إثيوبيا تستدعي السد العالي.. إفلاس سياسي في مواجهة أزمة سد النهضة
عندما يغيب المنطق عن الخطاب السياسي، ويحل محله انتقاء الوقائع واجتزاؤها لخدمة موقف مسبق، يصبح من المشروع وصف هذا الخطاب بأنه إفلاس سياسي في الحجة. وهذا تحديدًا ما تعكسه، في تقديري، التصريحات الإثيوبية الأخيرة التي حاولت استدعاء السد العالي في أسوان باعتباره مبررًا للسياسات التي تتبعها أديس أبابا في ملف سد النهضة.
وزير المياه والطاقة الإثيوبي هبتامو إيتيفا قال إن مصر أنشأت السد العالي من دون الحصول على موافقة إثيوبيا، واستخدم هذه المقارنة للدفاع عن حق بلاده في تطوير مواردها المائية وفق مبدأ «الاستخدام المنصف والمعقول». كما أعلنت الحكومة الإثيوبية تشكيل لجنة تقول إنها أحصت أكثر من 22 مشروعًا تنمويًا تزعم أن مصر عطلتها أو عرقلت تنفيذها، تمهيدًا لتقييم ما تعتبره خسائر اقتصادية وفرصًا تنموية ضائعة. هذه هي الرواية الإثيوبية المعلنة حاليًا.
صناعة معركة تاريخية بعيدة عن جوهر الأزمة
لكن استدعاء السد العالي بهذه الصورة لا يحسم شيئًا في أزمة سد النهضة، بل يبدو أقرب إلى محاولة نقل النقاش من جوهر الأزمة إلى معركة تاريخية لا تغير من طبيعة المشكلة الحالية.
فمصر ليست دولة منبع تبحث عن احتجاز المياه عن دولة أخرى، وإنما هي دولة المصب الأخيرة في حوض النيل، وتعتمد بصورة شبه كاملة على النهر في مواردها المائية المتجددة. والموقف المصري الرسمي لم يكن يومًا أن إثيوبيا لا يحق لها التنمية، بل إن القاهرة تقول بوضوح إن التنمية يجب أن تتم وفق قواعد التعاون، والاستخدام المنصف والمعقول، وعدم التسبب في ضرر ذي شأن، والإخطار المسبق والتشاور وتبادل البيانات.
وهنا تظهر مشكلة المقارنة الإثيوبية.
فالسؤال الحقيقي ليس: هل بنت مصر السد العالي بعد الحصول على «إذن» من إثيوبيا؟ وإنما: هل يجوز لدولة على مجرى مائي دولي مشترك أن تتخذ إجراءات أحادية واسعة التأثير ثم تعتبر اعتراض الدول التي قد تتضرر منها اعتداءً على حقها في التنمية؟
هذا هو جوهر الخلاف الذي تحاول التصريحات الإثيوبية القفز فوقه.
مصر لم تقل لإثيوبيا: لا تبني، ولا تتنمي، ولا تنتج الكهرباء. بل دخلت معها ومع السودان في أكثر من عقد من المفاوضات للوصول إلى قواعد متفق عليها للملء والتشغيل، وتقول الخارجية المصرية إن تلك المفاوضات امتدت لنحو 13 عامًا قبل أن تعلن القاهرة انتهاء المسار التفاوضي في ديسمبر 2023 بعد عدم التوصل إلى اتفاق ملزم.
كيف عطلت مصر 22 مشروعا لاثيوبيا ؟!
وهنا يصبح الحديث الإثيوبي عن «عرقلة مصر للتنمية» في حاجة إلى أكثر بكثير من إطلاق رقم 22 مشروعًا في وسائل الإعلام.
إذا كانت هناك بالفعل اثنان وعشرون مشروعًا تقول أديس أبابا إن القاهرة عطلتها، فمن الطبيعي أن تسأل: ما أسماء هذه المشروعات؟ ما طبيعة الاعتراض المصري على كل مشروع؟ وبأي وسيلة قانونية أو سياسية عطلت مصر التنفيذ؟ وما قيمة الخسائر المثبتة التي ترتبت على ذلك؟
الإعلان الإثيوبي الحالي يقول إن لجنة وطنية تعمل على جمع الأدلة وتقدير الخسائر، لكنه لا يقدم في حد ذاته حكمًا دوليًا أو إثباتًا مستقلاً بأن مصر مسؤولة قانونيًا عن تعطيل تلك المشروعات.
