الجمعة، ١٦ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٦:٢٩ م

صعاليك الفيس بوك وتجار الفتنة.. كيف تحولت أزمة الدهابة إلى معركة بين الأشقاء؟

هناك نوع من البشر أصبح يمثل خطرًا حقيقيًا على المجتمعات، لا يحمل سلاحًا، ولا يعرف شيئًا عن ميادين القتال، لكنه يجلس خلف شاشة هاتفه، يوزع الاتهامات، وينشر الأكاذيب والشائعات، ويشعل الغضب بين الشعوب، وكأنه يدير حربًا إلكترونية لا يدفع ثمنها أحد.

هؤلاء هم من أسميهم «صعاليك الفيس بوك»، الذين تحول بعضهم إلى أبواق للتحريض، يشاركون كل ما يصل إليهم دون محاولة للتحقق، ويتعاملون مع مصائر الدول والشعوب بخفة لا تليق حتى بخلاف عابر بين شخصين.

والأخطر أن بعض من يمنحون أنفسهم لقب «ناشط» يتصورون أن الوطنية تقاس بحدة الشتائم، وأن الدفاع عن الشعوب لا يكون إلا بالصراخ وإعلان العداء، دون أن يسأل أحدهم نفسه: ماذا لو تحولت هذه الكلمات إلى رصاص؟ ومن الذي سيدفع الثمن؟

إنهم يعلنون الحرب من غرفهم الآمنة، بينما من سيموت في الحرب ليس واحدًا منهم بالضرورة.

أزمة الدهابة.. عندما تتحول المأساة إلى وقود للفتنة

جاءت أزمة «الدهابة»، المرتبطة بحادث استهداف منقبين عن الذهب قرب الحدود المصرية السودانية في أكتوبر 2026، لتكشف جانبًا خطيرًا من هذه الظاهرة.

لقد سقط ضحايا، وتضاربت الروايات بشأن موقع الحادث والجهة المسؤولة عنه، وظهرت مطالب مشروعة بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين.

وهنا يجب أن نكون واضحين: دماء الضحايا ليست مادة للمزايدة السياسية، وغضب أسرهم وأبناء وطنهم ليس تهمة، ومن حق السودانيين معرفة الحقيقة كاملة.

لكن ما شهدته بعض صفحات التواصل الاجتماعي من تصعيد وتحريض ضد مصر تجاوز في أحيان كثيرة حدود المطالبة بالحقيقة، وتحول إلى خطاب عدائي يستهدف العلاقة بين شعبين تجمعهما روابط أعمق من أزمة، وأقدم من منصات التواصل الاجتماعي نفسها.

وهنا يبرز السؤال الذي يجب ألا نخجل من طرحه:

من يدير صفحات الفتنة.. ومن المستفيد من الغضب؟

من يقف وراء الصفحات التي تنشر الاتهامات قبل اكتمال التحقيقات؟ ولماذا يسارع بعضها إلى تحويل حادث محدد إلى خصومة بين شعبين؟ وهل تتحرك جميعها بدافع الغضب الحقيقي، أم أن بعضها يستغل الأزمة لتحقيق أهداف سياسية؟

هذه أسئلة تستحق البحث والتحقيق، لا إطلاق الاتهامات بلا دليل.

فليس كل من انتقد مصر مأجورًا، وليس كل من غضب سودانيًا واقعًا تحت تأثير الشائعات، لكن من حقنا أيضًا أن نتساءل عن الصفحات التي يبدو أن نشاطها لا يعرف هدفًا سوى توسيع الشقاق بين البلدين.

ومن يطالب الآخرين بالدليل عليه أولًا أن يقدم الدليل على اتهاماته.

صعاليك الفيس بوك.. يشعلون الحروب ولا يعرفون ثمنها

المشكلة ليست في اختلاف الرأي، ولا في الانتقاد، ولا حتى في الغضب المشروع، وإنما في ذلك الجهل الذي يرتدي ثوب البطولة، ويمنح صاحبه شجاعة زائفة من خلف شاشة الهاتف.

إن بعض هؤلاء لا يدركون خطورة التحريض بين الشعوب، ولا حجم المصالح التي يمكن أن تتضرر، ولا معنى أن يدفع الأبرياء ثمن عداوات تصنعها كلمات غير مسؤولة.

