عاد مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديدالملف إلى واجهة النقاش العام بقوة، بعد تداول قرار منسوب لرئاسة مجلس مجلس الوزراء يتضمن إعادة النظر الشاملة في القانون القائم، وتشكيل لجنة فنية متخصصة لمراجعة مسودة القانون المعدل، قبل إحالتها إلى المؤسسات الدينية المختصة للتأكد من توافقها مع نصوص الشريعة الإسلامية ومقاصدها.
القرار المتداول لم يأتِ في فراغ، بل جاء بعد موجة واسعة من النقاشات والاعتراضات حول بعض مواد مشروع قانون الأسرة، خاصة ما يتعلق بالحضانة، الرؤية، الولاية التعليمية، حقوق الطفل، وحقوق طرفي العلاقة الزوجية، وهي ملفات شديدة الحساسية تمس ملايين الأسر المصرية بشكل مباشر.
قرار رئاسة مجلس الوزراء.. ماذا جاء في المستند المتداول؟
وفقًا للصورة المتداولة للقرار، جاء نص القرار في ثلاثة محاور رئيسية:
أولًا: إعادة النظر الشاملة في قانون الأحوال الشخصية القائم.
ثانيًا: تشكيل لجنة فنية متخصصة لتحويل مسودة القانون المعدل إلى كل من اللجنة الشرعية بالأزهر الشريف، ولجنة الفتوى بدار الإفتاء المصرية، وذلك لتقديره ومراجعته بما يتوافق مع نصوص الشريعة الإسلامية ومقاصدها.
ثالثًا: التوجيه بمراعاة حقوق الأسرة بشكل كامل، مع إيلاء اهتمام بالغ لمصلحة الطفل الفضلى لضمان نشأته في بيئة أسرية سوية وآمنة.
وتداولت مواقع محلية مضمونًا مشابهًا للمستند، مشيرة إلى أن القرار يتضمن إحالة المسودة للأزهر والإفتاء للمراجعة الشرعية، مع التأكيد على مصلحة الطفل والأسرة.

قرار مجلس الوزراء بشأن قانون الأسرة
لماذا أثار قانون الأحوال الشخصية كل هذا الجدل؟
قانون الأحوال الشخصية ليس مجرد نص قانوني عادي، بل هو أحد أكثر القوانين التصاقًا بالحياة اليومية للمصريين، لأنه ينظم العلاقات الأسرية منذ الخطبة والزواج وحتى الطلاق والحضانة والرؤية والنفقة والولاية التعليمية.
ولهذا، فإن أي تعديل في هذا القانون يثير بطبيعته موجات من القلق، لأن كل طرف يخشى أن تأتي الصياغة النهائية على حساب حقوقه أو حقوق أطفاله.
وكان مجلس الوزراء قد أعلن في أبريل 2026 موافقته على مشروع قانون الأسرة للمصريين، موضحًا أن المشروع يتناول أحكامًا تشمل الخطبة، الزواج، أسباب التطليق والبطلان، الحضانة، الرؤية، الاستزارة، الولاية التعليمية، النسب، المفقود، المواريث، وغيرها من الأحكام المرتبطة بالأسرة.
موقف الأزهر.. لم نشارك في الصياغة
أحد أهم أسباب تصاعد الجدل كان البيان التوضيحي الصادر عن الأزهر الشريف بشأن مشروع القانون، حيث أكد المركز الإعلامي للأزهر أن مشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد لم يُعرض بعد على الأزهر، وأن الأزهر لم يشارك في صياغته بأي شكل من الأشكال.
كما أوضح الأزهر أنه سبق أن قدم مقترحًا لقانون الأحوال الشخصية في أبريل 2019، من خلال لجنة من هيئة كبار العلماء والأساتذة المتخصصين، لكنه لا يعلم مدى توافق ذلك المقترح مع المشروع الحالي المتداول.
وهنا تبدو أهمية القرار المتداول؛ لأنه يعيد المؤسسة الدينية الرسمية إلى قلب عملية المراجعة، ويضع شرط التوافق مع الشريعة الإسلامية ومقاصدها في مقدمة المسار التشريعي.
