منشور يثير الجدل حول البن في مصر
أثار منشور متداول على مواقع التواصل الاجتماعي موجة من الجدل، بعدما طرح سؤالًا لافتًا حول سوق البن في مصر، جاء فيه بمعناه: كيف تستهلك مصر كميات ضخمة من البن بينما تظهر أرقام أقل بكثير في بعض البيانات المتداولة عن الاستيراد؟
وتضمن المنشور تساؤلًا منسوبًا للفنان مراد مكرم عن أن المصريين استهلكوا نحو 80 ألف طن بن في عام 2025، بينما ترددت أرقام أخرى تزعم أن المسجل في الموانئ لا يتجاوز 13 طنًا فقط، وهو ما فتح الباب أمام أسئلة كثيرة عن حقيقة السوق، ومصادر البن، ومدى وجود غش أو خلط في المنتج.
الرقم الأهم.. مصر تستهلك وتستورد نحو 80 ألف طن بن سنويًا
بحسب تصريحات الدكتور حسن فوزي، رئيس شعبة البن بالاتحاد العام للغرف التجارية، فإن مصر تستورد نحو 80 ألف طن من البن سنويًا لتلبية احتياجات السوق المحلي، ويتم استهلاك هذه الكميات بالكامل نتيجة الإقبال الكبير على القهوة بأنواعها المختلفة.
كما قدّر فوزي، في تصريحات أخرى، حجم استهلاك المصريين من القهوة بنحو 80 ألف طن بنهاية 2025، مشيرًا إلى أن متوسط سعر طن البن المستورد يتراوح بين 4500 و7500 دولار، وهي أرقام تعكس حجم فاتورة الاستيراد وضغط الأسعار العالمية على السوق المصري.
هل رقم 13 طنًا صحيح؟
الرقم المتداول عن استيراد 13 طنًا فقط لا يتسق مع تصريحات شعبة البن ولا مع حجم السوق المصري المعروف، خاصة أن مصر لا تزرع البن تجاريًا وتعتمد على الاستيراد لتغطية الاستهلاك المحلي.
الأقرب أن الرقم المتداول إمّا ناتج عن خطأ في النقل أو قراءة غير مكتملة لبيانات تخص بندًا جمركيًا محددًا أو فترة زمنية قصيرة أو نوعًا معينًا من البن، وليس إجمالي واردات مصر السنوية من البن. لذلك لا يمكن التعامل مع رقم 13 طنًا باعتباره الرقم الرسمي الشامل لواردات البن في مصر دون بيان حكومي واضح يشرح مصدره وطريقة حسابه.

لماذا حدث الالتباس؟
الالتباس جاء من مقارنة غير متكافئة بين رقم استهلاك سنوي واسع، ورقم متداول غير موثق بشكل كافٍ عن واردات مسجلة في الموانئ. المقارنة الصحيحة يجب أن تكون بين إجمالي الواردات السنوية من البن الخام والمحمص والمطحون وفق الأكواد الجمركية المعتمدة، وبين تقديرات الاستهلاك المحلي خلال الفترة نفسها.
الغش في القهوة.. ماذا قالت شعبة البن؟
وسط المخاوف من انتشار البن المغشوش، أكد رئيس شعبة البن أن نسبة الغش في القهوة داخل السوق المصري لا تتجاوز 5% من حجم السوق المحلي، موضحًا أن ما يتردد عن انتشار واسع للبن المغشوش مبالغ فيه وغير دقيق.
وهذا لا يعني غياب الظاهرة بالكامل، لكنه يعني أن الحديث عن فجوة ضخمة بين الاستهلاك والاستيراد لا يكفي وحده لإثبات وجود غش واسع، خاصة إذا كانت الأرقام المتداولة غير دقيقة أو غير مكتملة.
فاتورة الاستيراد وأسعار البن تضغط على السوق
تتعرض سوق القهوة في مصر لضغوط كبيرة بسبب ارتفاع الأسعار العالمية، حيث أشارت تقارير اقتصادية إلى أن أسعار بن الأرابيكا ارتفعت بقوة خلال الفترة من يوليو 2024 إلى يونيو 2025، نتيجة صدمات مناخية وتغيرات أثرت على التجارة العالمية.
كما أن سوق البن الخام في مصر قُدّر بنحو 321 مليون دولار في 2025، مع توقعات بالنمو خلال السنوات التالية، ما يعكس أن القهوة لم تعد سلعة هامشية، بل سوقًا كبيرًا يتحرك فيه الاستيراد والتوزيع والتصنيع والمقاهي والاستهلاك المنزلي.
لماذا ارتفعت أسعار القهوة في مصر؟
ارتفاع أسعار القهوة محليًا يرتبط بعدة عوامل، أبرزها زيادة أسعار البن عالميًا، وتكلفة الشحن، وسعر الدولار، وتكاليف التحميص والتعبئة والتوزيع، إضافة إلى تغير نمط الاستهلاك مع انتشار المقاهي الحديثة وزيادة الطلب على أنواع القهوة المختلفة.
هل المصريون يشربون قهوة أكثر من قبل؟
نعم، هناك مؤشرات على نمو واضح في استهلاك القهوة داخل مصر وشمال أفريقيا عمومًا، إذ تشير تقارير متخصصة إلى أن استهلاك القهوة في مصر تضاعف خلال السنوات الخمس الأخيرة، مدفوعًا بثقافة المقاهي وانتشار القهوة المتخصصة وتغير عادات الشباب.
هذا النمو يفسر لماذا وصلت تقديرات الاستهلاك إلى مستوى 70 و80 ألف طن سنويًا، وهي أرقام سبق أن تحدثت عنها شعبة البن في مصر باعتبارها نطاقًا قريبًا من احتياجات السوق المحلي.
أين المشكلة الحقيقية؟
المشكلة ليست في سؤال الناس عن مصدر البن، فهذا حق مشروع، لكن المشكلة في تداول أرقام غير مكتملة وكأنها حقيقة نهائية. فالسوق يحتاج إلى شفافية أكبر في إعلان بيانات الاستيراد، وتوضيح الفروق بين البن الخام والمحمص والمطحون، وكذلك التمييز بين الاستهلاك السنوي والواردات خلال فترة محددة.
كما يحتاج المستهلك إلى رقابة مستمرة على جودة البن، ومنع أي خلط ضار أو بيع منتج مغشوش على أنه بن صافي، مع إلزام التجار والمطاحن ببيانات واضحة على العبوات.
الرقم الحقيقي
الأرقام الأقرب للصحة وفق تصريحات شعبة البن تقول إن مصر تستورد وتستهلك نحو 80 ألف طن بن سنويًا، بينما رقم 13 طنًا المتداول لا يبدو منطقيًا كرقم شامل لواردات مصر السنوية، ويحتاج إلى توضيح رسمي قبل البناء عليه.
أما الحديث عن الغش، فبحسب شعبة البن، لا تتجاوز نسبته 5% من السوق، لكن ذلك لا يمنع ضرورة الرقابة وحماية المستهلك، خصوصًا مع ارتفاع أسعار القهوة وتحولها إلى سلعة يومية عند ملايين المصريين.


