من التحذير إلى التهويل.. هل أصبح الخوف وسيلة لجذب المشاهدات؟
تبادل رواد مواقع التواصل الإجتماعي خلال الساعات القليلة الماضية تصريحات جاءات علي لسان اشهر الإعلامين في مصر تبث الرعب في نفوس المتابعين من صعوبة الاوضاع الاقتصادية القادمة مع دعوة المواكنيين لايام قادمة اكثر صعوبة وتاتي هذة التصريحات في ظروف اقتصادية صعبة يعيشها المواطن ليكون رده التلقائي هو في اصعب من ذلك
امتلأت الشاشات ووسائل التواصل بتصريحات من نوع: «اربط الحزام»، و«الأيام القادمة صعبة»، وتحذيرات من ارتفاعات جديدة في الأسعار واضطرابات اقتصادية محتملة. وقد ثبت بالفعل صدور بعض هذه التحذيرات؛ فالإعلامي عمرو أديب قال إن الأشهر المقبلة قد تشهد «مطبات اقتصادية» ودعا الناس إلى الاستعداد، موضحًا أنه يقصد التحذير لا التخويف.
لكن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: متى يتحول التحذير إلى إعلام للرعب؟
ليس كل تحذير اقتصادي تخويفًا. هناك أسباب حقيقية للقلق؛ فأسعار النفط العالمية عادت إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل مع اتساع التوترات الإقليمية، وصندوق النقد نفسه يقول إن الاقتصاد المصري، رغم تحسن بعض المؤشرات، لا يزال معرضًا لمخاطر من ارتفاع الطاقة والتضخم وتشدد الأوضاع المالية.
إذن، المشكلة ليست في أن يقول الإعلامي إن هناك أزمة محتملة.
المشكلة هي كيف يقولها، وماذا يقدم للمواطن بعد أن يخيفه؟
من التحذير إلى صناعة القلق
الإعلام المهني حين يتحدث عن أزمة اقتصادية يفترض أن يجيب عن أربعة أسئلة:
ما الذي قد يحدث؟
لماذا قد يحدث؟
ما حجم الاحتمال؟
وماذا يستطيع المواطن أن يفعل؟
أما أن يسمع المواطن كل ليلة جملة من نوع: «استعدوا للأسوأ» ثم تنتهي الحلقة، فهنا نحن لا نقدم معلومة بقدر ما نزرع حالة نفسية.
والفارق كبير.
التحذير المسؤول يمنح الناس معرفة.
أما التخويف المستمر فيمنحهم قلقًا بلا أدوات.
لماذا يستخدم بعض الإعلاميين هذه اللغة؟
لا يمكن الجزم بنيات أي إعلامي او نواياة من وصلة التخويف ، لكن هناك تفسيرات مهنية واضحة يمكن مناقشتها.
أولها أن الخوف يجذب الانتباه. العنوان الذي يقول «الأسعار قد ترتفع بنسبة محدودة» أقل إثارة من عنوان يقول «اربط الحزام».
والثاني أن المنافسة على المشاهدات تجعل اللغة الحادة أكثر انتشارًا على السوشيال ميديا؛ فالجملة المخيفة تتحول إلى مقطع قصير ويتم تداولها منفصلة عن أي شرح جاء قبلها أو بعدها.
والثالث أن بعض مقدمي البرامج أصبحوا يتعاملون مع أنفسهم كأنهم جرس إنذار دائم؛ فإذا حدثت الأزمة قالوا: حذرناكم، وإذا لم تحدث تختفي النبوءة وسط عشرات التصريحات الأخرى.
وهذه مشكلة قديمة في الإعلام: التوقع المخيف يتذكره الجمهور، أما التوقع الخاطئ فيُنسى سريعًا.
المواطن يسأل: «هو فيه أسوأ من كده؟»
هنا ربما تقع أكبر فجوة بين شاشة التلفزيون والشارع.
حين تقول لمواطن تحمل سنوات من ارتفاع الأسعار وضغوط الإيجار والطعام والمواصلات: «الأيام الصعبة لم تبدأ بعد»، فقد لا يسمع الرسالة كما يقصدها الإعلامي.
هو يسمع شيئًا آخر:
«كل ما تحملته حتى الآن لم يكن كافيًا».
ولهذا تأتي الإجابة الساخرة أو الغاضبة:
«هو فيه أسوأ من كده؟»
هذه ليست مجرد نكتة شعبية.
إنها تعبير عن إرهاق اقتصادي ونفسي.
فالمواطن الذي يعيد ترتيب مصروفاته بالفعل، ويقلل مشترياته، ويتنازل عن أشياء كان يعتبرها أساسية، لا يحتاج كل مساء إلى شخص يخبره بأن عليه أن يخاف أكثر.
المشكلة ليست في قول الحقيقة
من الخطأ أيضًا مطالبة الإعلام بتجميل الواقع- كما انة من الخطأ التخويف بالطريقة التي شاهدها الناس وتم تناقلها عبر مواقع التواصل
إذا كانت أسعار الطاقة ترتفع، يجب أن يقال ذلك وان ياتي ذلك في سياق التوعية والشرع وليس بيانات تخويف ورعب
إذا كان هناك خطر تضخم، يجب شرحه.