هل القرار يعني إلغاء مشروع القانون؟
لا يعني القرار بالضرورة إلغاء مشروع القانون بالكامل، لكنه يعني أن المسودة الحالية قد تدخل مرحلة مراجعة أعمق، وربما تشهد تعديلات جوهرية قبل الوصول إلى الصياغة النهائية.
الفارق كبير بين إلغاء المشروع وبين إعادة النظر فيه. فالإلغاء يعني إسقاط المسار بالكامل، أما إعادة النظر فتعني فتح الباب أمام مراجعة المواد الخلافية، وتصحيح الصياغات، وضمان توافق القانون مع الدستور والشريعة ومصلحة الأسرة.
ومن هنا، يمكن قراءة القرار باعتباره محاولة لامتصاص الجدل المجتمعي والديني، وإعادة بناء الثقة في مسار التشريع قبل وصوله إلى صورته النهائية.
مصلحة الطفل الفضلى.. العبارة الأهم في القرار
اللافت في القرار المتداول أنه لم يكتفِ بالحديث عن الشريعة أو اللجنة الفنية، بل شدد على مراعاة حقوق الأسرة بشكل كامل، مع إيلاء اهتمام بالغ لمصلحة الطفل الفضلى.
هذه العبارة تحمل دلالة مهمة؛ لأن أغلب الخلافات في قانون الأحوال الشخصية تدور حول الطفل: أين يعيش؟ من له حق الحضانة؟ كيف تتم الرؤية؟ ما حدود الاستضافة؟ من يملك الولاية التعليمية؟ وكيف تُحفظ علاقة الطفل بأبيه وأمه دون تحويله إلى أداة صراع؟
وبالتالي، فإن وضع مصلحة الطفل في قلب المراجعة يعني أن القانون الجديد يجب ألا ينحاز إلى طرف ضد آخر، بل إلى بيئة أسرية أكثر أمانًا واستقرارًا.
الأزهر والإفتاء.. مراجعة شرعية قبل الحسم
إحالة المسودة إلى اللجنة الشرعية بالأزهر الشريف ولجنة الفتوى بدار الإفتاء المصرية تعني أن المشروع لن يمر فقط عبر بوابة الصياغة القانونية، بل عبر بوابة المراجعة الشرعية أيضًا.
وهذا المسار مهم في قوانين الأسرة تحديدًا، لأن كثيرًا من أحكام الأحوال الشخصية تستند إلى مسائل فقهية دقيقة، لا يمكن التعامل معها فقط بمنطق إداري أو اجتماعي، بل تحتاج إلى موازنة بين النصوص الشرعية، والمقاصد العامة، ومتغيرات الواقع المصري.
بين القانون والمجتمع.. اختبار ثقة جديد
الشارع المصري ينتظر قانونًا عادلًا لا يزيد الأزمات تعقيدًا، ولا يحول الانفصال بين الزوجين إلى حرب مفتوحة يدفع الأطفال ثمنها.
لذلك، فإن أي مراجعة جديدة يجب أن تراعي عدة نقاط أساسية: حماية حق الطفل في رعاية مستقرة، ضمان حق الأم في الحضانة دون تعسف، حفظ حق الأب في التواصل الحقيقي مع أبنائه، تنظيم النفقة والرؤية والاستضافة بآليات واضحة، ومنع استغلال القانون في الانتقام أو الضغط بين الأطراف.
محطة مهمة في واحد من أكثر الملفات الاجتماعية حساسية
القرار المتداول بشأن إعادة النظر الشاملة في قانون الأحوال الشخصية يمثل ممحطة مهمة في واحد من أكثر الملفات الاجتماعية حساسية في مصر. فبعد الجدل الواسع حول مشروع قانون الأسرة، يبدو أن الدولة تتجه إلى مراجعة أعمق تشمل المؤسسات الدينية والفنية، بهدف الوصول إلى صياغة أكثر توازنًا.
وبين الأزهر والإفتاء والحكومة والمجتمع، يبقى التحدي الأكبر هو إصدار قانون يحمي الأسرة لا يمزقها، وينصف الطفل لا يستخدمه كسلاح في النزاعات، ويعيد بناء الثقة في منظومة الأحوال الشخصية بعد سنوات طويلة من الشكاوى والانتظار.


