في وقت تسعى فيه إسرائيل إلى ترميم صورة جيشها بعد حرب غزة، تتكشف من الداخل روايات صادمة عن جنود خرجوا من المعارك محملين بإصابات جسدية واضطرابات نفسية عميقة، دون رعاية حقيقية أو اعتراف رسمي. هذه الشهادات لا تعكس فقط كلفة الحرب على الأفراد، بل تشير إلى تآكل أعمق في إرادة القتال، وتراجع الثقة في مشروع البقاء فوق أرض يصفها كثيرون داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه بأنها باتت عبئًا نفسيًا وأمنيًا.
الجنود بعد غزة: صدمة تتجاوز ساحات القتال
يعاني جنود إسرائيليون شاركوا في العمليات العسكرية داخل قطاع غزة من تداعيات خطيرة على صحتهم الجسدية والنفسية، وسط اتهامات متزايدة للمؤسسة العسكرية بالإهمال والتنصل من مسؤولياتها تجاه المصابين.
وتأتي هذه المعاناة في وقت يبدو فيه الجيش الإسرائيلي مترددًا أو عاجزًا عن توفير دعم طبي ونفسي كافٍ، الأمر الذي انعكس مباشرة على ثقة العائلات، ودفع بعض الأهالي إلى إعلان رفضهم إرسال أبنائهم للخدمة العسكرية مستقبلًا.
شهادة جندي سابق تكشف عمق الأزمة
أفيف إيفرغان (21 عامًا)، جندي سابق في لواء ناحال، يمثل نموذجًا صارخًا لهذه الأزمة. فقد أُصيب خلال تدريبات عسكرية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، قبل أن يتم تسريحه لاحقًا من الخدمة القتالية.
والدته، تادلا، كشفت في تصريحات صحفية أن ابنها تعرض لإصابة في الرأس يُرجح أنها مرتبطة بخدمته في غزة، مؤكدة أن وزارة الدفاع لم تقدم أي توضيح رسمي حول طبيعة الإصابة أو مسؤوليتها عنها.
وأضافت الأم أن العائلة اضطرت إلى مغادرة الفندق الذي وفره الجيش قرب المستشفى، دون أي دعم لاحق، ما خلّف شعورًا بالخذلان والعجز أمام منظومة عسكرية وصفتها بـ"الضخمة وغير المكترثة بضحاياها".
وعود رسمية بلا تنفيذ

رغم زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس للجندي المصاب في المستشفى، وتقديمه وعودًا بالمساعدة، تؤكد العائلة أن شيئًا لم يتغير على أرض الواقع.
وتقول الأم بمرارة:
"ابني لم يعد الشخص نفسه. يعاني من اضطرابات نفسية، وذاكرته لم تعد كما كانت. أفتقده، أريد التحدث إليه ولا أستطيع".
وتضيف أن رسالة التسريح التي تلقتها الأسرة أشادت بقدراته وصفاته العسكرية، لكنها في الوقت ذاته صنفته كـ"مدني"، في خطوة اعتبرتها العائلة محاولة للتهرب من المسؤولية القانونية والطبية.
من كسر الجندي إلى كسر المجتمع
تتجاوز هذه القصة بعدها الفردي، لتكشف عن أزمة أعمق داخل المجتمع الإسرائيلي. فمع تكرار حالات الإهمال، يتزايد القلق من أن تتحول معاناة الجنود العائدين من غزة إلى عامل رادع للتجنيد، خاصة بين العائلات التي بدأت تشكك في جدوى إرسال أبنائها للقتال.
ويرى مراقبون أن كسر إرادة الجندي في ساحة المعركة لا ينفصل عن تراجع إرادة البقاء نفسها، في ظل صراع طويل الأمد، وتكلفة نفسية واجتماعية باتت أثقل من قدرة المجتمع على الاحتمال.
نصدعات نفسية وإنسانية تضرب في عمق الجيش والمجتمع معًا
ما بعد غزة لم يعد كما قبلها داخل إسرائيل. فإلى جانب الخسائر العسكرية والسياسية، تتكشف اليوم تصدعات نفسية وإنسانية تضرب في عمق الجيش والمجتمع معًا. وبين جندي مكسور الإرادة، وأسرة فقدت الثقة، ومؤسسة تتنصل من المسؤولية، يبرز سؤال حاسم:
هل يستطيع جيش يعجز عن حماية جنوده بعد الحرب أن يحافظ على دافعية القتال في حروب قادمة؟


