من مياه النيل التي تمثل شريان الحياة لمصر والسودان، إلى سماء السعودية التي تخترقها صواريخ الحوثيين، ومن أنقاض غزة التي لم يتوقف فيها سقوط الضحايا رغم اتفاق وقف إطلاق النار، إلى بساتين الزيتون الفلسطينية التي أصبحت عرضة لاعتداءات المستوطنين، تتكرر أمامنا صورة سياسية تستحق التوقف والتأمل.
إنها صورة منطقة تعيش بين الحروب والتهديدات والوساطات وصفقات السلام، بينما تتحدث القوى الكبرى عن الاستقرار وحماية الشعوب، وتبحث في الوقت نفسه عن المكاسب الاستراتيجية التي يمكن تحقيقها من قلب الأزمات.
وهنا يفرض السؤال نفسه: هل تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل حقًا إلى إنهاء أزمات الشرق الأوسط والقرن الأفريقي، أم أن استمرار بعض هذه الأزمات يمنحهما أوراق ضغط لا تتوافر في أوقات الاستقرار؟
ليس السؤال اتهامًا يكتفي بالظنون، ولا يجوز أن تكون الإجابة عليه قائمة على جمع أحداث متباعدة وافتراض وجود مؤامرة واحدة تديرها غرفة مغلقة.
لكن الوقائع تفتح الباب أمام قراءة نقدية عميقة لطبيعة السياسة الدولية، حين تصبح حاجة الدول إلى الأمن والمياه والغذاء والحماية جزءًا من عملية تفاوض على النفوذ والتحالفات والقرارات السياسية.
فهل أصبحت صناعة الحلول أقل أهمية من الاحتفاظ بالقدرة على التحكم في الأزمات؟
سد النهضة.. عندما تتحول مياه النيل إلى ورقة في لعبة النفوذ
لنبدأ من القضية التي تمس الوجود المصري والسوداني مباشرة: سد النهضة الإثيوبي.
في أكتوبر 2026، عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إثارة الجدل عندما قال إن الولايات المتحدة مولت بناء السد، واصفًا ذلك بالقرار الغبي، ومشيرًا إلى الأضرار التي يعتقد أن المشروع يسببها لمصر.
وليس هذا أول تصريح لترامب يتحدث فيه عن التمويل الأمريكي للسد، أو ينتقد الطريقة التي أدارت بها الإدارات الأمريكية هذا الملف.
لكن الحقيقة التي يجب ألا تضيع وسط الجدل أن إثيوبيا تنفي تلقي تمويل أمريكي مباشر لبناء السد، وتؤكد أن المشروع اعتمد على الموارد الوطنية ومساهمات المواطنين والسندات.
ولم تقدم التصريحات الأمريكية المتداولة، حتى الآن، أدلة مالية منشورة تحسم هذا الخلاف.
السؤال الأخطر.. لماذا بقيت أزمة المياه دون تسوية؟
الأكثر أهمية من الجدل حول التمويل هو الدور السياسي الذي لعبته واشنطن في أزمة سد النهضة.
فقد استضافت الولايات المتحدة مفاوضات بين مصر وإثيوبيا والسودان خلال الولاية الأولى لترامب، وشاركت وزارة الخزانة الأمريكية والبنك الدولي في جهود إعداد اتفاق بشأن ملء السد وتشغيله.
لكن هذه الجهود لم تفض إلى اتفاق ملزم تقبله الأطراف الثلاثة.
وبعد سنوات من المفاوضات والخلافات، استمر النزاع حول قواعد التشغيل والتعامل مع فترات الجفاف والضمانات المرتبطة بالمصالح المائية لدولتي المصب.
ومن هنا تبرز إشكالية أوسع: كيف تستطيع قوة دولية أن تقدم نفسها وسيطًا يسعى إلى الحل، ثم تبقى القضية نفسها مفتوحة على احتمالات التصعيد سنوات طويلة؟
وقد يكون السبب تعارض مصالح الدول الثلاث وفشل التفاوض، وليس وجود رغبة أمريكية متعمدة في استمرار الأزمة.