يكتب أحدهم مطالبًا بالتصعيد، فيصفق له آخر، ثم تتحول الشائعة إلى حقيقة في أذهان آلاف المتابعين، وتصبح الكراهية موقفًا عامًا قبل أن يتمكن أحد من التحقق مما حدث.

هكذا تتحول منصات التواصل من أدوات للتعبير إلى مصانع للفتنة، ومن ساحات للنقاش إلى منابر تدق طبول الحرب.

والحقيقة أن الحرب ليست منشورًا يحصد آلاف الإعجابات، ولا مقطع فيديو يمنح صاحبه شهرة مؤقتة.

الحرب بيوت تُهدم، وأطفال يفقدون آباءهم، وأمهات ينتظرن أبناء لن يعودوا، وشعوب تدفع من أمنها واقتصادها ومستقبلها ثمن قرارات لم تشارك في صنعها.

مصر والسودان.. من يحتاج إلى الآخر أكثر؟

دعونا نطرح السؤال بعيدًا عن الصراخ والمزايدات: من يحتاج إلى الآخر أكثر، مصر أم السودان؟

من وجهة نظري، فإن السودان الذي يواجه حربًا مدمرة وأزمة إنسانية واقتصادية قاسية يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى مصر قوية ومستقرة، تستطيع تقديم الدعم السياسي والإنساني والمساهمة في جهود إنهاء الحرب وإعادة الإعمار.

لكن هذه الحقيقة لا تلغي حقيقة أخرى لا تقل أهمية: مصر أيضًا تحتاج إلى السودان قويًا وموحدًا ومستقرًا.

فالسودان ليس دولة بعيدة عن المصالح المصرية، بل جارها الجنوبي، وامتدادها الطبيعي، وشريكها في التاريخ والجغرافيا والنيل والأمن القومي.

وأي انهيار طويل للدولة السودانية يحمل تداعيات تتجاوز حدودها، مثلما أن استقرار السودان وتعافيه يفتحان أبواب التعاون والتنمية بين البلدين.

السودان الموحد مصلحة مصرية لا تقبل المساومة

إن الحفاظ على وحدة السودان ليس مجرد شعار سياسي، بل مصلحة استراتيجية مصرية واضحة.

وقد أكدت القاهرة مرارًا دعم وحدة السودان وسيادته ومؤسساته الوطنية، ورفض تقسيم أراضيه، إلى جانب استضافة أعداد كبيرة من السودانيين الذين دفعتهم الحرب إلى مغادرة بلادهم.

ومع ذلك، فإن العلاقات بين الدول لا تُحمى بالشعارات وحدها، بل بالشفافية واحترام السيادة وحماية المدنيين ومعالجة الأزمات بجدية ومسؤولية.

ومن هنا فإن التحقيق العادل في أزمة الدهابة وكشف ملابساتها، أيًا كانت النتائج، يخدم العلاقة بين البلدين أكثر من محاولات التستر على الحقائق أو استغلالها للتحريض.

عدو مصر الحقيقي هو من يسعى لتمزيق السودان

هناك حقيقة استراتيجية لا ينبغي إغفالها: إن القوى التي تستفيد من استمرار انهيار السودان وتفكك مؤسساته لا تقدم لمصر أو للسودان مستقبلًا آمنًا.

لقد كشفت تقارير دولية عن شبكات مالية واقتصادية وتجارة ذهب مرتبطة بتمويل الحرب السودانية، بما في ذلك شبكات استفادت منها قوات الدعم السريع، وسط اتهامات موثقة بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين.

وهؤلاء الذين يستفيدون من استمرار القتال ونهب الثروات يستحقون مساءلة حقيقية، لا أن تبتلع الصراعات الإلكترونية الاهتمام بجرائم الحرب والمأساة الإنسانية.

إن من يربح من دماء السودانيين ليس صديقًا للسودان، ومن يستفيد من زرع العداء بين المصريين والسودانيين لا يعمل لمصلحة الشعبين.

