفلاحين، ولا ضد أن يعبر طبيب القلب عن رأيه في كرة القدم، لكن الفارق كبير بين الرأي الشخصي وبين تقديم النفس باعتبارها مرجعًا متخصصًا.
المجتمع لا يحتاج إلى شخص يعرف كل شيء، لأن هذا الشخص غير موجود أصلًا. ما نحتاجه هو أن يحترم كل صاحب تخصص حدود معرفته، وأن يعرف الإعلام متى يستضيف الخبير، ومتى يكون ما يقدمه مجرد رأي عابر.
أما استمرار صناعة «النجم الشامل» الذي يفتي في كل المجالات، فقد يحقق مشاهدات وضحكات وجدلاً، لكنه في النهاية يضع المعلومة الصحيحة في منافسة غير عادلة مع الشهرة، وغالبًا ما تفوز الشهرة.