إذا كانت هناك قرارات اقتصادية محتملة، فمن حق المواطن معرفتها.
لكن الفرق بين الإعلام والتحريض على الخوف هو الدقة.
بدلًا من:
«اربطوا الحزام، القادم أسوأ».
يمكن القول:
«ارتفاع النفط قد يضغط على تكلفة النقل والطاقة، لكن هناك عوامل أخرى قد تخفف التأثير، وهذه السيناريوهات المحتملة».
الأولى تزرع الخوف.
الثانية تقدم معلومة يستطيع الإنسان التفكير فيها.
الإعلام الذي يخيف الناس بلا أرقام
أخطر أشكال هذا الخطاب هو التحذير المفتوح.
«مصيبة قادمة».
«أيام صعبة».
«استعدوا».
لكن: كم سترتفع الأسعار؟ أي سلع؟ متى؟ بناءً على أي بيانات؟
إذا لم توجد إجابة، يصبح الكلام أقرب إلى النبوءة التلفزيونية منه إلى التحليل الاقتصادي.
والاقتصاد ليس قراءة طالع.
هو أرقام واحتمالات وسيناريوهات.
ماذا يفعل الخوف المستمر بالمجتمع؟
حين يصدق الناس أن أزمة ضخمة وشيكة، قد يبدأون في التخزين أو سحب الأموال أو شراء الدولار أو الامتناع عن الاستهلاك.
وهذا يعني أن الخطاب الإعلامي نفسه يستطيع أحيانًا أن يؤثر في السلوك الاقتصادي.
لذلك تصبح المسؤولية أكبر.
التحذير من نقص سلعة، مثلًا، قد يدفع آلاف الأشخاص إلى شرائها بكميات أكبر من المعتاد، فينشأ نقص حقيقي لم يكن موجودًا بالحجم نفسه.
وهنا قد يتحول الإعلام من ناقل للأزمة إلى جزء من صناعتها.
والخوف ليس بديلًا عن محاسبة السياسات
هناك مشكلة أخرى.
حين تُختصر الأزمة الاقتصادية في عبارة:
«العالم كله يعاني، فتحملوا»
يختفي النقاش حول ما يمكن فعله محليًا لتقليل التأثير.
نعم، هناك صدمات عالمية حقيقية، وصندوق النقد نفسه يتحدث عن مخاطر إقليمية وخارجية على مصر. لكنه يتحدث أيضًا عن احتياجات تمويل مرتفعة وإصلاحات وهيكل اقتصادي وسياسات داخلية لها أثرها.
أي أن النقاش الجاد لا ينبغي أن يكون:
هل الأزمة من الخارج أم الداخل؟
بل:
ما الذي جاء من الخارج، وما الذي نستطيع إصلاحه في الداخل؟
وهنا يكون دور الإعلام أن يسأل، لا أن يكتفي بإخافة الجمهور.
لماذا لا يقول الإعلامي للمواطن ماذا يفعل؟
إذا كان الإعلامي يعتقد فعلًا أن الأشهر المقبلة صعبة، فالرسالة الأكثر فائدة ليست:
«خاف».
بل:
راقب مصروفاتك.
لا تدخل في التزامات مالية لا تستطيع تحملها.
افهم أثر أسعار الطاقة على ميزانيتك.
لا تتخذ قرارات استثمارية بسبب شائعة.
ولا تخزن السلع لمجرد سماع جملة في برنامج تلفزيوني.
هذه هي وظيفة الإعلام الخدمي.
أما تكرار جمل الخوف دون أدوات للتعامل معها، فيجعل المشاهد أكثر قلقًا لا أكثر وعيًا.
من المستفيد من «إعلام الرعب»؟
الإجابة الأبسط ليست مؤامرة.
غالبًا المستفيد الأول هو المحتوى نفسه وهو مايسعي الية البعض بغض النظر عن ثاثير ذلك عن المواطن
الخوف يحقق تفاعلًا.
التصريح الحاد يصبح عنوانًا.
العنوان يصبح فيديو.
الفيديو ينتشر.
والانتشار يعيد الإعلامي إلى واجهة النقاش.
لكن ما ينجح في جلب المشاهدات قد يفشل في خدمة المجتمع.
وهذه هي المشكلة.
المواطن لا يحتاج إلى مزيد من الرعب
المصري يعرف أن الظروف ليست سهلة.
لا يحتاج إلى شاشة تقول له كل ليلة إن الوضع أصعب مما يتخيل.
ما يحتاجه هو إعلام يقول له:
هذا هو الواقع بالأرقام.
هذه هي المخاطر الحقيقية.
وهذه مبالغة.
وهذا مجرد احتمال.
وهذه القرارات التي قد تقلل الضرر.
الإعلام الجيد لا يطمئن الناس بالكذب.
لكنه أيضًا لا يخيفهم من أجل الإثارة.
بين التطمين الزائف والتهويل المستمر توجد مساحة اسمها الصحافة.
وفي هذه المساحة وحدها يستطيع المواطن أن يفهم ما يحدث بدل أن يقضي يومه يسأل:
«هو فيه أسوأ من كده؟»