لكن تحديد ممولي الصفحات أو الجهات المحركة لحملات بعينها يحتاج إلى أدلة رغم تصريح لصحاب صفحات كبري بتلقيهم  مكالمات من جهات بدعم 500 دولار في حالة نشر ما يثير لبفتنة بين المصريم والسودانين   وه اصريح لسودانين خاج السودان وداخلة وجميعنا يعرف من المستفيد من الفتنة 

لا تجعلوا الخلافات تهدم ما صنعته الجغرافيا والتاريخ

إن العلاقة بين مصر والسودان أكبر من منشور غاضب، وأقوى من حملة إلكترونية، وأعمق من أن تختزل في أزمة واحدة، مهما بلغت خطورتها.

ومن حق السوداني أن ينتقد، ومن حق المصري أن يدافع عن موقف بلاده، لكن ليس من حق أحد أن يحول الخلاف إلى دعوة للكراهية أو الصدام بين الشعبين.

مصر مطالبة بأن تواصل دعم السودان بعيدًا عن حسابات الاستغلال والمزايدات، وأن تتمسك بوحدته واستقراره، وأن تتعامل مع أي خلاف بشفافية ومسؤولية.

وفي المقابل، فإن مناقشة المصالح السودانية لا ينبغي أن تتحول إلى تصوير مصر باعتبارها عدوًا لمجرد وجود خلاف أو أزمة تحتاج إلى تحقيق.

ليس مطلوبًا من السوداني أن يتخلى عن حقه في الحقيقة حتى يكون شقيقًا للمصري، ولا من المصري أن يصمت عن التحريض حتى يثبت محبته للسودان او ان تعبر مليشات مسلحة حدود ارضية وان يصمت -خاصة وان مصر حذرت من مثل هذه الافعال 

المطلوب ببساطة ألا نسمح لمن يتاجرون بالغضب بأن يكتبوا مستقبل البلدين بدلًا من شعبيهما.

رسالة أخيرة إلى صعاليك الشاشات

إلى هؤلاء الذين يوزعون الاتهامات كأنها حقائق، ويطالبون بالحروب كأنها مباريات كرة قدم، ويبحثون عن الشهرة فوق جراح الشعوب:

قبل أن تضغط زر المشاركة، اسأل نفسك من نشر الخبر، وما دليله، ومن المستفيد من انتشاره؟

وقبل أن تدعو إلى مواجهة بين دولتين، تذكر أن الذين سيدفعون الثمن بشر حقيقيون، لهم بيوت وأطفال وأحلام.

وقبل أن تتحدث باسم السودان، تذكر أن الشعب السوداني يحتاج إلى وقف الحرب وحماية المدنيين واستعادة دولته أكثر مما يحتاج إلى مزيد من الصراخ.

السودان القوي الموحد مصلحة كبرى لمصر، ومصر القوية المستقرة سند مهم للسودان.

أما الذين يتصورون أن بإمكانهم هدم هذه العلاقة بمنشور أو شائعة، فإنهم يراهنون على جهل بعض المتابعين وينسون أن مصير شعبين لا يجوز أن يصبح لعبة في أيدي صعاليك الفيس بوك.

وفي النهاية أقولها بوضوح:

لا تسمحوا لصعاليك الشاشات أن يشعلوا فتنة  لا يعرفون ثمنها، ولا تمنحوا المتاجرين بالفتنة حق الكلام باسم شعبين لا يريدان لأبنائهما مزيدًا من الموت والدمار.

الكلمات المفتاحية:
صعاليك الفيس بوك صعاليك مواقع التواصل الاجتماعي الفتنة بين مصر والسودان أزمة الدهابة أزمة الدهابة السودانيين حقيقة أزمة الدهابة مصر والسودان العلاقات المصرية السودانية الغضب السوداني على مواقع التواصل حملات التحريض ضد مصر الشائعات بين مصر والسودان صفحات الفتنة على فيسبوك الأخبار الكاذبة على فيسبوك تأثير الشائعات على العلاقات الدولية من المستفيد من الفتنة بين مصر والسودان السودان يحتاج إلى مصر مصر تدعم السودان السودان القوي مصلحة مصرية وحدة السودان والأمن القومي المصري أمن الحدود المصرية السودانية حماية العلاقات بين الشعبين الدهابة والحدود المصرية التنقيب عن الذهب في السودان تداعيات أزمة الدهابة 2026 الحرب في السودان قوات الدعم السريع تمويل الحرب السودانية ذهب السودان وتمويل الصراع نهب ثروات السودان التدخلات الخارجية في السودان حماية المدنيين السودانيين وقف الحرب السودانية مستقبل العلاقات المصرية السودانية السودان الموحد التحريض الإلكتروني حروب مواقع التواصل الناشطون على فيسبوك أخطار نشر الشائعات تحقيقات أزمة الدهابة الأمن القومي المصري السوداني مصر والسودان شعب واحد مقالات رأي سياسية مقالات عن مصر والسودان

