في عالم يتغير بسرعة بعد عقود من الهيمنة الأمريكية الأحادية منذ تفكك الاتحاد السوفيتي، تعود معادلة توازن القوى الدولية إلى الواجهة من جديد، لكن هذه المرة بملامح مختلفة. الصين، التي صعدت اقتصاديًا وعسكريًا وتكنولوجيًا بهدوء محسوب، تسعى إلى ترسيخ نفسها كـقوة غامضة لا تُستدرج إلى قواعد صاغتها واشنطن، فيما تتزايد المخاوف الأمريكية من تمدد النفوذ الصيني في كافة المناحي، من الاقتصاد إلى التسليح والاستراتيجية النووية.
رفض صيني قاطع لمفاوضات الحد من التسلح
أكدت السفارة الصينية في الولايات المتحدة رفض بكين الانضمام في المرحلة الحالية إلى أي مفاوضات ثلاثية لتخفيض الأسلحة النووية مع واشنطن و**روسيا**، واصفة الدعوات الأمريكية في هذا الشأن بأنها «غير معقولة وغير عادلة».
وجاء الموقف الصيني في بيان رسمي نقلته وكالة تاس، شددت فيه البعثة الدبلوماسية الصينية على أن ترسانتها النووية لا يمكن مقارنتها من حيث الحجم أو القدرة بما تمتلكه الولايات المتحدة وروسيا.
تصريحات أمريكية تكشف القلق الاستراتيجي
الرد الصيني جاء عقب تصريحات أدلى بها وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، قال فيها إن
«السيطرة الحقيقية على الأسلحة في القرن الحادي والعشرين مستحيلة دون أخذ الصين في الحسبان»،
مشيرًا إلى أن الترسانة النووية الصينية كبيرة وتنمو بسرعة.
وتعكس هذه التصريحات تحولًا واضحًا في الخطاب الأمريكي، من التركيز على موسكو فقط، إلى اعتبار بكين اللاعب الأخطر على المدى الطويل في معادلة الردع النووي العالمي.
بكين: المقارنة غير عادلة

في ردها، أكدت السفارة الصينية أن
«القوة النووية الصينية لا يمكن بأي حال مقارنتها بمستوى الولايات المتحدة»،
مشددة على أن مطالبة بكين بالانضمام إلى مفاوضات نزع السلاح النووي في هذه المرحلة تتجاهل الفوارق الهائلة في حجم الترسانات النووية بين القوى الكبرى.
وترى الصين أن أي مفاوضات متعددة الأطراف يجب أن تبدأ أولًا بتخفيضات جوهرية من جانب الدول التي تمتلك أكبر مخزون نووي في العالم، قبل مطالبة قوى أصغر نسبيًا بالالتزام بنفس الشروط.
نهاية «نيو ستارت» وعودة سباق النفوذ
تأتي هذه المواقف في توقيت بالغ الحساسية، مع انتهاء صلاحية معاهدة نيو ستارت بين الولايات المتحدة وروسيا، وهي آخر اتفاقية سارية للحد من الأسلحة النووية الاستراتيجية بين القوتين النوويتين الأكبر.
انتهاء المعاهدة يفتح الباب أمام فراغ قانوني خطير في منظومة ضبط التسلح، ويزيد من الضغوط الأمريكية لإدخال الصين إلى طاولة المفاوضات، ليس فقط كطرف نووي، بل كقوة صاعدة تهدد بإعادة رسم موازين الردع العالمي.
سياسة الغموض والحد الأدنى من الردع
تعتمد الصين تاريخيًا على عقيدة نووية قائمة على الحد الأدنى من الردع وعدم المبادرة باستخدام السلاح النووي، مؤكدة أن برنامجها يهدف إلى الدفاع عن النفس فقط، وليس الدخول في سباق تسلح مفتوح.
لكن واشنطن تنظر إلى هذا «الغموض المدروس» باعتباره جزءًا من استراتيجية صينية أوسع للبقاء خارج القيود الدولية، مع الاستمرار في تطوير قدراتها العسكرية بعيدًا عن أعين الاتفاقيات التقليدية.
ما وراء الرفض الصيني

يعكس الموقف الصيني عدة رسائل سياسية:
رفض الانضمام إلى نظام دولي صاغته الولايات المتحدة خلال مرحلة القطبية الأحادية.
-
الإصرار على تقديم الصين كقوة موازِنة لا تابعة في النظام العالمي الجديد.
-
الحفاظ على مساحة مناورة استراتيجية في مواجهة الضغوط الأمريكية المتصاعدة.
وفي المقابل، ترى واشنطن أن تجاهل الصين في أي ترتيبات مستقبلية للحد من التسلح يعني فشلًا مسبقًا لأي نظام أمني عالمي جديد.
من يملك القدرة على صياغة قواعد النظام العالمي القادم. ؟
بين مخاوف أمريكية متصاعدة من القوة الصينية، ورغبة بكين في البقاء كقوة غامضة تُمسك بخيوط توازن دقيق، يبدو أن العالم مقبل على مرحلة جديدة من الصراع البارد، عنوانها الأساسي ليس فقط عدد الرؤوس النووية، بل من يملك القدرة على صياغة قواعد النظام العالمي القادم.


