من الرياض إلى القاهرة، تتغير معادلات الأمن في المنطقة العربية.. مصر لا تبحث عن حرب جديدة، لكنها تدرك أن ترك السعودية تواجه التصعيد وحدها، أو فتح المجال أمام توسيع النفوذ الإيراني والإسرائيلي، قد يضع الأمن القومي العربي أمام مخاطر أكبر من حدود الأزمة اليمنية.
مصر ليست ذاهبة إلى اليمن لتخوض حربًا جديدة، وليست في طريقها إلى الانخراط في صراع مفتوح مع جماعة الحوثيين، لكنها أيضًا ليست دولة يمكنها الوقوف متفرجة بينما تتعرض السعودية لهجمات متصاعدة، وتتعرض معها منظومة الأمن الإقليمي لاختبارات غير مسبوقة.
هذا، في تقديري، هو جوهر التحول الأخير في الموقف المصري، الذي انتقل من الاكتفاء بالدعوات إلى التهدئة والمساعي الدبلوماسية إلى إعلان الاستعداد لتقديم الدعم اللازم والممكن للمملكة العربية السعودية، بما يفتح المجال أمام خيارات دفاعية تخضع للقرار السيادي المصري والإجراءات الدستورية.
فالقاهرة تدرك أن ما يجري لم يعد مجرد مواجهة بين السعودية والحوثيين على حدود اليمن، وإنما أصبح جزءًا من إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، مع تداخل المصالح الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية، وتصاعد المخاطر التي تواجه البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس.
ومصر، بحكم موقعها وثقلها السياسي والعسكري، لا تستطيع أن تقبل بتحول المنطقة المحيطة بها إلى ساحة تتقاسم فيها القوى الأخرى النفوذ، بينما تكتفي هي بمراقبة النتائج.
مصر والسعودية.. عندما يصبح أمن المملكة جزءًا من الأمن القومي المصري
لم يكن الموقف المصري الأخير مفاجئًا لمن يتابع طبيعة العلاقات الاستراتيجية بين القاهرة والرياض، وإن كان الانتقال من التأكيد السياسي إلى الاستعداد العملي للدعم الدفاعي يمثل تطورًا مهمًا.
فالسعودية ليست مجرد دولة عربية تربطها بمصر علاقات اقتصادية واستثمارية، وإنما تمثل ركيزة أساسية في منظومة الأمن العربي، كما أن استقرارها يرتبط بأمن الخليج والبحر الأحمر وحركة الاقتصاد الإقليمي.
ولهذا فإن تعرض المملكة لهجمات متكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة يثير مخاوف تتجاوز حدود الأضرار المباشرة، ليطرح سؤالًا أكبر عن قدرة الدول العربية على حماية أمنها في ظل تصاعد التهديدات.
وقد اختارت القاهرة، بعد فترة طويلة من ضبط النفس والدعوة إلى الحلول السياسية، أن تعلن استعدادها لتقديم دعم يتجاوز الخطاب الدبلوماسي إذا تطلبت الظروف ذلك.
لكن هذه الخطوة يجب أن تُقرأ في إطار الدفاع عن الأمن المشترك، لا باعتبارها تفويضًا مفتوحًا لخوض حرب داخل اليمن.
القاهرة لا تبحث عن دور في الحرب.. لكنها لا تقبل الغياب عن معادلة الأمن
إن الفارق كبير بين دولة تسعى إلى التوسع العسكري خارج حدودها، ودولة ترى أن تهديد أمن حليف استراتيجي قد ينعكس مباشرة على مصالحها وأمنها القومي.
وهنا تظهر خصوصية الموقف المصري.
فالقاهرة ليست مضطرة إلى الدخول في كل معركة، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل أي تحول استراتيجي يضع أمن البحر الأحمر والخليج تحت ضغوط متزايدة.
وفي تقديري، فإن الرسالة المصرية الأساسية هي أن حماية المنطقة يجب ألا تتحول إلى شأن تنفرد به القوى الخارجية، وأن الدول العربية الكبرى مطالبة بتحمل مسؤوليتها في إدارة أمنها المشترك.
الحوثيون وقناة السويس.. مصر دفعت ثمنًا اقتصاديًا قبل التفكير في أي تحرك عسكري
قد يتصور البعض أن مصر تدخل هذه المعادلة تضامنًا مع السعودية فقط، لكن الحقيقة أن القاهرة تمتلك مصلحة اقتصادية مباشرة في وقف التهديدات التي تواجه الملاحة في البحر الأحمر.
فالهجمات التي استهدفت السفن التجارية دفعت شركات شحن دولية إلى تغيير مساراتها، والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بدلًا من عبور البحر الأحمر وقناة السويس.
وكانت النتيجة تراجعًا كبيرًا في حركة الملاحة وإيرادات القناة، بما أثر على أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري.
وقد أكد صندوق النقد الدولي في تقاريره أن اضطرابات البحر الأحمر تسببت في خسائر كبيرة لإيرادات قناة السويس، وأن حركة السفن لم تستعد مستوياتها السابقة للأزمة.
