تُعد السكتة الدماغية واحدة من أخطر الحالات الطبية الطارئة، ليس فقط لما قد تسببه من وفاة، ولكن لأنها قد تحدث بصورة مفاجئة لشخص كان يمارس حياته بصورة طبيعية قبل دقائق، ثم تتركه أمام درجات متفاوتة من العجز الحركي أو اضطرابات الكلام والوعي والذاكرة.
ورغم خطورتها، فإن الصورة تغيرت كثيرًا خلال السنوات الأخيرة. فقد شهد علاج السكتة الدماغية تطورًا متسارعًا، وأصبح من الممكن في حالات مختارة إعادة فتح الشريان المسدود واستعادة تدفق الدم إلى أجزاء من المخ كانت في طريقها إلى التلف.
ومن هنا جاءت العبارة التي تلخص فلسفة علاج السكتة الدماغية الحديثة:
«الوقت هو المخ» – Time is Brain.
فكلما تأخر وصول الدم إلى أنسجة المخ، زادت احتمالات حدوث تلف دائم، ولذلك فإن سرعة التعرف على الأعراض والوصول إلى مركز متخصص قد تصنع فارقًا جوهريًا في النتيجة النهائية للمريض.
ما السكتة الدماغية؟
تنقسم السكتات الدماغية بصورة أساسية إلى نوعين.
الأول هو السكتة الدماغية الإقفارية أو الجلطة المخية، وتحدث عندما تؤدي جلطة دموية إلى انسداد أحد الشرايين المغذية للمخ، فينخفض أو يتوقف وصول الدم والأكسجين إلى المنطقة التي يغذيها هذا الشريان.
أما النوع الثاني فهو السكتة الدماغية النزفية، وتحدث نتيجة تمزق أحد الأوعية الدموية وحدوث نزيف داخل المخ أو حوله.
والتمييز بين النوعين بالغ الأهمية؛ لأن لكل منهما مسارًا علاجيًا مختلفًا، ولذلك فإن التشخيص السريع باستخدام الأشعة المقطعية على المخ، وأحيانًا تصوير شرايين المخ والأشعات المتقدمة، يمثل خطوة أساسية قبل تحديد العلاج.

علامات لا ينبغي تجاهلها
قد تكون أعراض السكتة الدماغية واضحة، ولكن المشكلة أن بعض المرضى أو أسرهم ينتظرون اعتقادًا منهم أن الأعراض قد تختفي.
ومن أهم العلامات: حدوث ضعف أو تنميل مفاجئ في أحد جانبي الجسم، اعوجاج الوجه، ثقل أو اضطراب الكلام، صعوبة فهم الآخرين، فقدان مفاجئ للرؤية أو ازدواجها، اختلال التوازن أو صعوبة المشي، وقد يحدث صداع شديد ومفاجئ خاصة في بعض حالات النزيف.
عند ظهور هذه الأعراض، لا ينبغي الانتظار في المنزل أو تجربة علاجات غير متخصصة؛ فالدقائق الأولى لها قيمة حقيقية في الحفاظ على أنسجة المخ.
كيف تطور علاج الجلطة المخية؟
لفترة طويلة كانت الخيارات المتاحة لعلاج الجلطات المخية محدودة، لكن السنوات الأخيرة أحدثت تحولًا كبيرًا في مفهوم العلاج.
في الحالات المناسبة يمكن استخدام الأدوية المذيبة للجلطات عن طريق الوريد ضمن نافذة زمنية محددة وبعد التأكد من استيفاء المريض للمعايير الطبية اللازمة.
لكن هناك مشكلة أخرى أكثر تعقيدًا، وهي حدوث انسداد في أحد الشرايين الكبيرة المغذية للمخ بواسطة جلطة كبيرة.
وهنا أصبحت القسطرة المخية العلاجية وسحب الجلطات ميكانيكيًا من أهم التطورات في علاج السكتة الدماغية الحادة.
القسطرة المخية.. الوصول إلى الجلطة من داخل الشريان
تتميز القسطرة المخية بأنها تتيح الوصول إلى الشرايين داخل المخ دون الحاجة إلى فتح جراحي للجمجمة.
يدخل طبيب القسطرة إلى الجهاز الشرياني باستخدام قساطر وأدوات دقيقة يتم توجيهها تحت الأشعة حتى الوصول إلى الشريان المصاب.
وفي حالات انسداد الشرايين الكبيرة، يمكن استخدام أجهزة متخصصة لسحب الجلطة ميكانيكيًا، أو قساطر للشفط، أو الجمع بين التقنيتين وفق طبيعة الانسداد والحالة.
الهدف ليس مجرد إزالة جلطة من صورة الأشعة، وإنما إعادة تدفق الدم بأسرع ما يمكن إلى أنسجة المخ التي لا تزال قابلة للإنقاذ قبل أن تتحول إصابتها إلى تلف دائم.