لكن بقاء الملف دون حل يمنح القوى الخارجية دورًا مستمرًا في إدارة التوازنات بين دول حوض النيل، ويجعل الحاجة إلى الوساطة جزءًا من المشهد السياسي.
القرن الأفريقي.. من يملك المياه يملك أوراق الضغط
لا يمكن فصل سد النهضة عن الصراعات الأوسع في القرن الأفريقي.
فهذه المنطقة تضم ممرات مائية وتجارية شديدة الأهمية، وتعيش فيها دول تواجه أزمات داخلية وتنافسًا على النفوذ ومشروعات التنمية والموارد.
وتحتاج إثيوبيا إلى الطاقة والتنمية، بينما تتمسك مصر والسودان بحقوقهما المائية وبضمان عدم تعرضهما لضرر جسيم من تشغيل السد.
وهذه مصالح لا يستحيل التوفيق بينها من حيث المبدأ، لكنها تحتاج إلى اتفاقات واضحة وتبادل للمعلومات وقواعد قابلة للتنفيذ.
أما تحويل الخلاف إلى صراع دائم، فيجعل الأمن المائي ورقة في الحسابات الاستراتيجية بدلًا من أن يكون حقًا إنسانيًا ومصلحة تنموية مشتركة.
والدولة التي يصبح أمنها المائي معلقًا بمفاوضات لا تنتهي، تصبح أكثر تعرضًا للضغوط السياسية، حتى دون إطلاق رصاصة واحدة.
اليمن.. واشنطن تتحدث مع الحوثيين والسعودية تواجه صواريخهم
ننتقل من مياه النيل إلى سماء اليمن والسعودية، حيث تظهر مفارقة أخرى أكثر وضوحًا.
ففي سبتمبر 2026، كشفت وكالة رويترز عن لقاءات غير معلنة عقدها مسؤولون أمريكيون مع ممثلين عن جماعة الحوثيين في سلطنة عمان.
وجاءت اللقاءات في ظل تصعيد عسكري جديد في اليمن وتقدم الحوثيين في مناطق استراتيجية على ساحل البحر الأحمر.
ووفق المعلومات المنشورة، ركزت الاتصالات على تجنب استهداف المصالح والسفن الأمريكية، والحفاظ على ترتيبات عدم التصعيد المباشر بين واشنطن والجماعة.
وفي الوقت نفسه، كانت السعودية تواجه التهديد المتزايد من الصواريخ والطائرات المسيّرة الحوثية، قبل أن تتعرض منشآت حيوية داخل المملكة لهجمات دامية.
لماذا تتفاوض أمريكا مع من يهاجم حليفها؟
هنا تظهر مفارقة سياسية تحتاج إلى تفسير.
فالولايات المتحدة تنظر إلى الحوثيين باعتبارهم جماعة مدعومة من إيران وتشكل تهديدًا للملاحة الإقليمية، لكنها تستطيع التواصل معهم لحماية مصالحها المباشرة.
وفي المقابل، تواجه السعودية كلفة عسكرية واقتصادية متزايدة نتيجة استمرار الصراع.
ولا يعني التفاوض الأمريكي مع الحوثيين أن واشنطن تدعم هجماتهم، فالتفاوض مع الخصوم قد يكون وسيلة مشروعة لوقف القتال وحماية الأرواح.
لكن السؤال يتعلق بأهداف هذا التفاوض وحدوده.
هل تستهدف واشنطن تسوية شاملة تنهي التهديد على اليمنيين والسعوديين والملاحة الدولية، أم أنها تكتفي بترتيبات تضمن سلامة مصالحها وتترك بقية الصراع مفتوحة؟
هنا يكمن الفرق بين إدارة الأزمة وحلها: أن تحمي مصالحك من الحرب شيء، وأن تعمل على إنهاء الحرب عن الجميع شيء آخر.

إسرائيل تعرض حماية السعودية.. وترامب يعيد التطبيع إلى الطاولة
بعد أسابيع من الاتصالات الأمريكية مع الحوثيين، جاءت تصريحات ترامب مساء الجمعة 16 أكتوبر لتضيف بعدًا جديدًا إلى المشهد.
