ليس الغزو وحده.. أوروبا تخشى حربًا روسية من نوع مختلف
تتزايد المخاوف الأمنية في أوروبا من أن المواجهة مع روسيا قد لا تأتي بالضرورة في صورة حرب شاملة أو اجتياح عسكري تقليدي، وإنما عبر سلسلة من العمليات الأصغر والأكثر صعوبة في التعامل معها، بداية من الطائرات المسيّرة والهجمات الإلكترونية وصولًا إلى التخريب واستهداف البنية التحتية الحيوية.
وتأتي هذه المخاوف مع استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد الحوادث التي تصفها حكومات أوروبية وحلف شمال الأطلسي بأنها جزء من تهديدات «هجينة» تواجه القارة. ويقول الناتو إن انتهاكات المجال الجوي والهجمات السيبرانية وأعمال التخريب المرتبطة بروسيا أصبحت أكثر تكرارًا، بينما تنفي موسكو في عدد من الحالات اتهامات غربية موجهة إليها.
أوروبا أمام سؤال جديد: ماذا لو لم تبدأ الحرب بالدبابات؟
لوقت طويل، ارتبط السيناريو الأخطر في المخيلة الأوروبية بتحرك قوات روسية عبر حدود إحدى دول الناتو.
لكن النقاش الأمني الحالي أصبح أكثر تعقيدًا.
المسيّرات والتخريب والهجمات السيبرانية
تشمل السيناريوهات التي تستعد لها دول أوروبية هجمات إلكترونية على شبكات الطاقة والاتصالات، وأعمال تخريب ضد منشآت حيوية، واستخدام طائرات مسيّرة، إضافة إلى عمليات يصعب في بدايتها تحديد الجهة المسؤولة عنها بصورة قاطعة.
واعتمد الناتو في سبتمبر 2026 متطلبات جديدة للمرونة المدنية والعسكرية تتحدث صراحة عن مخاطر الهجوم المادي والتخريب والهجمات الإلكترونية الأكثر تكرارًا وتأثيرًا على الخدمات الأساسية والبنية التحتية.
وهذه النوعية من العمليات تخلق معضلة مختلفة عن الحرب التقليدية: متى يتحول التخريب أو الهجوم الإلكتروني إلى اعتداء يستوجب ردًا عسكريًا؟

لماذا تخشى أوروبا «الحرب الهجينة» الروسية؟
تكمن قوة هذه الأدوات في إمكانية استخدامها دون الحاجة إلى إرسال تشكيلات عسكرية ضخمة عبر الحدود.
ويمكن لهجوم إلكتروني أو عملية تخريب محدودة أن تتسبب في أضرار اقتصادية أو سياسية كبيرة، مع ترك مساحة من الغموض بشأن المسؤول عنها وكيفية الرد عليها.
وفي 5 سبتمبر، قال السفير الأمريكي لدى الناتو ماثيو ويتاكر إن الحلف يجب ألا يتسامح مع العمليات الهجينة ضد أعضائه، مشيرًا تحديدًا إلى حوادث مرتبطة بالمسيّرات والبنية التحتية، ومؤكدًا دعم الولايات المتحدة للدول التي تواجه مثل هذه الأنشطة.
الناتو يحصن الجبهة الأقرب إلى روسيا
لم تنتظر دول الحلف احتمال وقوع مواجهة مباشرة.
فمنذ ضم روسيا شبه جزيرة القرم عام 2014، ثم الغزو الشامل لأوكرانيا في 2022، توسع الانتشار العسكري للناتو بصورة كبيرة على جناحه الشرقي.
قوات إضافية من البلطيق إلى البحر الأسود
يقول الناتو إنه عزز قواته الجاهزة للقتال وخططه الدفاعية من شمال أوروبا وحتى البحر الأسود، وأضاف في يونيو 2026 مجموعة قتالية متعددة الجنسيات في فنلندا بقيادة السويد، لتصبح المجموعة التاسعة من هذا النوع على الجناح الشرقي.
وكان الحلف قد أطلق أيضًا عمليات مراقبة وحماية إضافية بعد حوادث استهداف البنية التحتية في بحر البلطيق وانتهاكات جوية نسبت إلى روسيا.
ماذا لو قررت روسيا اختبار الناتو؟
هذا هو السيناريو الذي يثير أكبر قدر من القلق.
ليس بالضرورة أن يكون الاختبار هجومًا واسعًا على دولة أوروبية، بل قد يكون حادثًا محدودًا أو عملية يصعب تحديد طبيعتها فورًا.
فعملية تخريب أو اختراق جوي أو هجوم إلكتروني كبير قد تضع الدول الأعضاء أمام سؤال سياسي وعسكري حساس:
هل تكفي الحادثة لتفعيل الرد الجماعي للحلف؟
وتؤكد عقيدة الناتو الحالية أن الدفاع عن أعضائه يقوم على مبدأ الردع والقدرة على استخدام القوات التقليدية والنووية والدفاع الصاروخي والقدرات الفضائية والسيبرانية عند الحاجة.
القلق الأكبر في أوروبا.. ماذا عن أمريكا؟
وراء المخاوف الروسية يظهر سؤال آخر أصبح حاضرًا بقوة في العواصم الأوروبية:
إلى أي مدى يمكن الاعتماد على الولايات المتحدة إذا دخلت دولة أوروبية في مواجهة مع موسكو؟
تحقيق نشرته رويترز في 17 سبتمبر أشار إلى أن سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه الناتو دفعت مسؤولين ومخططين أوروبيين إلى إعادة تقييم مدى الاعتماد طويل الأمد على الولايات المتحدة في الدفاع عن القارة. وفي الوقت نفسه، لا تزال واشنطن تستثمر في بنية عسكرية للناتو وتؤكد رسميًا التزامها بالحلف.