إذن فمصر ليست بعيدة عن الحرب اقتصاديًا حتى إن لم تكن منخرطة فيها عسكريًا.
لقد تحمل الاقتصاد المصري بالفعل جزءًا من فاتورة الصراع، من دون أن تكون القاهرة طرفًا مباشرًا في المعارك.
باب المندب ليس بعيدًا عن القاهرة
إن أمن قناة السويس لا يبدأ عند مدخلها الجنوبي في خليج السويس، وإنما يرتبط أيضًا بحرية الملاحة عبر باب المندب والبحر الأحمر.
فإذا أصبحت السفن غير قادرة على المرور بأمان، فإن امتلاك قناة بحرية متطورة لا يكفي وحده لضمان استمرار تدفقات التجارة.
ومن هنا فإن حماية الملاحة في البحر الأحمر تمثل مصلحة مصرية أصيلة، وليست خدمة تقدمها القاهرة لأي دولة أخرى.
وقد يكون تطوير التعاون البحري والاستخباراتي والدفاعي مع السعودية ودول المنطقة إحدى الوسائل للحد من هذه المخاطر، بشرط ألا يتحول ذلك إلى تورط غير محسوب في عمليات عسكرية مفتوحة.
ترامب يتوقع قبول السعودية مساعدة إسرائيل ضد الحوثيين ويعيد طرح اتفاقيات إبراهيم. تحليل للضغوط الأمريكية والإسرائيلية وحسابات الرياض وموقف فلسطين.
🔗 اقرأ المزيدهل تحاول واشنطن تحويل أمن السعودية إلى ورقة مساومة سياسية؟
لا يمكن تجاهل البعد الأمريكي في الأزمة الراهنة، خاصة مع استمرار ارتباط السعودية والولايات المتحدة بعلاقات أمنية وعسكرية واسعة.
ففي السياسة الدولية، لا تنفصل ترتيبات الحماية عن المصالح السياسية والاقتصادية، وقد تستخدم القوى الكبرى نفوذها الأمني لتعزيز قدرتها التفاوضية في ملفات أخرى.
ومن هنا يبرز التساؤل بشأن احتمال توظيف التهديدات التي تواجه المملكة للضغط عليها في ملفات العلاقات الإقليمية والتطبيع مع إسرائيل.
لقد سعت الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى توسيع نطاق اتفاقات التطبيع بين إسرائيل والدول العربية، بينما أعلنت السعودية بوضوح أن إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل مرتبطة بقيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
وهذا الموقف يمنح الرياض مساحة سياسية مستقلة عن الرغبات الأمريكية والإسرائيلية.
ثلاثة ملفات حساسة.. التطبيع والاتفاقات الإبراهيمية والدور العسكري الإسرائيلي
تطرح التطورات الإقليمية ثلاثة تساؤلات مترابطة:
هل يمكن أن تصبح المساعدة الأمنية الأمريكية مدخلًا للضغط باتجاه التطبيع السعودي الإسرائيلي؟
وهل تسعى واشنطن إلى استخدام ترتيبات اتفاقات إبراهيم بوصفها إطارًا أوسع لإعادة تنظيم التحالفات الأمنية في المنطقة؟
وهل يمكن أن تُطرح مشاركة إسرائيلية في حماية السعودية باعتبارها بديلًا عن منظومة دفاع عربية؟
هذه أسئلة سياسية مشروعة، لكنها لا تعني أن الولايات المتحدة قدمت بالفعل مطالب محددة بهذه الصيغة، أو أن ولي العهد السعودي وافق عليها أو رفضها خلال اجتماع بعينه.
فلا تتوافر أدلة علنية موثوقة تثبت تفاصيل مساومة مباشرة من هذا النوع في الأزمة الحالية.
لكن غياب الدليل على وجود صفقة محددة لا يلغي أهمية السؤال الاستراتيجي: هل ينبغي أن يصبح الدفاع عن دولة عربية مرتبطًا بقبول ترتيبات سياسية مع إسرائيل؟
التحرك المصري.. هل يمنع احتكار القوى الخارجية لمعادلة الدفاع عن الخليج؟
من وجهة نظري، فإن وجود مصر بوصفها شريكًا دفاعيًا عربيًا محتملًا يمنح السعودية خيارًا إضافيًا في إدارة الأزمة.
فالرياض ليست مضطرة إلى حصر خياراتها بين الاعتماد على الحماية الأمريكية أو توسيع العلاقات الأمنية مع إسرائيل، كما أن القاهرة ليست مطالبة بمواجهة إيران أو الحوثيين لحساب أي قوة خارجية.
إن بناء قدرة عربية على التعاون الدفاعي يمكن أن يقلل الاعتماد الحصري على الأطراف الخارجية، ويمنح الدول العربية مساحة أكبر لاتخاذ قراراتها وفق مصالحها المشتركة.
وهذا لا يستلزم القطيعة مع الولايات المتحدة أو إلغاء الشراكات الدفاعية القائمة، وإنما يعني تنويع الخيارات ورفض تحول الأمن إلى ورقة ضغط سياسي.