فقد دعا الرئيس الأمريكي السعودية إلى النظر في قبول المساعدة التي عرضتها إسرائيل لمواجهة الحوثيين، معربًا عن اعتقاده بأن الرياض ستقبل ذلك.
ولم يتوقف الحديث عند التعاون الدفاعي، بل انتقل مباشرة إلى ملف اتفاقيات إبراهيم، حيث اعتبر ترامب أن انضمام السعودية إليها أصبح مطروحًا بقوة من جديد.
وهنا يصبح التسلسل السياسي لافتًا.
السعودية تواجه خطرًا عسكريًا يهدد منشآتها وأمنها الاقتصادي، وإسرائيل تعرض المساعدة، والولايات المتحدة تربط النقاش السياسي بإمكانية توسيع اتفاقيات التطبيع.
هل أصبحت الحماية مقابل التطبيع؟
لا توجد معلومات مؤكدة تثبت أن واشنطن اشترطت تقديم الحماية العسكرية للسعودية مقابل التطبيع مع إسرائيل.
لكن تزامن عرض المساعدة مع إعادة الحديث عن اتفاقيات إبراهيم يفتح الباب أمام تحليل طبيعة المصالح المتداخلة.
فإسرائيل تسعى إلى توسيع الاعتراف الإقليمي بها، والولايات المتحدة تبحث عن إنجاز دبلوماسي جديد، بينما تحتاج السعودية إلى حماية أمنها ومشروعاتها الاقتصادية.
وفي مثل هذه الظروف، قد تتحول الحاجة الأمنية إلى ورقة تفاوض تمنح الأطراف التي تعرض المساعدة نفوذًا إضافيًا.
وهذا لا يعني أن الرياض بلا خيارات، أو أنها مضطرة لقبول ترتيبات لا تتوافق مع مصالحها.
لكن التجربة تفرض السؤال: هل الهدف إنهاء التهديد الحوثي، أم تحويل هذا التهديد إلى فرصة لإعادة هندسة التحالفات الإقليمية؟
المستفيد من الحرب ليس بالضرورة من أشعلها
علينا هنا أن نفرق بين المسؤولية عن اندلاع الصراع وبين الاستفادة السياسية من نتائجه.
فالحوثيون مسؤولون عن الهجمات التي ينفذونها، ولا يمكن إعفاء الجماعة أو داعميها من مسؤولية التصعيد لمجرد انتقاد السياسة الأمريكية والإسرائيلية.
لكن القوى الكبرى تستطيع استغلال الأزمات التي لم تنشئها أصلًا لتحقيق مصالحها.
فليس ضروريًا أن تكون قد صنعت الحريق حتى تستفيد من حاجة الآخرين إلى من يطفئه.
وقد يكون هذا أحد أخطر أوجه السياسة الدولية الحديثة: تحويل الخوف إلى طلب للحماية، والحماية إلى علاقة اعتماد، والاعتماد إلى نفوذ سياسي.
غزة.. عندما يصبح السلام عنوانًا لا يوقف الموت
في غزة تتجلى المفارقة الإنسانية بصورة أكثر إيلامًا.
فقد دخل اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، وساهم في خفض مستوى العمليات العسكرية الكبرى وفتح مجال لتوسيع بعض المساعدات الإنسانية.
لكن الاتفاق لم يحقق سلامًا شاملًا أو حماية دائمة للمدنيين.
فقد استمرت الضربات وإطلاق النار وسقوط الضحايا، بينما ظلت أجزاء واسعة من القطاع مدمرة، واستمرت أزمة النزوح والغذاء والعلاج.
وفي 16 أكتوبر 2026، أعلنت الأمم المتحدة أن أكثر من 340 طفلًا قُتلوا منذ إعلان وقف إطلاق النار، وفق الأرقام التي عرضتها منظمة اليونيسف.

أي سلام هذا الذي يستمر فيه سقوط الأطفال؟
هنا لا يصبح السؤال متعلقًا بنجاح الوساطة في إيقاف معركة محددة فقط، بل بمعنى السلام ذاته.
