ترامب يراهن على أحمد الشرع في ملف حزب الله.. تحول أميركي أم رسالة ضغط؟
أثار الرئيس الأميركي دونالد ترامب جدلًا واسعًا بتصريحه لشبكة «فوكس نيوز» بأن الرئيس السوري أحمد الشرع سيكون «أكثر دقة» من الإسرائيليين في التعامل مع حزب الله، مؤكدًا أنه يعلم أن الشرع يرغب في القيام بهذه المهمة.
ولا تبدو العبارة مجرد إشادة عابرة بالرئيس السوري، بل تحمل إشارات سياسية وأمنية تتجاوز حدود سوريا ولبنان، وتكشف عن تصور أميركي محتمل لإعادة توزيع الأدوار في المنطقة، بحيث تتحمل دمشق جانبًا من مسؤولية تحجيم حزب الله، بدلًا من استمرار إسرائيل في تنفيذ عمليات عسكرية واسعة داخل لبنان.
وأشار ترامب إلى أن الشرع قد يتعامل مع حزب الله بطريقة مختلفة عن إسرائيل، من دون هدم المباني أو إحداث الحجم نفسه من الدمار، لكنه لم يؤكد بصورة قاطعة منح دمشق ضوءًا أخضر أميركيًا للتدخل، مكتفيًا بالقول إنه «يفكر في الأمر».
ماذا يقصد ترامب بأن الشرع سيكون «أكثر دقة»؟
يركز التعبير الذي استخدمه ترامب على طريقة التنفيذ أكثر من تركيزه على الهدف السياسي نفسه.
فالرئيس الأميركي لا يعترض، بحسب ظاهر تصريحاته، على هدف إضعاف حزب الله أو إنهاء قدرته العسكرية، لكنه ينتقد الأسلوب الإسرائيلي القائم على الضربات الجوية الواسعة وتدمير المباني والبنية التحتية.
وبذلك يقدم ترامب أحمد الشرع باعتباره طرفًا قادرًا، من وجهة نظره، على تنفيذ عمليات أكثر تحديدًا، وربما تعتمد على المعلومات الاستخباراتية أو الضغوط الأمنية والسياسية، بدلًا من القصف المكثف الذي يؤدي إلى خسائر بشرية ودمار واسع.
ويعكس التصريح أيضًا محاولة من ترامب لإظهار أن معالجة ملف حزب الله يمكن أن تتم عبر قوة إقليمية محلية، بدلًا من بقاء إسرائيل الطرف الوحيد الذي يحدد شكل المواجهة داخل لبنان.
هل تريد واشنطن دفع سوريا إلى داخل لبنان؟
تمثل هذه النقطة أخطر أبعاد التصريح، لأن الحديث عن تولي الرئيس السوري «التعامل مع حزب الله» يثير تساؤلات بشأن طبيعة الدور المقترح لدمشق.
فقد يعني ذلك أحد ثلاثة سيناريوهات:
ضغط سياسي وأمني على حزب الله
قد تسعى سوريا الجديدة إلى استخدام علاقاتها الحدودية والأمنية للضغط على حزب الله، ومنع نقل السلاح والمقاتلين، وتجفيف خطوط الإمداد الممتدة بين إيران ولبنان عبر الأراضي السورية.
وهذا السيناريو هو الأقل كلفة على دمشق، لأنه لا يتطلب دخولًا عسكريًا مباشرًا إلى لبنان، لكنه يمنح الولايات المتحدة وإسرائيل نتيجة استراتيجية مهمة تتمثل في عزل الحزب عن عمقه الإقليمي.

عمليات محدودة قرب الحدود
يمكن أن يشير حديث ترامب إلى تعاون أمني سوري ضد شبكات تهريب السلاح أو مواقع مرتبطة بحزب الله في المناطق الحدودية.
وقد ترى واشنطن في هذا الدور وسيلة لتقليص قدرات الحزب من دون إحداث مواجهة سورية لبنانية شاملة.
تدخل عسكري داخل لبنان
يبقى هذا الاحتمال الأكثر حساسية والأقل سهولة، لأنه يعني تجاوز السيادة اللبنانية وفتح الباب أمام صراع إقليمي واسع.
