استطاع مقال صديقي الدكتور راشد الشاشاني، المنشور اليوم على بوابة «الصباح»، أن يستفز قلمي للكتابة. فقد طرح الدكتور راشد الشاشاني سؤالًا مهمًا حول أسباب عدم مشاركة مصر في اتفاقية مكة للدفاع المشترك، وهو سؤال لا يتوقف عند حدود الغياب عن اتفاق دفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، بل يفتح الباب أمام قراءة أوسع لطبيعة التحالف الجديد، وأهدافه، والرسائل التي يحملها إلى الإقليم والعالم.
فمصر شاركت، إلى جانب السعودية وتركيا وباكستان، في اجتماعات ومشاورات إقليمية خلال الأشهر الماضية، لكنها لم تكن طرفًا في الاتفاق الذي ينص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعًا. وحتى الآن، لا يوجد تفسير مصري رسمي معلن يوضح أسباب عدم المشاركة، كما لا تتوافر معلومات مؤكدة بشأن تلقي القاهرة عرضًا رسميًا للانضمام ثم رفضه.
لكن غياب التفسير الرسمي لا يعني غياب الحسابات. فالقاهرة، كما هو معروف عنها وفي تقديري الشخصي لا تتعامل مع التحالفات العسكرية باعتبارها ترتيبات منفصلة عن سياقها السياسي، بل تنظر إلى ما قد تفرضه من التزامات، وما قد تفتحه من أبواب للتدخل في صراعات لا تتطابق بالضرورة مع أولويات الأمن القومي المصري.
حسابات مصر تتجاوز الخلافات الثنائية
لا يبدو من المفيد اختزال الموقف المصري في طبيعة العلاقات بين القاهرة وأبوظبي، أو في مستوى التنسيق بين الإمارات والسعودية. فالتعقيد يتجاوز هذه الدائرة، ويمتد إلى رؤية مصر لدورها الإقليمي، وإلى حرصها على الاحتفاظ بمساحة مستقلة للحركة بين أطراف الأزمة.
وتتحرك القاهرة، تاريخيًا، وفق تصور يقوم على الحفاظ على استقلال القرار الوطني، وتجنب الانخراط في ترتيبات قد تفرض التزامات عسكرية مباشرة خارج الحدود. كما أن المشاركة في أي عمل عسكري خارج البلاد تخضع لإجراءات وموافقات مؤسسية ودستورية محددة، وهو ما يجعل الانضمام إلى تحالف دفاعي متعدد الأطراف قرارًا أكثر تعقيدًا من مجرد إعلان سياسي فمصر سياساتها لا تشارك لمجرد المشاركة في بوفيهات التحالفات المفتوحة علي حد وصف كاتبنا المحترم الدكتور راشد الشاشاني
وقد ظهرت مؤشرات على تحفظ مصري سابق تجاه الانخراط في التحالف البحري الذي تقوده السعودية، مع تفضيل القاهرة التنسيق السياسي والأمني وتبادل المعلومات على المشاركة في عمليات عسكرية قد تقود إلى مواجهة مباشرة مع أطراف إقليمية
ومن هذا المنطلق، قد ترى مصر أن اتفاقية مكة، رغم إعلان طابعها الدفاعي، يمكن أن تضعها أمام التزامات يصعب ضبطها سياسيًا وعسكريًا، خصوصًا إذا تحولت من إطار للردع إلى آلية للتدخل في صراعات إقليمية مفتوحة لا احد يعرف مع من ومتي لان تنطلق سياسيا من مجموعة من الثوابت.

تركيا وإيران في المشهد
لا يمكن قراءة اتفاقية مكة بعيدًا عن الدور التركي المتنامي في المنطقة. فأنقرة تسعى إلى توسيع نفوذها السياسي والأمني، وتتعامل مع ملفات سوريا والعراق وشرق المتوسط باعتبارها ساحات حيوية لمصالحها الاستراتيجية وهو ماتناولة الدتور الشاشاني في مقالة.
وفي الوقت نفسه، تحتفظ تركيا بعلاقات معقدة مع إيران والقوى المرتبطة بها، ما يمنحها هامشًا للمناورة، لكنه يضعها أيضًا أمام اختبار صعب: كيف تحافظ على موقعها داخل التحالف الدفاعي الجديد، من دون أن تتحول إلى طرف مباشر في مواجهة مفتوحة مع طهران؟
أما إيران، فتتعامل مع التحولات الجارية عبر شبكة من العلاقات والأذرع الإقليمية، بما في ذلك الساحة اليمنية. ويبدو أن تحركات جماعة الحوثي تجاه السعودية لا تنفصل عن سياق إقليمي أوسع، تتقاطع فيه رسائل التصعيد مع محاولات التهدئة.
وفي هذا السياق، يمكن فهم اتفاقية مكة باعتبارها محاولة لبناء مظلة ردع جماعي، لا إعلانًا صريحًا عن حرب على إيران. فالدول الثلاث أكدت أن الاتفاق دفاعي ولا يستهدف دولة بعينها، رغم أن توقيته يجعل الرسائل الموجهة إلى طهران وواشنطن وإسرائيل واضحة.