هل يكفي توقيع اتفاق وتصوير مراسمه بينما يستمر المدنيون في مواجهة الموت والخوف والجوع؟
وهل يمكن اعتبار اتفاق السلام ناجحًا إذا لم يضمن حماية الناس وعودة الحياة الطبيعية واستمرار وصول الغذاء والدواء؟
من الإنصاف القول إن الهدنة خففت بعض أوجه الكارثة، لكنها لم تنهها.
ومن الإنصاف أيضًا الاعتراف بأن إسرائيل تقول إنها تنفذ بعض عملياتها ردًا على تهديدات أو خروقات من مسلحين، بينما تتهمها الأطراف الفلسطينية بانتهاك الاتفاق وتقويضه.
لكن مهما تعددت التفسيرات، تبقى حماية المدنيين التزامًا لا يسقط بسبب الخلاف السياسي أو العسكري.
فالسلام الذي لا يوقف موت الأطفال يظل سلامًا ناقصًا، مهما بلغ حجم الاحتفال بإعلانه.
من سلام غزة إلى سرقة الزيتون.. تناقضات الخطاب والممارسة
في اليوم نفسه الذي تتحدث فيه واشنطن عن فرص السلام والتطبيع، شهدت الضفة الغربية واقعة تكشف جانبًا آخر من الأزمة.
فقد أصدر الحاخام الإسرائيلي دوف ليئور، أحد رموز التيار الديني القومي المتشدد، فتوى أجاز فيها للمستوطنين قطف الزيتون من الأراضي الفلسطينية.
وبرر ذلك بادعاءات دينية تتعلق بملكية الأرض، معتبرًا الاستيلاء على المحصول وسيلة لإظهار تلك الملكية.
وجاءت الفتوى خلال موسم يشهد اعتداءات متكررة على المزارعين الفلسطينيين، بينها مهاجمة أصحاب البساتين وإتلاف الأشجار والممتلكات.
حين تتحول ملكية الأرض إلى قضية دينية
تكمن خطورة هذه الفتوى في محاولة توظيف التفسير الديني لتبرير أخذ محصول يملكه آخرون.
فالزيتون بالنسبة للمزارع الفلسطيني ليس مجرد سلعة تباع في الأسواق، بل هو مصدر رزق وامتداد تاريخي لعلاقته بأرضه.
وعندما يُمنع صاحب الأرض من الوصول إلى بستانه ثم يأتي من يدعي أن عدم وصوله يعني التخلي عن محصوله، تصبح المعادلة مقلوبة على نحو خطير.
لكن من المهم التأكيد أن هذه الفتوى لم تحظ بإجماع الحاخامات الإسرائيليين.
فقد رفضتها منظمة تسوهار الحاخامية وحاخامات آخرون، مؤكدين أن السرقة محرمة من أي إنسان، وأن الاستيلاء على ممتلكات الآخرين لا تبرره الادعاءات الأمنية.
وهذا التباين يكشف ضرورة الفصل بين الممارسات الاستيطانية المتطرفة وبين اليهودية كديانة أو اليهود باعتبارهم جماعة بشرية.
هل يمكن بناء السلام بينما يستمر الاستيلاء على الأرض؟
هذا هو التناقض السياسي الذي يستحق النقاش.
فالتطبيع بين الحكومات قد يفتح السفارات والأسواق ومجالات التعاون، لكنه لا يستطيع بمفرده إنهاء الشعور بالظلم لدى شعب يرى أرضه ومحاصيله وحقوقه معرضة للانتهاك.
ولا يمكن فصل الأمن الإسرائيلي طويل الأمد عن حقوق الفلسطينيين وكرامتهم.
فإسرائيل تحتاج إلى حماية سكانها من الهجمات، مثلما يحتاج الفلسطينيون إلى الحماية من القتل والتهجير والاعتداءات والاستيلاء على الممتلكات.
ومن دون معالجة أسباب الصراع، قد تتحول اتفاقيات السلام إلى ترتيبات سياسية فوق أرض ما زالت تنتج الغضب والخوف.
السودان والقرن الأفريقي.. عندما تتحول الثروات إلى وقود للحرب
ولا تكتمل قراءة المشهد الإقليمي دون التوقف عند السودان، الذي يعيش منذ أبريل 2023 واحدة من أشد الأزمات الإنسانية في العالم.
