الأحد، ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٦ في ٠٩:٥٢ م

صلاح توفيق يكتب : لماذا تُقحم أديس أبابا مصر في أزماتها؟

أزمات إثيوبيا لا تُصنع في القاهرة.. على حكومة آبي أحمد أن تنظر إلى الداخل

من السهل على أي حكومة تواجه أزمة داخلية معقدة أن تبحث عن خصم خارجي تحمّله مسؤولية ما يجري، لكن الأصعب هو مواجهة الأسباب الحقيقية للأزمة والإجابة عن الأسئلة التي يطرحها المواطنون في الداخل.

وهذا هو الاختبار الذي تواجهه حكومة رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد اليوم، بعدما اتهم رئيس أركان الجيش الإثيوبي برهانو جولا مصر والسودان بدعم تحالف جديد من الجماعات المسلحة يسعى إلى إسقاط الحكومة الإثيوبية. وفي التصريحات المنشورة حتى الآن لم تظهر أدلة علنية يمكن التحقق منها تثبت تورط القاهرة في تشكيل هذا التحالف أو تمويله. 

تحالف المعارضة وُلد من داخل الأزمة الإثيوبية

قبل توجيه أصابع الاتهام إلى الخارج، هناك حقيقة يصعب تجاهلها: سبع جماعات إثيوبية مسلحة، بعضها كان يقاتل بعضها الآخر قبل سنوات قليلة، أعلنت في 21 سبتمبر تشكيل «تحالف قوات الشعوب الإثيوبية من أجل البقاء» بهدف إزاحة حكومة آبي أحمد.

ويضم التحالف قوى من تيغراي وأمهرة وأوروميا ومناطق أخرى، ومن بينها جبهة تحرير شعب تيغراي وحركة فانو الوطنية وجيش تحرير أورومو. وهذه التنظيمات طرحت شكاوى مرتبطة بطريقة إدارة السلطة والصراعات الإقليمية والتهميش والأوضاع الأمنية والاقتصادية؛ وهي اتهامات ترفض الحكومة جوانب منها. 

وجود تحالف بهذا الاتساع لا يمكن اختزاله ببساطة في عبارة «مؤامرة خارجية».

حتى لو افترضنا وجود دعم خارجي لبعض الأطراف، وهو أمر يحتاج إلى أدلة مستقلة، فإن السؤال الأساسي سيظل قائماً: لماذا استطاعت قوى كانت بالأمس أعداء أن تجد اليوم سبباً مشتركاً لمواجهة الحكومة المركزية؟

هذا سؤال إثيوبي قبل أن يكون مصرياً.

الحرب تعود إلى تيغراي.. فمن المسؤول عن جذورها؟

الأحداث الأخيرة ليست خلافاً إعلامياً عابراً. فقد تجدد القتال بين القوات الفيدرالية وقوات تيغراي، وسط مخاوف من انهيار اتفاق السلام الذي أنهى حرب 2020-2022. كما أشارت تقارير حديثة إلى اشتباكات وضربات بطائرات مسيّرة وتصاعد جديد للتوتر في شمال البلاد. 

هذه المشكلات لم تبدأ مع تصريح مصري ولا مع أزمة سد النهضة.

إنها نتيجة صراع طويل على السلطة والفيدرالية والهوية والأقاليم وتوزيع النفوذ والموارد داخل إثيوبيا.

لذلك فإن تعليق الأزمة كلها على شماعة القاهرة لا يحل مشكلة تيغراي، ولا ينهي النزاع مع فانو، ولا يعالج الصراع مع جيش تحرير أورومو.

مصر تختلف مع إثيوبيا.. نعم، ولكن حول مياه النيل

لا يوجد سبب لإخفاء حقيقة أن القاهرة وأديس أبابا بينهما خلاف عميق بشأن سد النهضة.

لكن الخلاف حول نهر دولي مشترك شيء، والتدخل لإسقاط حكومة دولة أخرى شيء مختلف تماماً.

الموقف المصري المعلن يتمحور حول ضرورة وجود قواعد ملزمة لملء وتشغيل السد، وعدم الإضرار بحقوق دولتي المصب. وفي سبتمبر 2025 خاطبت مصر مجلس الأمن معتبرة أن التشغيل الأحادي يخالف التزامات إثيوبيا واتفاق إعلان المبادئ لعام 2015، بينما تتمسك إثيوبيا بأن بناء السدود واستخدام مواردها المائية حق سيادي وتنموي. 

