دخل الصراع بين السعودية وجماعة الحوثي في اليمن مرحلة جديدة من التصعيد، بعدما امتدت الهجمات خلال سبتمبر/أيلول 2026 إلى مناطق داخل المملكة، وصولًا إلى العاصمة الرياض، بالتزامن مع تجدد العمليات العسكرية داخل اليمن وسيطرة الحوثيين على مواقع مهمة قرب البحر الأحمر وباب المندب.
وفي 19 سبتمبر، أعلنت السعودية اعتراض صاروخ باليستي أُطلق باتجاه الرياض، بينما أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة استهدفت مواقع وصفوها بأنها «حساسة» داخل العاصمة وعدد من المدن السعودية.
ماذا حدث في الرياض؟
شهد محيط مطار الملك خالد الدولي ظهور دخان ونيران بالتزامن مع الهجوم، بينما أعلنت قوات التحالف اعتراض صاروخ أطلق باتجاه العاصمة.
كما قال الحوثيون إن هجماتهم شملت أهدافًا أخرى في ينبع والطائف وبيش وفرسان، في حين قالت السعودية إنها أحبطت عددًا من تلك الهجمات. ولم يتسن التحقق بصورة مستقلة من جميع الأهداف التي أعلن الحوثيون إصابتها.
التصعيد لم يبدأ من الرياض
الهجوم على العاصمة جاء بعد سلسلة من الضربات التي استهدفت مدنًا ومنشآت في جنوب وغرب المملكة.
وفي 8 سبتمبر، قالت السلطات السعودية إن هجمات حوثية على أبها وخميس مشيط وجازان ونجران أسفرت عن إصابة 73 مدنيًا، إضافة إلى استهداف منشآت اقتصادية وطاقوية.
وأكدت وزارة الخارجية السعودية آنذاك أن المملكة تحتفظ بحق اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن سيادتها ومنشآتها وسلامة مواطنيها والمقيمين على أراضيها.

لماذا تغيرت معادلة حرب اليمن؟
باب المندب يعود إلى قلب الصراع
التصعيد الحالي لا يقتصر على تبادل الصواريخ والطائرات المسيّرة عبر الحدود.
فقد حقق الحوثيون خلال الأسابيع الأخيرة مكاسب على الساحل الغربي لليمن، بما في ذلك السيطرة على مناطق استراتيجية بالقرب من باب المندب، وهو أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ويمنح الاقتراب من باب المندب الصراع بعدًا يتجاوز الحدود اليمنية، بسبب أهمية الممر لحركة التجارة والطاقة بين البحر الأحمر وخليج عدن.
السعودية أمام معادلة عسكرية أكثر تعقيدًا
في المقابل، كثفت الرياض عملياتها العسكرية داخل اليمن، بينما تحدثت تقارير عن إرسال تعزيزات ومعدات إلى قوات موالية للحكومة اليمنية في عدد من الجبهات.
وتشير التطورات إلى أن المواجهة لم تعد مقتصرة على حماية الحدود السعودية، بل باتت مرتبطة أيضًا بمستقبل المناطق الساحلية اليمنية وموازين القوى قرب باب المندب.
تركيا وباكستان تدخلان حسابات الأزمة
أحد أهم عناصر التصعيد يتمثل في الموقف الإقليمي.
فقد أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان استعداد بلاده لتلبية احتياجات عسكرية سعودية في إطار اتفاق دفاعي مشترك يضم السعودية وتركيا وباكستان، في وقت لا تزال فيه الأطراف الإقليمية تحاول تجنب توسع الحرب بصورة أكبر.
وفي المقابل، حذر مسؤولون حوثيون من مشاركة دول أخرى عسكريًا إلى جانب السعودية في الحرب داخل اليمن.
هل تتحول المواجهة إلى حرب إقليمية أوسع؟
حتى الآن، تظهر الوقائع تصعيدًا واضحًا في نطاق الهجمات والأهداف، لكن اتجاه الصراع سيعتمد على القرارات التي ستتخذها الأطراف خلال المرحلة المقبلة.
فهناك ثلاثة ملفات أصبحت مرتبطة ببعضها بصورة مباشرة: العمليات العسكرية داخل اليمن، الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية، والسيطرة على طرق الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
الولايات المتحدة لا تتجه حاليًا إلى تدخل عسكري مباشر
في الوقت نفسه، تشير التقارير إلى أن واشنطن لم تتجه حتى الآن إلى الانخراط العسكري المباشر إلى جانب السعودية ضد الحوثيين، رغم استمرار التعاون والمشاورات الأمنية.
وهذا يجعل الرياض أمام حسابات مختلفة عن مراحل سابقة من حرب اليمن، خصوصًا مع اتساع نطاق التهديدات التي تطال المدن ومنشآت الطاقة.
ماذا يريد الحوثيون من التصعيد؟
يقول الحوثيون إن عملياتهم تأتي ردًا على الضربات السعودية داخل اليمن، بينما تتهم الرياض الجماعة بالتصعيد واستهداف المدنيين والمنشآت الاقتصادية وتهديد أمن الملاحة الدولية.
وبعيدًا عن روايات الطرفين، تشير التطورات الميدانية إلى أن الحوثيين يحاولون استخدام مكاسبهم داخل اليمن وقدراتهم الصاروخية والمسيّرة لتعزيز موقعهم في أي ترتيبات سياسية أو أمنية مقبلة.
لكن اتساع نطاق الهجمات إلى الرياض ومدن أخرى يزيد في الوقت نفسه احتمالات رد سعودي أوسع ويجعل فرص العودة السريعة إلى حالة التهدئة السابقة أكثر تعقيدًا.
اليمن أمام مرحلة مختلفة
المشهد الحالي لم يعد مجرد جولة جديدة من تبادل الضربات بين السعودية والحوثيين.
فالصراع بات يرتبط بصورة مباشرة بأمن الحدود السعودية، ومستقبل السلطة في اليمن، والسيطرة على الساحل الغربي وباب المندب، وأمن طرق التجارة والطاقة في البحر الأحمر.
ولهذا فإن الأسابيع المقبلة ستكون مرتبطة بمدى قدرة المسارات الدبلوماسية على احتواء التصعيد، أو استمرار العمليات العسكرية ضمن المواجهة الحالية، دون إمكانية الجزم مسبقًا بالمسار الذي ستأخذه الأزمة.