وكان أحمد الشرع قد نفى سابقًا وجود خطط لتدخل عسكري سوري في لبنان، في وقت أكدت فيه دمشق رغبتها في تجنب التدخل في الشؤون اللبنانية، رغم الخلافات التاريخية العميقة مع حزب الله.
لماذا يراهن ترامب على أحمد الشرع؟
ينظر ترامب إلى الرئيس السوري باعتباره قائدًا تمكن من تثبيت سلطته داخل سوريا، وأظهر استعدادًا لإعادة بناء العلاقات مع الولايات المتحدة ودول المنطقة.
ومن منظور واشنطن، يمتلك الشرع عدة عناصر قد تجعله مؤثرًا في ملف حزب الله، أبرزها سيطرة سوريا على طرق الإمداد البرية المؤدية إلى لبنان، والعداء التاريخي بين قيادات السلطة السورية الجديدة والحزب، الذي قاتل سابقًا إلى جانب نظام بشار الأسد.
كما أن دعم الشرع في هذه المهمة قد يخدم استراتيجية أميركية أوسع تهدف إلى إضعاف النفوذ الإيراني في سوريا ولبنان، من دون إرسال قوات أميركية إضافية أو منح إسرائيل حرية غير محدودة في تنفيذ غارات واسعة.
وسبق لترامب أن تحدث خلال يونيو 2026 عن مناقشة ملف حزب الله مع الشرع، وانتقد الأسلوب الإسرائيلي في الحرب، في مؤشر على أن التصريح الجديد يأتي ضمن توجه مستمر وليس موقفًا مفاجئًا.
رسالة أميركية إلى إسرائيل
يحمل تصريح ترامب انتقادًا واضحًا لطريقة تعامل إسرائيل مع حزب الله.
فعندما يقول إن الشرع لن يهدم المباني وسيكون أكثر دقة، فإنه يقارن بصورة مباشرة بين النهج السوري المحتمل والعمليات الإسرائيلية، ويشير ضمنيًا إلى أن تل أبيب تستخدم قوة مفرطة أو تفتقر إلى الدقة الكافية.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود قطيعة بين ترامب وإسرائيل، لكنه يعكس خلافًا بشأن الأدوات والتوقيت وحجم العمليات، خصوصًا في ظل الضغوط التي تتعرض لها الإدارة الأميركية بسبب الخسائر المدنية واتساع رقعة الدمار.
كما قد يستخدم ترامب هذه التصريحات للضغط على إسرائيل من أجل القبول بالانسحاب من مناطق في جنوب لبنان، وتسليم الملف الأمني تدريجيًا إلى الجيش اللبناني أو أطراف إقليمية أخرى. وكانت واشنطن قد رعت بالفعل محادثات مرتبطة بانسحاب إسرائيلي تدريجي وتسليم مناطق إلى الجيش اللبناني.
ماذا يعني التصريح بالنسبة إلى لبنان؟
بالنسبة إلى لبنان، يمثل الحديث عن دور سوري في مواجهة حزب الله مسألة شديدة الحساسية، بسبب التاريخ الطويل للوجود السوري داخل الأراضي اللبنانية.
ومن المرجح أن ترفض قوى لبنانية عديدة أي تدخل عسكري سوري مباشر، حتى لو جاء بدعم أميركي، لأن ذلك قد يعيد فتح ملفات السيادة والوصاية والتدخل الخارجي.
وفي المقابل، قد ترحب أطراف لبنانية بأي تحرك يؤدي إلى وقف الحرب الإسرائيلية وتطبيق حصرية السلاح بيد الدولة، بشرط أن يتم عبر المؤسسات اللبنانية والجيش اللبناني، لا من خلال دخول قوات أجنبية أو إقليمية.
ويضع التصريح الحكومة اللبنانية أمام معادلة معقدة: فهي مطالبة بالحد من سلاح حزب الله، وفي الوقت نفسه مطالبة بمنع تحول الأراضي اللبنانية إلى ساحة لتدخل سوري أو إسرائيلي جديد.
موقف حزب الله المحتمل
من المتوقع أن ينظر حزب الله إلى تصريحات ترامب باعتبارها تهديدًا مباشرًا ومحاولة لدفع سوريا إلى مواجهة معه.
ويمتلك الحزب تاريخًا من الصراع مع القوى التي شكلت السلطة السورية الجديدة، بسبب مشاركته في الحرب السورية دعمًا لنظام بشار الأسد.