إذن هناك خلاف قانوني وسياسي حقيقي، ويمكن مناقشة حجج الطرفين، لكنه لا يمثل في ذاته دليلاً على تدخل مصر في الصراع الداخلي الإثيوبي.

الدفاع عن الأمن المائي ليس مؤامرة على إثيوبيا

مصر دولة مصب تعتمد اعتماداً بالغاً على مياه النيل، وبالتالي فمن الطبيعي أن تتعامل مع المشروعات الكبرى على النهر باعتبارها قضية أمن قومي.

والقاهرة تقول إن اعتراضها ليس على التنمية أو بناء السدود من حيث المبدأ. ففي سبتمبر الجاري أعلنت موافقتها على مشروع سد في جنوب السودان بعدما خلصت مراجعات فنية إلى أن تأثيره محدود، وقدمت ذلك بوصفه مثالاً على قبول المشروعات التي تمر بالتشاور والتقييم الفني. 

هذا التفصيل مهم.

فإذا كانت مصر تقبل مشروعات مائية في دولة منبع أخرى عندما ترى أن الضمانات الفنية والقانونية متاحة، يصبح من الصعب اختزال موقفها من سد النهضة في رفض تنمية إثيوبيا بحد ذاتها.

سياسة مصر المعلنة تقوم على عدم التدخل

الالتزام بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول يظهر بصورة متكررة في الخطاب الدبلوماسي المصري.

وفي بيان مصري-صيني مشترك صدر في سبتمبر 2026 جرى التأكيد صراحة على مبادئ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهي مبادئ تظهر كذلك في مواقف القاهرة تجاه أزمات إقليمية أخرى. 

ومن ثم، فإن اتهام مصر بدعم جماعات داخل إثيوبيا يحتاج إلى أكثر من خطاب سياسي؛ يحتاج إلى أدلة قابلة للفحص.

الدول لا تُدان بالتلميحات.

آبي أحمد أمام مشكلة لا تستطيع القاهرة حلها له

المفارقة أن الحكومة الإثيوبية تمتلك أمامها ملفات داخلية ثقيلة بما يكفي لتفسير حالة الاضطراب من دون الحاجة إلى البحث عن القاهرة.

الحرب السابقة في تيغراي خلفت انقسامات عميقة، والعلاقة بين الحكومة وبعض القوى في أمهرة وأوروميا شهدت صراعات مسلحة، فيما عاد التوتر في تيغراي بقوة خلال سبتمبر 2026. ويصف مجلس العلاقات الخارجية الأميركي الوضع السياسي والأمني في إثيوبيا حالياً بأنه آخذ في التدهور. 

أما التحالف الجديد نفسه فليس كتلة متجانسة؛ فبعض مكوناته كانت تخوض حروباً ضد بعضها البعض، وتوجد بينها خلافات على الأرض والسلطة والحدود. 

كل ذلك يكشف أن الأزمة أكثر عمقاً بكثير من قصة «خصم خارجي».

اتهام القاهرة قد يخدم السياسة.. لكنه لا يعالج الأزمة

سياسياً، وجود عدو خارجي يمكن أن يكون وسيلة سهلة لحشد الجمهور وتحويل النقاش من أخطاء الداخل إلى خطر قادم من الخارج.

لكن هذه الاستراتيجية، إن استُخدمت، لا تعالج أسباب الصراع.

لن تنتهي أزمة تيغراي باتهام مصر.

ولن تختفي حركة فانو بسبب خلاف سد النهضة.

ولن تتوقف المطالب السياسية والأمنية في أوروميا لأن مسؤولاً إثيوبياً أشار إلى القاهرة.

المطلوب من أي حكومة تواجه هذا القدر من التوتر هو فتح قنوات سياسية وإعادة بناء الثقة بين مكونات الدولة، وليس توسيع دائرة الخصومات الإقليمية.

أزمة سد النهضة لا تمنح أديس أبابا حق قلب الأدوار

تنتقد إثيوبيا مصر بدورها، وتتهم القاهرة بمحاولة الحفاظ على ما تصفه بهيمنة تاريخية على مياه النيل. كما يقول مسؤولون إثيوبيون إن السد مشروع تنموي وسيادي وإنه لا يستهدف الشعب المصري. 