وهنا تكمن المفارقة.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه إثيوبيا عن تعويضات محتملة بسبب مشروعات تزعم أن مصر عرقلتها، فإن القاهرة هي التي تقول منذ سنوات إن الإجراءات الأحادية في تشغيل سد ضخم على النيل الأزرق قد تمس أمنها المائي، وتؤثر في قطاعات تعتمد على انتظام تدفقات المياه، وفي مقدمتها الزراعة والأمن الغذائي. وتقول وزارة الخارجية المصرية إن الندرة المائية واعتماد البلاد شبه الكامل على النيل يجعلان أي إدارة أحادية لمورد بهذا الحجم مسألة تتصل مباشرة بالأمن القومي المصري.
مزايدة سياسية تؤكد افلاس اديس بابا
ومن هنا يمكن قلب السؤال الذي تطرحه أديس أبابا: إذا كان الحديث قد انتقل إلى لغة الخسائر والتعويضات، فماذا عن الأضرار التي قد تلحق بدول المصب نتيجة التشغيل الأحادي؟ ومن يحدد الضرر؟ ومن يتحمل المسؤولية عنه؟
الإجابة لا تكون بالمزايدة السياسية، وإنما بالبيانات والدراسات والقانون.
مصر لجأت إلى المفاوضات، وشاركت في اللجان الفنية، وخاطبت مجلس الأمن، وواصلت التأكيد على الحل السياسي وعدم الإضرار، بينما تتمسك إثيوبيا بحقها في الاستخدام المنصف والمعقول وترفض ما تعتبره محاولة لفرض موافقة مسبقة من دول المصب على مشروعاتها. هذه هي نقطة الخلاف الحقيقية التي ينبغي مناقشتها بدل تحويل السد العالي إلى شماعة جديدة.
والأكثر إثارة للاستغراب هو أن القاهرة، رغم اعتبارها سد النهضة قضية تمس شريان الحياة الرئيسي لديها، لم تتخل عن المسار السياسي، وظلت لسنوات تبحث عن اتفاق ينظم الملء والتشغيل. وهذا ليس موقف دولة تعارض التنمية في إثيوبيا، وإنما موقف دولة تطالب بأن تكون التنمية تعاونية لا أحادية.
من السهل أن تقول أديس أبابا إن مصر بنت السد العالي دون الرجوع إليها. ومن السهل أن تعلن أن عشرات المشروعات تعطلت بسبب القاهرة. لكن الأصعب هو تقديم إجابة واضحة عن السؤال الذي ظل معلقًا طوال سنوات الأزمة: لماذا لم تستطع ثلاث دول تتقاسم نهرًا واحدًا الوصول إلى قواعد تشغيل ملزمة تضمن لإثيوبيا الكهرباء والتنمية وتضمن في الوقت نفسه لمصر والسودان عدم التعرض لضرر جسيم؟
منطق كل دولة تفعل ماتشاء
هنا لا يكفي رفع شعار «السيادة»، كما لا يكفي الحديث المصري وحده عن «الحقوق التاريخية». فالنهر المشترك لا يمكن إدارته بمنطق أن كل دولة تفعل ما تشاء داخل حدودها، ثم تطلب من الآخرين تحمل النتائج.
أما تحويل السد العالي إلى متهم جديد في القضية، والحديث عن مشروعات وتعويضات قبل تقديم ملف علني متكامل يثبت المسؤولية، فلا يبدو لي إلا محاولة لصناعة شماعة سياسية جديدة في أزمة طال أمدها.
المطلوب من إثيوبيا ليس البحث في تاريخ السد العالي عن مبررات، وإنما النظر إلى المستقبل: اتفاق واضح، وقواعد تشغيل معلنة، وتبادل بيانات، وضمانات حقيقية لدول المصب.
فالسياسة الرشيدة لا تبحث عن شماعة تعلق عليها إخفاقاتها، ولا تستخدم التاريخ للهروب من أسئلة الحاضر.
ومصر، في المقابل، عليها أن تواصل الدفاع عن حقوقها بالأدوات القانونية والدبلوماسية والفنية، وأن تجعل خطابها قائمًا على الأدلة والمصالح لا على الشعارات؛ لأن أزمة بهذا الحجم لن يحسمها الصوت الأعلى، وإنما الحجة الأقوى والقدرة على تحويل الحقوق إلى موقف قانوني وسياسي يصعب تجاهله.
وهنا تحديدًا يظهر الفارق بين إدارة الأزمة والبحث عن شماعة لها.


