شهد أسعار الذهب حالة غير مسبوقة من التذبذب الحاد، حيث تغيّر المعدن النفيس مساره أكثر من مرة خلال اليوم الواحد، بل وخلال الساعة نفسها، في مشهد يعكس حجم الارتباك الذي يسيطر على الأسواق العالمية.
هذا الأداء المتقلب يأتي في ظل صعود الدولار الأمريكي، واندفاع المستثمرين إلى جني الأرباح بعد موجة مكاسب قوية، بالتزامن مع ترقّب حذر لبيانات الوظائف الأمريكية وتطورات جيوسياسية متسارعة قد تعيد رسم اتجاه السوق في أي لحظة.
تراجع مفاجئ بعد مكاسب قوية
بحسب بيانات رويترز، تراجعت أسعار الذهب خلال تعاملات يوم الأربعاء، بعد أن سجّل المعدن النفيس ارتفاعات قوية في وقت سابق من الجلسة.
وانخفض سعر الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.3% ليصل إلى 4924.89 دولار للأوقية، بعدما كان قد صعد بنسبة 3.1% في وقت مبكر من التداولات.
ويأتي هذا التراجع بعد قفزة لافتة بلغت 5.9% خلال تعاملات يوم الثلاثاء، ما يعكس حالة من التقلب السريع التي باتت السمة الأبرز لسوق الذهب خلال الفترة الحالية.
العقود الآجلة تخالف الاتجاه
على عكس السوق الفورية، أظهرت العقود الأمريكية الآجلة بعض التماسك، إذ ارتفعت عقود الذهب تسليم أبريل/نيسان بنسبة 0.3% لتسجل نحو 4950.80 دولار للأوقية، في إشارة إلى أن شريحة من المستثمرين ما زالت تراهن على استمرار الاتجاه الصاعد على المدى المتوسط.
الدولار يضغط بقوة على «النفيس»

يحوم مؤشر الدولار الأمريكي بالقرب من أعلى مستوياته في أكثر من أسبوع، وهو ما شكّل عامل ضغط مباشر على الذهب، باعتباره مسعّرًا بالدولار، إذ تصبح حيازته أكثر تكلفة بالنسبة للمستثمرين من أصحاب العملات الأخرى.
هذا الارتفاع في الدولار تزامن مع تحركات سريعة للمضاربين الذين فضّلوا تقليص مراكزهم في الذهب مؤقتًا، انتظارًا لوضوح الرؤية الاقتصادية.
خسائر تاريخية خلال يومين
وكان الذهب قد تعرّض لهزة قوية نهاية الأسبوع الماضي، مسجلًا انخفاضًا تجاوز 13% خلال يومي الجمعة والإثنين، وهو أكبر تراجع خلال يومين منذ عقود، وذلك بعد أن بلغ مستوى قياسيًا عند 5594.82 دولار للأوقية في 29 يناير/كانون الثاني.
ويرى محللون أن هذه الخسارة الحادة جاءت نتيجة تصحيح سعري عنيف بعد موجة صعود مبالغ فيها، مدفوعة بعوامل نفسية ومضاربية أكثر من كونها أساسيات اقتصادية مستقرة.
الجيوسياسة حاضرة بقوة
على الصعيد السياسي، تترقّب الأسواق محادثات مرتقبة بين الولايات المتحدة وإيران يوم الجمعة، في وقت أجرى فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مباحثات موسعة مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، تمهيدًا لزيارة متوقعة إلى الصين خلال أبريل/نيسان المقبل.
هذه التحركات الجيوسياسية تُبقي الذهب في دائرة الاهتمام كملاذ آمن، لكنها في الوقت ذاته تزيد من حدة التذبذب مع كل خبر أو تسريب سياسي جديد

بيانات الوظائف الأمريكية تزيد الضبابية
اقتصاديًا، أظهرت بيانات القطاع الخاص الأمريكي نموًا أضعف من المتوقع، بإضافة 22 ألف وظيفة فقط خلال يناير/كانون الثاني، مقابل توقعات كانت تشير إلى 48 ألف وظيفة.
هذا الأداء الضعيف يعزز الرهانات على تيسير نقدي محتمل مستقبلاً، وهو عامل داعم للذهب نظريًا، لكنه لم يكن كافيًا حتى الآن لوقف موجات جني الأرباح السريعة.
المعادن النفيسة الأخرى تلحق بالموجة
لم يقتصر التذبذب على الذهب وحده، إذ سجلت المعادن النفيسة الأخرى تحركات حادة:
-
الفضة: ارتفعت بنسبة 1.3% لتصل إلى 86.08 دولار للأوقية، بعد أن كانت قد لامست أدنى مستوى شهري عند 71.33 دولار، وسجلت أعلى مستوى تاريخي عند 121.64 دولار، محققة مكاسب تتجاوز 20% منذ بداية العام.
-
البلاتين: صعد بنسبة 0.6% إلى 2221.76 دولار للأوقية.
-
البلاديوم: ارتفع بنسبة 1.3% مسجلًا 1756.18 دولار.
ماذا بعد؟
في ظل تغيّر أسعار الذهب أكثر من مرة خلال اليوم الواحد، تبقى الأسواق رهينة الدولار الأمريكي وبيانات الاقتصاد الكلي، إلى جانب التطورات السياسية التي قد تشعل موجات صعود جديدة أو تفرض تصحيحات أعنف.
السؤال الأبرز الآن:
هل ما نشهده مجرد تذبذب مؤقت قبل قمة تاريخية جديدة، أم بداية مرحلة أكثر اضطرابًا في مسار الذهب خلال 2026؟