مراجعة للوجود العسكري الأمريكي في أوروبا
تجري وزارة الدفاع الأمريكية كذلك مراجعة لانتشار القوات الأمريكية في أوروبا، وسط نقاش بشأن إمكانية تقليص بعض القوات وتحميل الدول الأوروبية قدرًا أكبر من مسؤولية الدفاع عن نفسها.
وأثار إلغاء نشر نحو 4 آلاف جندي أمريكي إضافي في بولندا، إلى جانب تخفيضات أخرى، مخاوف لدى بعض المشرعين والمسؤولين بشأن مستقبل الوجود الأمريكي، رغم تأكيد واشنطن أن أمن بولندا والتزامات الحلف لن تتأثر.

أوروبا تنفق أكثر على السلاح
النتيجة الواضحة لهذه المخاوف هي أن أوروبا بدأت تخصص أموالًا أكبر للدفاع.
فوفق تقديرات الناتو لعام 2026، تتجه خمس دول أعضاء هي ليتوانيا وإستونيا ولاتفيا وبولندا واليونان إلى إنفاق أكثر من 3.5% من ناتجها المحلي الإجمالي على الدفاع الأساسي هذا العام.
وفي المقابل، تختلف سرعة زيادة الإنفاق بصورة كبيرة بين الدول، إذ تواجه اقتصادات أوروبية كبرى ضغوطًا مالية تجعل تمويل الزيادة الدفاعية تحديًا سياسيًا واقتصاديًا.
هل تستطيع أوروبا الدفاع عن نفسها دون أمريكا؟
البحث عن «استقلال دفاعي» أكبر
لم يعد هذا النقاش نظريًا فقط.
فقد دعمت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين مؤخرًا إنشاء مجلس أمني أوروبي ووضع آلية مشتركة للتعامل مع التخريب والتهديدات الهجينة، في ظل مخاوف من الاعتماد المفرط على المظلة الأمنية الأمريكية.
كما انضمت فنلندا هذا الشهر إلى مبادرة فرنسية لتوسيع التعاون الأوروبي في الردع النووي، مع تأكيد المشاركين أن تلك الترتيبات مكملة للناتو وليست بديلًا منه.
من بحر البلطيق إلى الفضاء الإلكتروني
التوتر لم يعد محصورًا في أوكرانيا.
ففي بحر البلطيق، تتكرر الاحتكاكات بين قوات روسيا ودول الحلف. واتهمت موسكو مؤخرًا مروحيات عسكرية دنماركية بتنفيذ مناورات خطرة قرب سفن روسية، بعد حادثة قالت الدنمارك خلالها إن فرقاطة روسية أطلقت إشارات ضوئية قرب إحدى مروحياتها؛ وتبادل الجانبان الاتهامات بشأن المسؤولية.
وفي المجال السيبراني، اتهم الناتو رسميًا روسيا في يوليو بتنفيذ أنشطة إلكترونية خبيثة استهدفت بنية تحتية ومؤسسات حكومية في دول الحلف وشركائه، وقال إنه عزز قدراته الدفاعية الإلكترونية ردًا على ذلك.
هل الحرب الروسية الأوروبية قريبة؟
لا توجد معلومات علنية تثبت أن روسيا اتخذت قرارًا بشن حرب مباشرة على إحدى دول الناتو.
كما أن تعزيز القوات الأوروبية والناتو يهدف رسميًا إلى الردع ومنع وقوع هجوم، وليس إلى الإقرار بأن مواجهة عسكرية أصبحت حتمية.
لكن التغيير الحقيقي يكمن في طبيعة استعداد أوروبا.
فالسؤال لم يعد فقط:
هل تستطيع روسيا غزو دولة أوروبية؟
بل أصبح أيضًا:
هل تستطيع تنفيذ سلسلة عمليات محدودة تجعل الرد الأوروبي صعبًا دون الوصول إلى حرب شاملة؟
معركة ما دون الحرب
هذه ربما هي المعضلة الأمنية الأكبر أمام أوروبا خلال المرحلة المقبلة.
فهجوم عسكري واضح يجعل هوية المهاجم وطبيعة الرد أكثر وضوحًا، لكن طائرة مجهولة فوق مطار، أو شبكة كهرباء تتعرض لهجوم إلكتروني، أو كابل بحري يتضرر، أو منشأة استراتيجية تتعرض للتخريب، يمكن أن يخلق أزمة يصعب التعامل معها بالمنطق العسكري التقليدي.
ولهذا تتجه الاستراتيجية الأوروبية تدريجيًا إلى الجمع بين زيادة الإنفاق العسكري، وتقوية الدفاع الجوي، وحماية البنية التحتية، وتطوير الأمن السيبراني، وتعزيز قدرة القارة على التحرك حتى في حال تراجع الدور الأمريكي.
وبذلك، فإن الخوف الأوروبي الحالي لا يتمحور فقط حول اندلاع حرب روسية–أوروبية كبرى، بل حول احتمال الدخول في مرحلة طويلة من الاحتكاكات والهجمات المحدودة واختبارات الردع، حيث يصبح الخط الفاصل بين السلام والحرب أقل وضوحًا من أي وقت مضى.