مقالات ذات صلة

الرئيس السيسي: أمن مصر القومي يرتبط باستقرار السودان وليبيا وقطاع غزة الأخبار
الخميس، ١٥ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٣:٣١ م

الرئيس السيسي: أمن مصر القومي يرتبط باستقرار السودان وليبيا وقطاع غزة

أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي، أن استقرار السودان وليبيا وقطاع غزة من مقتضيات الأمن القومي العربي والمصري، مشيرًا إلى إلى وجود مخاطر على حدود مصر الجنو...

لمزيد من التفاصيل
وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره البريطاني لبحث التصعيد الإقليمي والأزمة السودانية الأخبار
الأربعاء، ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦ في ١٢:٠٤ م

وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره البريطاني لبحث التصعيد الإقليمي والأزمة السودانية

التقى الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، إيد ميليباند، وزير الخارجية البريطاني، على هامش اجتماعات الخريف لصندوق ...

لمزيد من التفاصيل
حملات التحريض بين المصريين والسودانين أسرار السياسة
الثلاثاء، ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦ في ١٢:٥٥ م

الموساد والفتنة بين مصر والسودان.. من يقف خلف حملات التحريض الإلكتروني؟

لم تعد محاولات الوقيعة بين مصر والسودان تقتصر على الخلافات السياسية أو التصريحات المتبادلة، بل امتدت إلى ساحات التواصل الاجتماعي، حيث تتحول الشائعات و...

لمزيد من التفاصيل
عاجل
صعاليك الفيس بوك وتجار الفتنة.. كيف تحولت أزمة الدهابة إلى معركة بين الأشقاء؟ | مصرع خط الصعيد الجديد في سوهاج.. تفاصيل المواجهة المسلحة بقرية الكتكاتة | سعار الذهب اليوم الجمعة 16 أكتوبر 2026 في مصر منتصف التعاملات.. عيار 21 يسجل 6250 جنيهًا | فيديو صفع رضيع عمره 6 أشهر بالجيزة.. الداخلية تكشف التفاصيل وتضبط الأم | أزمة صواريخ باتريوت وثاد تهدد النفوذ الأمريكي.. تحذيرات من نفاد المخزون حتى 2030 | تسلا رودستر تحلق في السماء.. إيلون ماسك يكشف سيارة بتكنولوجيا الصواريخ | كيف طور الحوثيون أسلحتهم؟ كواليس تحول الجماعة إلى قوة صاروخية تهدد السعودية | رحيل ياسر إبراهيم عن الأهلي يثير الجدل.. أزمة تجديد العقد وبديلان على طاولة الإدارة | بث مباشر مباراة الزمالك والجيش الوطني الرواندي.. الفارس الأبيض يبدأ مهمة التأهل من كيجالي | بث مباشر القادسية وأبها اليوم.. صراع الوصافة والهروب من القاع في الدوري السعودي | أسعار الحديد والأسمنت اليوم.. حديد عز يقترب من 40 ألف جنيه | الدولار يرتفع أمام الجنيه.. أسعار العملة الأمريكية اليوم الجمعة في البنوك المصرية | بكام الذهب النهارده؟ أسعار عيار 21 والجنيه الذهب والسبائك الجمعة 16 أكتوبر | حظك اليوم الجمعة 16 أكتوبر 2026.. توقعات الأبراج في الحب والعمل والمال والصحة | مباريات اليوم الجمعة 16 أكتوبر 2026.. الزمالك وبيراميدز وأبرز المواجهات الأوروبية | سهرة في الهرم تنتهي ببلاغ اعتداء جنسي.. ضبط 3 أشخاص والتحقيق مع المتهمين |