تواجه الولايات المتحدة أزمة متصاعدة في مخزون صواريخ باتريوت وثاد، وسط تحذيرات عسكرية من استمرار انخفاض الذخائر الاعتراضية حتى عام 2030، نتيجة استنزافها في الحروب المتزامنة بأوكرانيا والشرق الأوسط، وعجز خطوط الإنتاج الدفاعية عن تعويض الاستهلاك بالسرعة المطلوبة، ما يثير تساؤلات بشأن قدرة واشنطن على حماية حلفائها والحفاظ على نفوذها العسكري العالمي.
وكشف تقرير نشرته شبكة «سي بي إس نيوز» الأمريكية، في 15 أكتوبر 2026، عن تحذير سابق أطلقه الجنرال راندي جورج، رئيس أركان الجيش الأمريكي السابق، بشأن نقص حاد في الصواريخ الاعتراضية، قبل اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في فبراير الماضي.
جنرال أمريكي يحذر من أزمة صواريخ باتريوت وثاد حتى 2030
بحسب التقرير، حذر الجنرال راندي جورج في ديسمبر 2025 من أن المخزونات الاستراتيجية لصواريخ باتريوت وثاد ستظل عند مستويات منخفضة حتى عام 2030، في تقدير تضمنته وثائق التخطيط العسكري لوزارة الدفاع الأمريكية.
وأشار مسؤولون أمريكيون إلى أن الأزمة تعود إلى إرسال صواريخ باتريوت إلى أوكرانيا، واستخدام الذخائر الاعتراضية في حماية إسرائيل، فضلًا عن محدودية الطاقة الإنتاجية للصناعات الدفاعية الأمريكية.
وجاءت الحرب مع إيران لتفاقم أزمة كانت قائمة بالفعل، بعدما استهلكت العمليات العسكرية أعدادًا إضافية من الصواريخ المتطورة.
كم استهلكت أمريكا من صواريخها الاعتراضية؟
وفق تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، دخلت الولايات المتحدة عام 2026 بمخزون يقارب 2300 صاروخ اعتراضي من طراز باتريوت، قبل استهلاك ما بين 1050 و1430 صاروخًا خلال الحرب مع إيران، وفق نطاق التقديرات المنشورة.
كما تعرض مخزون صواريخ ثاد لاستنزاف كبير، مع تقديرات تشير إلى استخدام نسبة مرتفعة من الذخائر التي كانت متاحة قبل الحرب.
وتعكس هذه الأرقام حجم الضغط على الدفاعات الجوية الأمريكية، لكنها تظل تقديرات بحثية وليست كشفًا رسميًا شاملًا بالمخزونات العسكرية السرية.
لماذا تعجز مصانع السلاح الأمريكية عن تعويض الصواريخ؟
تكمن المشكلة في الفجوة بين سرعة استهلاك الصواريخ خلال المعارك والمدة اللازمة لتصنيع بدائل جديدة.
فبحسب التقديرات المنشورة، يبلغ متوسط الفترة المطلوبة لتسليم طلبات صواريخ باتريوت المتطورة نحو ثلاث سنوات ونصف، مقابل أكثر من أربع سنوات لبعض تعاقدات صواريخ ثاد.
ورغم تحركات الشركات الدفاعية لزيادة الإنتاج، فإن توسيع المصانع وتأمين المكونات وسلاسل الإمداد يحتاج إلى سنوات.
هل تستطيع واشنطن إنهاء الأزمة قبل 2030؟
أعلنت شركة لوكهيد مارتن خططًا لزيادة القدرة الإنتاجية السنوية لصواريخ ثاد من 96 إلى 400 صاروخ، لكن الوصول إلى المستويات المستهدفة يتوقف على تنفيذ التوسعات الصناعية.
وحذر مسؤول أمريكي من أن إعادة المخزونات إلى مستويات ديسمبر 2025 المنخفضة أصلًا قد تستغرق حتى 2030، حتى في حال عدم استهلاك المزيد من الصواريخ.

كيف تؤثر أزمة باتريوت وثاد على قدرة أمريكا في خوض حروب متعددة؟
تكشف الأزمة عن تحدٍ استراتيجي يواجه الولايات المتحدة، يتمثل في توزيع موارد الدفاع الجوي بين مناطق جغرافية متباعدة، في مقدمتها أوروبا والشرق الأوسط والمحيط الهادئ.
فكل صاروخ يُستخدم لحماية قاعدة أمريكية أو اعتراض هجوم على أحد الحلفاء يمثل ذخيرة تحتاج إلى تعويض، في وقت قد تتطلب فيه أي مواجهة جديدة مخزونات كبيرة من الأسلحة الدفاعية.
وقد ظهرت تداعيات الأزمة بالفعل، بعدما أعلن قائد عسكري بولندي أن تسليم صواريخ باتريوت المتعاقد عليها سيتعرض للتأخير بسبب الضغوط على المخزونات الأمريكية.
هل يستفيد خصوم واشنطن من نقص الصواريخ؟
قد يؤدي استمرار نقص الذخائر الاعتراضية إلى تقليص هامش المناورة العسكرية للولايات المتحدة، وفرض خيارات أكثر صعوبة بشأن توزيع الأسلحة بين الحلفاء والقواعد العسكرية.
كما أن اضطرار واشنطن إلى الاحتفاظ باحتياطيات لمواجهة محتملة في منطقة ما قد يحد من قدرتها على تقديم الدعم العسكري في جبهة أخرى.
لكن هذه المخاطر لا تعني فقدان التفوق العسكري الأمريكي، وإنما تشير إلى قيود متزايدة على القدرة على إدارة مواجهات طويلة ومتزامنة.
البنتاجون يرفض الحديث عن نفاد الذخائر الأمريكية
في المقابل، رفضت وزارة الدفاع الأمريكية التقارير التي تتحدث عن نقص خطير في الذخائر، مؤكدة استمرار امتلاك القوات الأمريكية القدرات اللازمة للدفاع عن مصالح الولايات المتحدة وتنفيذ العمليات العسكرية.
وشدد المتحدث باسم البنتاجون شون بارنيل على جاهزية القوات الأمريكية، معتبرًا أن الحديث عن عجز مخزونات الأسلحة يقدم صورة غير صحيحة عن القدرات العسكرية للبلاد.
ويكشف هذا التباين بين التقديرات البحثية والموقف الرسمي عن اختلاف في تقييم مستوى المخاطر، خصوصًا أن التفاصيل الدقيقة للمخزونات العسكرية لا تُنشر كاملة.
هل تنذر أزمة الصواريخ ببداية تراجع الهيمنة الأمريكية؟
تطرح أزمة باتريوت وثاد سؤالًا يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، ويتعلق بمدى قدرة الولايات المتحدة على تحمل كلفة التزاماتها الدفاعية العالمية في ظل تصاعد المنافسة الدولية.
فالقوة العسكرية لا تُقاس فقط بعدد الطائرات والسفن والمنظومات المتطورة، بل تشمل أيضًا القدرة الصناعية على تعويض الخسائر والاستمرار في العمليات لفترات طويلة.
وإذا استمر استنزاف الذخائر بوتيرة تفوق الإنتاج، فقد تجد واشنطن نفسها مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها العسكرية، وهو ما قد يؤثر على حسابات الردع وثقة بعض الحلفاء.
ومع ذلك، فإن اعتبار الأزمة دليلًا قاطعًا على نهاية الهيمنة الأمريكية يتجاوز ما تثبته المعلومات المتاحة، إذ لا تزال الولايات المتحدة تمتلك قدرات عسكرية وصناعية وتحالفات واسعة.