فقد خلف الصراع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع أعدادًا هائلة من القتلى والنازحين، وأدى إلى تدمير واسع في قطاعات الاقتصاد والخدمات والبنية التحتية.
وتكشف الأزمة السودانية كيف يمكن أن تتحول الموارد والثروات وشبكات التمويل والتدخلات الخارجية إلى عوامل تطيل عمر الصراع بدلًا من إنهائه.
لكن لا توجد أدلة كافية لوصف الحرب السودانية بأنها جزء من خطة أمريكية إسرائيلية واحدة تشمل سد النهضة واليمن وغزة.
والأكثر دقة أن ننظر إلى شبكة المصالح المتنافسة في القرن الأفريقي، حيث تتداخل قضايا المياه والذهب والموانئ والحدود والممرات البحرية.
لماذا يهم استقرار السودان مصر والمنطقة؟
يمثل السودان عمقًا جغرافيًا واستراتيجيًا لمصر، كما يمثل استقراره ضرورة لأمن البحر الأحمر وحوض النيل والقرن الأفريقي.
وأي استمرار للحرب يوسع نطاق النزوح ويزيد المخاطر الاقتصادية والأمنية على الدول المجاورة.
كما أن ضعف المؤسسات الوطنية يفتح المجال أمام شبكات السلاح والتهريب واستغلال الموارد.
ومن هنا فإن دعم وحدة السودان واستعادة مؤسساته وحماية المدنيين ليس مجرد واجب إنساني، بل ضرورة للاستقرار الإقليمي.
فالدول الضعيفة تصبح أكثر احتياجًا إلى الخارج، وكلما زاد اعتمادها عليه تقلصت قدرتها على اتخاذ القرار بحرية.
هل أصبحت الفوضى أداة من أدوات السياسة الدولية؟
قد يبدو مفهوم إدارة الفوضى توصيفًا حادًا، لكنه يستحق التفكيك بعيدًا عن الشعارات.
ففي السياسة الدولية توجد مصالح واضحة يمكن تحقيقها من خلال استمرار بعض الأزمات، حتى دون وجود خطة مسبقة لإشعالها.
تستطيع قوة كبرى أن تفرض عقوبات، ثم تعرض التفاوض لتخفيفها.
ويمكن لدولة أن تواجه تهديدًا عسكريًا، فتحتاج إلى مزيد من السلاح أو الضمانات الأمنية.
وقد يؤدي استمرار نزاع إقليمي إلى دفع دول متخاصمة نحو ترتيبات وتحالفات لم تكن تقبلها في ظروف أخرى.
وفي هذه الحالات تتحول الأزمة من مشكلة تحتاج إلى حل إلى عنصر يدخل في حسابات النفوذ.
من يصنع الأزمة ومن يستفيد من استمرارها؟
ليس كل مستفيد من الأزمة مسؤولًا عن نشأتها، وليس كل وسيط يسعى إلى مكسب سياسي متآمرًا بالضرورة على أطراف النزاع.
لكن معيار الحكم الحقيقي يجب أن يكون نتائج السياسات.
هل انخفض عدد الضحايا؟ هل انتهى الحصار؟ هل عادت الحقوق إلى أصحابها؟ هل أصبحت الدول أكثر أمنًا واستقلالًا؟ وهل تراجعت الحاجة إلى التدخل العسكري الخارجي؟
إذا ظلت الإجابات سلبية، فمن المشروع أن نخضع تلك السياسات لنقد صارم، وأن نتساءل عما إذا كانت قد فشلت في تحقيق السلام أو اكتفت بإدارة الصراع.
فالفرق بين صانع السلام ومدير الأزمة لا يظهر في عدد الاتفاقيات التي يوقعها، بل في مقدار الخوف والدمار الذي ينجح في إنهائه.
ماذا تريد واشنطن وتل أبيب من الشرق الأوسط والقرن الأفريقي؟
تمتلك الولايات المتحدة مصالح استراتيجية معلنة في حماية الملاحة والتجارة والطاقة وحلفائها، ومنع توسع نفوذ خصومها، والحفاظ على قدراتها العسكرية والدبلوماسية في المنطقة.