وهذا موقف من حق أديس أبابا الدفاع عنه.

لكن بالمقابل، لا يجوز تحويل اعتراض دولة مصب على إدارة نهر دولي مشترك إلى دليل تلقائي على أنها تدير تمرداً داخل إثيوبيا.

الخلاف في ملف المياه يجب أن يبقى في مكانه: التفاوض والقانون الدولي والتفاهم بين دول الحوض.

أما صراعات الداخل الإثيوبي فعلى الحكومة الإثيوبية التعامل معها باعتبارها مسؤوليتها الأولى.

على آبي أحمد أن ينظر إلى الداخل

المشكلة التي تواجه حكومة آبي أحمد ليست أن القاهرة تختلف معها في سد النهضة.

المشكلة أن عدة جبهات إثيوبية مختلفة وجدت نفسها، للمرة الأولى تقريباً، داخل تحالف واحد يعلن معارضته للحكومة المركزية.

وهنا ينبغي أن يبدأ السؤال.

كيف وصلت إثيوبيا إلى هذه النقطة؟ ولماذا عاد شبح الحرب بعد اتفاق 2022؟ ولماذا باتت جماعات كانت متقاتلة قادرة على الاجتماع تحت عنوان واحد؟

قد يكون من الأسهل سياسياً اتهام الخارج، لكن إدارة الدول لا تقوم على البحث الدائم عن شماعة.

مصر لها خلاف واضح مع إثيوبيا بشأن مياه النيل، ومن حق إثيوبيا أن ترفض الموقف المصري وتناقشه. لكن الأزمة الداخلية الإثيوبية لها جذور إثيوبية، ولا ينبغي أن تتحول القاهرة إلى إجابة جاهزة لكل سؤال لا ترغب حكومة آبي أحمد في مواجهته داخلياً.

وفي النهاية، أمن إثيوبيا واستقرارها مصلحة للمنطقة كلها، بما فيها مصر. لكن الاستقرار الحقيقي لن يأتي من صناعة خصوم في الخارج، وإنما من معالجة أسباب الصراع في الداخل وبناء تسوية سياسية قادرة على استيعاب التعدد الإثيوبي.

 

عاجل
منذ 2023 وحتى اليوم.. القصة الكاملة لـ3 كيلو ذهب و20 مليون جنيه في الإسكندرية * صلاح توفيق يكتب : لماذا تُقحم أديس أبابا مصر في أزماتها؟ * نيران صديقة وحوادث أسلحة ومركبات.. 82 قتيلًا إسرائيليًا خلال حرب غزة * الأمن يكشف تفاصيل فيديو سرقة حديد أعمدة الإنارة في الجيزة * مداهمة بؤرة شديدة الخطورة في الشيخ زايد.. مصرع 5 وضبط أسلحة نارية * بعد غياب محمد صلاح.. حسام حسن يدرس الدفع بحمزة عبدالكريم وبرشلونة يترقب * بالفيديو.. خفير يحطم مطعمًا في الإسماعيلية والأمن يكشف التفاصيل * صلاح والشناوي يشعلان الجدل حول حسام حسن.. أزمة جديدة تضرب منتخب مصر * أسعار الذهب اليوم الأحد 27 سبتمبر 2026 في منتصف التعاملات.. عيار 21 عند 6235 جنيهًا * هل تنجح خطة أمريكا لعزل إيران اقتصادياً؟ الطيران والبنوك في قلب حملة واشنطن * محمد الناشف مديراً للإعلام الرقمي في الرقة.. و قصة صورة الرؤوس المقطوعة * ابتزاز بصور خاصة يقود سورية إلى مأساة في بغداد.. والأمن يوقف مشتبه بهما * سعيد محمد أحمد يكتب : التيار .. والتلاعب بمستقبل أصحاب المهنة عبر بوابة النقابة * بث مباشر مباراة الإمارات والبحرين اليوم في خليجي 27.. الموعد والقنوات الناقلة * بث مباشر مباراة الأردن وسوريا اليوم.. الموعد والقنوات الناقلة * تعرف علي مباريات اليوم -- مواجهات قوية في دوري الأمم الأوروبية وخليجي 27 *