الأحد، ١١ يناير ٢٠٢٦ في ٠١:٣٨ م

 تصريحات أمريكية تثير مخاوف التصعيد وتحركات أوروبية لاحتواء ازمة جرينلاند

 

عاد ملف غرينلاند ليتصدر واجهة التوترات العابرة للأطلسي، بعدما أثارت تصريحات أمريكية حادة مخاوف متزايدة من تصعيد سياسي وربما عسكري في القطب الشمالي. ففي وقت تلوّح فيه واشنطن بخيارات غير مسبوقة، تتحرك عواصم أوروبية، على رأسها لندن، لاحتواء الموقف ومنع تحوّله إلى أزمة تهدد تماسك حلف شمال الأطلسي وأمن المنطقة بأكملها.

تحركات بريطانية لتهدئة المخاوف الأمريكية

تبحث الحكومة البريطانية، بقيادة رئيس الوزراء كير ستارمر، إمكانية المشاركة في نشر قوة عسكرية متعددة الجنسيات في غرينلاند، في خطوة تهدف، بحسب صحيفة “التليغراف”، إلى تهدئة المخاوف الأمنية التي عبّر عنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وإقناعه بالتراجع عن تهديداته بضم الجزيرة ذات الأهمية الاستراتيجية.

مشاورات أوروبية تحت مظلة الناتو

وذكرت مصادر بريطانية أن داونينغ ستريت يجري محادثات مكثفة مع حلفاء أوروبيين، بينهم ألمانيا و**فرنسا**، لوضع تصورات أولية لمهمة محتملة تحت مظلة حلف شمال الأطلسي.
وتشمل هذه التصورات إعداد خطط لنشر قوات برية وسفن حربية وطائرات، بهدف تعزيز الردع في القطب الشمالي، في مواجهة تنامي النفوذ الروسي والصيني في المنطقة.

قناعة أوروبية بدور أمني أكبر

وتؤكد المصادر أن هذه الخطط لا تزال في مراحلها الأولى، لكنها تعكس قناعة أوروبية متزايدة بضرورة الاضطلاع بدور أكبر في أمن القطب الشمالي، ليس فقط لحماية المصالح الاستراتيجية، بل أيضًا لتخفيف حدة التوتر مع واشنطن، ومنح الإدارة الأمريكية مخرجًا سياسيًا يحول دون التصعيد.

تصريحات ترامب ومخاوف التصعيد

ويأتي هذا الحراك الأوروبي في وقت صعّد فيه ترامب لهجته تجاه غرينلاند، ملوّحًا باستخدام القوة للسيطرة على الجزيرة التي تتمتع بالحكم الذاتي وتُعد جزءًا من مملكة الدنمارك، العضو في الناتو.
وبرّر ترامب تصريحاته بمخاوف من احتمال استغلال روسيا أو الصين للموقع الاستراتيجي لغرينلاند، مؤكدًا أنه لا يريد أن تصبح أي منهما «جارًا للولايات المتحدة».

ثروات طبيعية تزيد حساسية الملف

وتكتسب غرينلاند أهمية إضافية لاحتوائها على موارد طبيعية غنية، تشمل النحاس والنيكل والمعادن الأرضية النادرة، الضرورية للتكنولوجيا الحديثة والصناعات الدفاعية، ما يجعلها محورًا للتنافس الجيوسياسي في مرحلة تشهد إعادة رسم موازين القوى العالمية.

لندن: الردع عبر العمل الجماعي لا الأحادية

وتشير مصادر حكومية بريطانية إلى أن ستارمر يأخذ التهديدات الروسية والصينية «بجدية بالغة»، ويتفق مع ترامب على ضرورة تعزيز الردع في أقصى الشمال، لكنه يرى أن الحل يكمن في تحرك جماعي منسّق عبر الناتو، لا في خطوات أحادية قد تقوّض تماسك الحلف.

خيارات مطروحة داخل الناتو

ونوقشت فكرة نشر قوة في غرينلاند خلال اجتماع لحلفاء الناتو في بروكسل، حيث طُلب من القيادة العسكرية العليا للحلف دراسة إجراءات إضافية لتعزيز أمن القطب الشمالي.
وبحسب مصادر مطلعة، قد تتراوح الخيارات بين نشر عسكري واسع النطاق، أو مزيج من مناورات محددة المدة، وتبادل معلومات استخباراتية، وتطوير القدرات الدفاعية، على أن تكون منفصلة عن مهام الناتو القائمة في بحر البلطيق وبولندا.

تلويح أوروبي بإجراءات مضادة

وعلى خط موازٍ، أفادت تقارير بأن الاتحاد الأوروبي يدرس فرض عقوبات على شركات أمريكية كبرى في حال رفض ترامب عرض نشر قوات الناتو، وقد تشمل الإجراءات شركات تكنولوجيا وبنوكًا أمريكية، بل وحتى تقييد الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، في خطوة قد تحمل تداعيات استراتيجية عميقة.

قراءة في أسلوب ترامب التفاوضي

ويرى محللون أن تصعيد ترامب يندرج ضمن أسلوبه التفاوضي المعتاد، القائم على طرح مطالب متطرفة لانتزاع تنازلات. ويقول جاستن كرامب، الخبير في تحليل المخاطر، إن الرئيس الأمريكي «يختبر وحدة الأوروبيين وعزمهم»، معتبرًا أن عرض نشر قوة للناتو في غرينلاند قد يكشف ما إذا كان الأمن هو الدافع الحقيقي وراء هذه التصريحات.

جرينلاند  إحدى بؤر التوتر الجيوسياسي في المرحلة المقبلة.

في ظل تداخل التصريحات الأمريكية مع مخاوف أوروبية متزايدة من التصعيد، تبدو جرينلاند مرشحة لتكون إحدى بؤر التوتر الجيوسياسي في المرحلة المقبلة. وبين سعي واشنطن لتعزيز نفوذها في القطب الشمالي، ومحاولة أوروبا احتواء الأزمة عبر العمل الجماعي، يبقى مستقبل هذا الملف مفتوحًا على احتمالات متعددة، قد ترسم ملامح جديدة للعلاقات عبر الأطلسي وأمن الشمال العالمي.