أما إسرائيل فترى في مواجهة إيران والجماعات المسلحة المرتبطة بها، وتوسيع علاقاتها مع الدول العربية، أهدافًا أساسية في استراتيجيتها الأمنية والسياسية.
وهذه الأهداف ليست متطابقة في جميع الملفات، لكنها تتقاطع في قضايا عديدة.
ومن خلال هذا التقاطع يمكن فهم أهمية اتفاقيات إبراهيم، وترتيبات الدفاع الإقليمي، والمواقف المشتركة تجاه إيران والحوثيين.
غير أن المشكلة تبدأ عندما تصبح المصالح الأمنية لهذه الدول مقدمة على الحقوق الأساسية لشعوب المنطقة، أو عندما تتحول حماية طرف إلى تجاهل لمعاناة طرف آخر.
هل تريد القوى الكبرى شرق أوسط قويًا أم شرق أوسط يحتاج إليها باستمرار؟
هذا السؤال يتجاوز المواقف المعلنة.
فالشرق الأوسط الذي يمتلك دولًا مستقرة واقتصادات قوية ومؤسسات قادرة على حل خلافاتها سيكون أكثر استقلالًا في قراراته.
أما المنطقة التي تتوالى فيها الحروب وتضعف فيها المؤسسات، فستظل بحاجة إلى السلاح والوساطة والتمويل والحماية.
وهنا تنشأ مفارقة في علاقة القوى الكبرى بالمنطقة: فقد يكون من مصلحتها منع الانهيار الشامل الذي يهدد التجارة والطاقة، لكنها قد تستفيد أيضًا من استمرار اعتماد الدول عليها أمنيًا وسياسيًا.
وهي معادلة لا تعني بالضرورة وجود رغبة موحدة في إشعال الفوضى، لكنها تفسر لماذا لا تتطابق دائمًا مصالح القوى الكبرى مع مصالح شعوب المنطقة.
وهل تستطيع إسرائيل أن تنعم بالأمان وسط كل هذه الحروب؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأهم في المشهد كله.
هل يمكن لدولة أن تحقق أمنًا دائمًا بالتفوق العسكري وحده، أو بتوسيع التحالفات الدفاعية بينما تبقى أسباب الصراع الأساسية دون معالجة؟
قد تمنح الصواريخ الاعتراضية والأسلحة المتطورة قدرات كبيرة على مواجهة الأخطار، لكنها لا تستطيع وحدها إزالة مشاعر الخوف والعداء المتراكمة.
وقد تحقق العمليات العسكرية نتائج تكتيكية، لكنها لا تضمن استقرارًا سياسيًا مستدامًا.
وحتى الاتفاقيات الدبلوماسية مع الحكومات لا تعالج بالضرورة قضايا الشعوب التي ما زالت تطالب بحقوقها.
إن أمن الإسرائيليين والفلسطينيين لا ينبغي أن يكون مسألة يربحها طرف بخسارة الطرف الآخر.
فالمدني الإسرائيلي الذي يخشى الصواريخ والمدني الفلسطيني الذي يخشى القصف والتهجير كلاهما يحتاج إلى حماية حقيقية.
والاختلاف في المسؤوليات السياسية والعسكرية لا يلغي هذه الحقيقة الإنسانية.
الأمن الذي يعتمد على استمرار إخضاع الآخرين أو حرمانهم من حقوقهم يظل أمنًا هشًا، حتى لو امتلك أصحابه أقوى الجيوش.

إن الله لا يحب المفسدين.. حين تصبح الأخلاق معيارًا للسياسة
تقول الآية الكريمة: «وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ».
ويمكن استحضار هذا المعنى بوصفه معيارًا أخلاقيًا يتجاوز الانتماءات الدينية والقومية والسياسية.
فالإفساد في حياة البشر لا يقتصر على تدمير المباني وإشعال الحروب، بل يشمل الظلم وإهدار الحقوق وتعريض الأبرياء للخطر وحرمان الناس من مقومات الحياة.
وعندما تصبح المياه أداة ضغط، والغذاء وسيلة للابتزاز، والحماية العسكرية مدخلًا لفرض التبعية، فإن السياسة تفقد جانبًا أساسيًا من مشروعيتها الأخلاقية.