لكن حزب الله قد يتجنب مواجهة عسكرية مباشرة مع دمشق، خاصة في ظل الضغوط العسكرية والسياسية التي يتعرض لها، واحتياجه إلى الحفاظ على ما تبقى من خطوط الإمداد والعلاقات الإقليمية.
وقد يلجأ الحزب بدلًا من ذلك إلى الضغط السياسي داخل لبنان، والتأكيد أن أي تدخل سوري يمثل انتهاكًا للسيادة اللبنانية.

هل يرغب أحمد الشرع بالفعل في مواجهة حزب الله؟
قول ترامب إنه يعلم أن الشرع «يرغب في القيام بذلك» يعبر عن تقييم الرئيس الأميركي أو ما دار في اتصالاته مع القيادة السورية، لكنه لا يمثل إعلانًا رسميًا من دمشق.
فالشرع لم يعلن حتى الآن التزامًا عسكريًا بمواجهة الحزب داخل لبنان، بل اتخذت الحكومة السورية مواقف أكثر حذرًا، وأبدت انفتاحًا على الحوار مع أطراف لبنانية، بما فيها حزب الله عند الضرورة.
ومن ثم، فإن الفرق كبير بين رغبة دمشق في منع نفوذ الحزب داخل سوريا أو إغلاق طرق السلاح، وبين دخول حرب مفتوحة ضده على الأراضي اللبنانية.
إعادة رسم دور سوريا الإقليمي
تكشف تصريحات ترامب عن محاولة لإعادة تقديم سوريا بوصفها شريكًا أمنيًا للولايات المتحدة في المنطقة، بعد عقود من العداء والعقوبات.
وفي هذا التصور، قد تتحول دمشق من حليف رئيسي لإيران وحزب الله في عهد الأسد إلى طرف يعمل على الحد من نفوذهما.
وسيمثل نجاح هذا التحول ضربة استراتيجية لطهران، لأنه يقطع أحد أهم الجسور البرية التي كانت تربط إيران بالعراق وسوريا ولبنان.
لكن هذا الدور يحمل مخاطر كبيرة على سوريا، التي لا تزال تعاني من آثار الحرب والانقسامات الداخلية والتحديات الاقتصادية، وقد لا تكون مستعدة لتحمل كلفة صراع جديد مع حزب الله أو إيران.
ما السيناريو الأقرب؟
السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس إرسال الجيش السوري إلى قلب لبنان، بل تكليف دمشق بدور أمني غير مباشر، يشمل مراقبة الحدود، ومنع تهريب الأسلحة، وتفكيك الشبكات المرتبطة بالحزب داخل سوريا.
وقد يتزامن ذلك مع ضغوط أميركية وإقليمية على الدولة اللبنانية لنزع سلاح حزب الله، وانسحاب إسرائيلي تدريجي من الجنوب.
أما التدخل العسكري السوري المباشر، فيظل خيارًا عالي المخاطر، قد يواجه رفضًا من دمشق وبيروت، ويؤدي إلى توسيع الحرب بدلًا من احتوائها.
نقل مهمة مواجهة حزب الله من إسرائيل إلى سوريا
تصريحات ترامب تمثل أكثر من مجرد إشادة بأحمد الشرع؛ فهي تكشف عن تصور أميركي جديد يقوم على نقل جزء من مهمة مواجهة حزب الله من إسرائيل إلى سوريا الجديدة.
ويريد ترامب، على ما يبدو، تحقيق هدفين متزامنين: إضعاف الحزب وتقليص النفوذ الإيراني، مع خفض حجم الدمار الذي تسببه العمليات الإسرائيلية.
لكن نجاح هذه الخطة يتوقف على موافقة دمشق وبيروت، وقدرة الشرع على تحمل تداعيات المواجهة، ومدى استعداد إسرائيل للانسحاب وترك الملف لقوى محلية.
وبينما يقدم ترامب الشرع باعتباره البديل «الأكثر دقة»، تبقى الحدود بين الدور الأمني السوري والتدخل العسكري المباشر غير واضحة، وهو ما يجعل التصريح رسالة ضغط واختبارًا سياسيًا أكثر من كونه إعلانًا عن خطة جاهزة للتنفيذ.