وهذه هي النقطة التي أحدثت فارقًا جوهريًا في علاج السكتة الدماغية الحديثة.
هل يمكن إجراء القسطرة بعد مرور عدة ساعات؟
من التطورات المهمة أن اختيار المريض للقسطرة لم يعد يعتمد على الساعة وحدها.
فالوقت يظل عاملًا بالغ الأهمية، ولا يجوز تأخير العلاج، لكن الأشعات الحديثة أصبحت تساعدنا على معرفة ما حدث داخل أنسجة المخ نفسها: ما الجزء الذي أصيب بالفعل؟ وما مقدار الأنسجة التي لا تزال مهددة ولكنها قابلة للإنقاذ إذا استعدنا تدفق الدم؟
ولهذا يمكن في حالات مختارة بعناية إجراء سحب الجلطة بالقسطرة حتى بعد مرور ساعات من بداية الأعراض، وقد تمتد النافذة العلاجية لدى بعض المرضى المختارين إلى 24 ساعة وفق معايير سريرية وتصويرية دقيقة.
وهذا لا يعني مطلقًا أن المريض يستطيع الانتظار 24 ساعة؛ بل العكس تمامًا: كلما كان التدخل أسرع عند المريض المناسب، كان ذلك أفضل.
ليست كل جلطة مناسبة للقسطرة
من المهم أيضًا توضيح أن القسطرة المخية ليست علاجًا لكل حالات السكتة الدماغية.
فالقرار يعتمد على عدة عوامل، منها مكان وحجم الشريان المسدود، وشدة الأعراض، ووقت بدايتها، وحالة أنسجة المخ في الأشعة، وعمر المريض وحالته الصحية، بالإضافة إلى عوامل أخرى يقيّمها فريق السكتة الدماغية.
لذلك يحتاج علاج السكتة الدماغية إلى منظومة متكاملة تبدأ بالطوارئ والأشعة، وتمر بفريق المخ والأعصاب والقسطرة المخية والتخدير والرعاية المركزة، ثم تمتد بعد ذلك إلى التأهيل والوقاية من تكرار الجلطة.
والقسطرة المخية تتجاوز علاج الجلطات
تطور القسطرة المخية لم يقتصر على سحب الجلطات.
فالتدخلات العلاجية من داخل الأوعية الدموية أصبحت تُستخدم أيضًا في علاج عدد من أمراض الأوعية الدموية بالمخ، ومنها بعض حالات تمدد شرايين المخ، والتشوهات الشريانية الوريدية، والنواسير الوعائية وغيرها، وذلك باستخدام تقنيات وأجهزة مختلفة يحددها نوع المرض وتشريح الأوعية الدموية لكل مريض.
وهكذا أصبح بالإمكان علاج بعض الأمراض الوعائية المعقدة من داخل الأوعية نفسها باستخدام قساطر متناهية الدقة.
ماذا بعد إنقاذ المريض؟
فتح الشريان ليس نهاية العلاج.
بعد تجاوز المرحلة الحادة، تبدأ مرحلة البحث عن سبب السكتة الدماغية لمنع تكرارها. فقد يكون السبب ارتفاع ضغط الدم أو السكري أو اضطراب الدهون، أو التدخين، أو أمراض الشرايين، أو بعض أمراض القلب واضطرابات ضرباته وغيرها.
كما يمثل التأهيل المبكر جزءًا أساسيًا من العلاج، وقد يحتاج المريض إلى العلاج الطبيعي وتأهيل الحركة والتوازن، وعلاج اضطرابات النطق والبلع، وغيرها من برامج التأهيل وفق الوظائف التي تأثرت بالسكتة.
الرسالة الأهم: لا تضيع الوقت
لقد غيرت وسائل العلاج الحديثة والقسطرة المخية كثيرًا من إمكانات التعامل مع السكتة الدماغية، لكن التكنولوجيا مهما بلغت من التطور لا تستطيع استعادة الوقت الذي فُقد قبل وصول المريض إلى المستشفى.
لذلك فإن أهم خطوة يمكن أن يقوم بها المجتمع ليست معرفة أسماء الأجهزة أو تفاصيل إجراءات القسطرة، وإنما معرفة أعراض السكتة الدماغية والتصرف فور حدوثها.
عندما يظهر فجأة اعوجاج في الوجه، أو ضعف في ذراع أو ساق، أو اضطراب في الكلام أو الرؤية أو التوازن، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: «هل ننتظر قليلًا؟»
بل: كيف نصل إلى الرعاية الطبية المتخصصة بأسرع وقت؟
ففي السكتة الدماغية، قد تعني الدقائق التي نوفرها خلايا مخ نحافظ عليها، ووظائف نستطيع إنقاذها، ومستقبلًا مختلفًا تمامًا للمريض.