ولا ينبغي أن يتحول هذا المعيار إلى حكم جماعي على شعب أو أتباع ديانة، بل يجب أن يوجه إلى الأفعال والسياسات والأطراف المسؤولة عنها.
فالعدل لا يتجزأ، والحق في الحياة والأمن لا يختلف باختلاف جنسية الضحية أو معتقدها.
السلام الحقيقي ليس صفقة تجارية
إن أسوأ ما يمكن أن يحدث للسياسة الدولية هو أن تتحول الحروب إلى فرص استثمارية، وأن يصبح وقف القتال مشروطًا بما يمكن تحقيقه من مكاسب لا علاقة لها بحقوق الضحايا.
فالشعوب لا تحتاج إلى اتفاقيات تحمل أسماء براقة بقدر حاجتها إلى نتائج ملموسة.
تحتاج مصر والسودان وإثيوبيا إلى قواعد عادلة لإدارة مياه النيل.
ويحتاج اليمن إلى تسوية تحفظ وحدة البلاد وتمنع استهداف المدنيين.
وتحتاج السعودية إلى أمن لا يجعل منشآتها ومواطنيها رهائن للهجمات.
ويحتاج الفلسطينيون إلى حماية وحقوق وطنية وإنسانية فعلية، مثلما يحتاج الإسرائيليون إلى حياة آمنة بعيدًا عن الهجمات والحروب.
ويحتاج السودان إلى إنهاء القتال واستعادة الدولة وحماية ثرواته من الاستغلال.
أما القوى الكبرى، فإن صدق ادعائها بالسعي إلى السلام يجب أن يقاس بما تحققه من هذه الأهداف، لا بما تحصل عليه من اتفاقيات أو نفوذ.
من يطفئ الحرائق ومن يستفيد من بقائها؟
عندما ننظر إلى سد النهضة، والاتصالات الأمريكية مع الحوثيين، وعرض المساعدة الإسرائيلية للسعودية، واتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وفتوى الاستيلاء على الزيتون الفلسطيني، نجد وقائع مختلفة في أسبابها وأطرافها، لكنها تفتح سؤالًا مشتركًا عن العلاقة بين القوة والمصلحة والعدالة.
لا نملك دليلًا على أن هذه الوقائع جميعًا تنتمي إلى مؤامرة مركزية واحدة تديرها واشنطن وتل أبيب.
لكننا نملك ما يكفي لطرح أسئلة جادة بشأن تناقض الخطاب السياسي مع النتائج على الأرض، وبشأن قدرة القوى الكبرى على تحقيق المكاسب من أزمات لم تنجح في إنهائها.
وفي تقديري، تكمن خطورة هذه المرحلة في احتمال أن يتحول استمرار الصراعات إلى حالة مألوفة، تتعايش معها السياسة الدولية ما دامت المصالح الأساسية للقوى النافذة محمية.
وهنا يصبح السلام الحقيقي أكثر من مجرد غياب مؤقت للمعارك؛ إنه إنهاء الأسباب التي تعيد إنتاجها.
فلا استقرار دائمًا في شرق أوسط تُترك شعوبه تحت التهديد، ولا أمن حقيقيًا لإسرائيل بمعزل عن حقوق الفلسطينيين، ولا تنمية مستقرة لدول المنطقة إذا بقيت حروبها ومياهها وحدودها رهائن لمعادلات الضغط الخارجي.
إن القوة التي تحمي مصالحها على حساب حقوق الآخرين قد تحقق مكاسب مؤقتة، لكنها لا تستطيع شراء الاستقرار إلى الأبد.
ويبقى السؤال الذي يجب أن يوجه إلى كل من يتحدث باسم السلام:
إذا كنتم تريدون إنهاء الحروب فعلًا، فلماذا يستمر سقوط الضحايا، ولماذا تتسع الأزمات، ولماذا تحتاج شعوب المنطقة في كل مرة إلى مزيد من الحماية ممن يعدونها بالأمان؟
فالسلام الذي يضمن النفوذ ولا يضمن حياة الإنسان، ليس هو السلام الذي تحتاج إليه شعوب الأرض.