هل الاتفاق موجه إلى واشنطن؟
قد تكون إحدى أهم دلالات الاتفاقية أنها تحمل رسالة إلى الولايات المتحدة، مفادها أن دول المنطقة لا تريد أن تتحول إلى أدوات في صراعات تُدار من خارجها.
فحين تنشئ دول إقليمية إطارًا دفاعيًا خاصًا بها، فإنها تقول، بصورة غير مباشرة، إنها لا ترغب في تسليم قرارها الأمني بالكامل إلى قوة خارجية، ولا في انتظار المظلة الأمريكية عند كل أزمة. غير أن هذه الرسالة تظل مرهونة بقدرة الدول الثلاث على الحفاظ على استقلال قرارها، وعدم السماح بتحول الاتفاق إلى مسار لتوسيع الاستقطاب.
والسؤال الأهم هنا: هل تستطيع هذه الدول أن تفرض توازنًا إقليميًا مستقلًا، أم أن الاتفاق سيمنح القوى الكبرى فرصة جديدة لإدارة المنطقة من خلال أطرافها المحلية؟
باكستان بين الوساطة والالتزام
تحتل باكستان موقعًا خاصًا داخل الاتفاقية. فهي ترتبط بعلاقات دفاعية قوية مع السعودية، وتمتلك قدرات عسكرية كبيرة، لكنها في الوقت نفسه تحاول الحفاظ على موقع الوسيط في أزمات المنطقة.
وهذا الموقع يفرض على إسلام آباد موازنة دقيقة بين التزاماتها تجاه الرياض، وحاجتها إلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع طهران وواشنطن. لذلك، فإن دخول باكستان في أي مواجهة عسكرية مستقبلية لن يكون قرارًا آليًا، بل سيتوقف على طبيعة الهجوم، ومكانه، والالتزامات التي تنص عليها الاتفاقية وآليات تنفيذها.
لماذا اختارت مصر البقاء خارج التحالف؟
قد يكون غياب مصر عن اتفاقية مكة قرارًا مقصودًا ومدروسًا، لا نتيجة تهميش أو إقصاء. فالقاهرة تملك مصالح مباشرة في البحر الأحمر والسودان وليبيا وشرق المتوسط وغزة وأمن قناة السويس، وهي ملفات لا تتطابق بالكامل مع أولويات الرياض أو أنقرة أو إسلام آباد.
كما أن مصر تفضل، في كثير من الحالات، الاتفاقيات الثنائية والتنسيق المباشر، بدل الانضمام إلى أحلاف عسكرية واسعة قد تحد من قدرتها على التواصل مع جميع الأطراف. وقد رأى خبراء أن الحفاظ على مساحة الحركة والوساطة يمثل أحد أسباب ابتعاد القاهرة عن التحالفات التي قد تُفسر باعتبارها موجهة ضد إيران أو أي طرف إقليمي آخر.
هذه السياسة لا تعني أن مصر تقف خارج معادلات الأمن الإقليمي، بل تعني أنها تفضل المشاركة من موقع مستقل، يتيح لها حماية مصالحها أولا والاحتفاظ بدورها كطرف قادر على الحوار والوساطة، بدل التحول إلى طرف مباشر في محور عسكري.

تحالف للردع أم غطاء للتصعيد؟
قد تنجح اتفاقية مكة في تحقيق هدف ردعي، حتى من دون الدخول في مواجهة عسكرية. فمجرد إعلان التضامن الدفاعي يرفع كلفة استهداف أي دولة من الدول الثلاث، ويدفع الخصوم إلى إعادة حساباتهم.
لكن الاتفاقية قد تفقد قيمتها إذا تحولت إلى غطاء للتصعيد، أو إذا استُخدمت لجر الدول الأعضاء إلى صراعات لا تخدم مصالحها المباشرة. فالقوة الحقيقية لأي تحالف لا تقاس بعدد البيانات التي تصدر عنه، بل بوضوح آليات الدفاع، وحدود الالتزام، وقدرته على منع الحرب بدل توسيعها.
ولن يكون من السهل تخويف القوى الكبرى بمجرد إنشاء تحالف جديد، كما لن يكون كافيًا تقديم الوعود السياسية للأعضاء. ما يهم هو قدرة هذه الدول على حماية قرارها، ومنع تحويلها إلى أدوات في صراع أمريكي أو إيراني أو إسرائيلي.
لعبة المحاور والدور المصري
إن غياب مصر عن اتفاقية مكة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره قطيعة مع السعودية أو تركيا أو باكستان، ولا باعتباره موقفًا عدائيًا من الاتفاق. الأرجح أن القاهرة اختارت الحفاظ على استقلال قرارها، وتجنب الدخول في التزامات عسكرية مفتوحة، والإبقاء على قنواتها السياسية مع مختلف أطراف الإقليم.
أما اتفاقية مكة، فستظل اختبارًا حقيقيًا للدول الثلاث: إما أن تتحول إلى إطار إقليمي مستقل للردع، وإما أن تبقى إعلانًا سياسيًا محدود الأثر، أو تنزلق إلى لعبة المحاور التي تجعل دول المنطقة أطرافًا في صراعات لا تملك وحدها قرار بدايتها أو نهايتها.