كيف طور الحوثيون صواريخهم ومسيراتهم؟ تقرير يكشف دور إيران والمكونات الصينية والذكاء الاصطناعي وتأثير الهجمات على السعودية ودفاعاتها الجوية.
🔗 اقرأ المزيد
مصر لا تتحرك ضد دولة بعينها.. بل لحماية توازن إقليمي
ليس مطلوبًا من مصر أن تستبدل صراعًا بصراع آخر، أو أن تجعل من نفسها طرفًا في منافسة مفتوحة مع إيران أو إسرائيل.
لكن المطلوب، في تقديري، ألا تسمح بغياب الدور العربي عن ترتيبات تؤثر مباشرة في أمن البحر الأحمر والخليج.
فكل فراغ أمني تتركه الدول العربية يمكن أن يفتح المجال لتوسع نفوذ قوى أخرى، ولكل طرف منها مصالحه التي قد لا تتطابق مع مصالح المنطقة.
ومن هنا تأتي أهمية التحرك المصري باعتباره فرصة لتطوير التنسيق العربي، وليس بالضرورة بداية لمواجهة عسكرية جديدة.
لماذا يجب أن تكون المشاركة المصرية دفاعية ومحددة الأهداف؟
مع كل ما سبق، فإن دعم السعودية لا ينبغي أن يعني الانخراط التلقائي في جميع العمليات العسكرية المرتبطة بالحرب اليمنية.
فهناك فارق جوهري بين مساعدة المملكة في حماية أجوائها ومنشآتها المدنية من الصواريخ والطائرات المسيّرة، وبين تنفيذ ضربات داخل الأراضي اليمنية، وفارق أكبر بين الحالتين وبين إرسال قوات برية للمشاركة في حرب طويلة.
وقد يشمل الدعم الدفاعي تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتطوير الإنذار المبكر، والتعاون في الدفاع الجوي، والتنسيق البحري، وحماية المنشآت الحيوية، دون أن يستلزم ذلك بالضرورة المشاركة في عمليات هجومية.
حماية السعودية لا تعني دخول حرب بلا سقف
أي مهمة دفاعية مصرية محتملة ينبغي أن تكون واضحة من حيث الهدف والنطاق الجغرافي والمدة والقيادة وآليات التنسيق وشروط الانتهاء.
كما يجب أن تحظى بالموافقات الدستورية اللازمة، وأن تكون قابلة للمراجعة إذا تغيرت الظروف أو اتسعت المواجهات.
فالعملية العسكرية التي تبدأ بمهمة محدودة قد تتطور إذا تعرضت القوات المشاركة لهجمات، أو إذا أصبح استمرار المهمة مرهونًا بتحقيق أهداف لم تكن ضمن القرار الأصلي.
ولهذا فإن الحكمة الاستراتيجية لا تكمن فقط في القدرة على التدخل، بل في معرفة حدود التدخل وتوقيت إنهائه.
مصر والسعودية أمام لحظة إعادة تشكيل موازين القوى
تتحرك المنطقة اليوم في ظروف شديدة التعقيد، تتداخل فيها الحرب في اليمن مع المواجهة الأمريكية الإيرانية، والسياسات العسكرية الإسرائيلية القائمة علي التوغل داخل الاراضي العربية والمنافسة على الممرات البحرية والموارد الاقتصادية.
وفي مثل هذه الظروف، تصبح قدرة الدول العربية الكبرى على التنسيق فيما بينها أحد العوامل المؤثرة في مستقبل التوازن الإقليمي.
فمصر تمثل قوة عسكرية وسياسية رئيسية، والسعودية تمتلك ثقلًا اقتصاديًا ودينيًا واستراتيجيًا مهمًا، ويمكن للتعاون بينهما أن يسهم في بناء ترتيبات أمنية أكثر استقلالًا عن ضغوط القوى الخارجية.
لكن هذا التعاون لا ينبغي أن يقوم على منطق التصعيد لمجرد إثبات القوة، وإنما على حماية الدول والممرات البحرية وتقليل فرص اندلاع الحروب.
هل يكفي إعلان الاستعداد العسكري لتحقيق الردع؟
أحيانًا تكون قيمة الرسالة السياسية والعسكرية في قدرتها على تغيير حسابات الأطراف قبل الوصول إلى المواجهة.
فإعلان مصر استعدادها لمساندة السعودية قد يدفع جماعة الحوثيين والأطراف الإقليمية المعنية إلى إعادة تقدير تكلفة التصعيد، خصوصًا إذا اقترن بموقف عربي واضح وجهود دبلوماسية فعالة.
لكن الردع لا يعمل دائمًا كما تتوقع الأطراف، وقد يؤدي سوء تفسير الإشارات العسكرية إلى تصعيد مضاد.
لهذا فإن الإعلان عن الاستعداد الدفاعي ينبغي أن يظل مصحوبًا بقنوات اتصال ومساعٍ سياسية تمنع الانزلاق إلى حرب أوسع.
الأمن القومي العربي.. مسؤولية مشتركة لا تحتمل الفراغ
إن ما يحدث على حدود السعودية، وما يجري في البحر الأحمر، وما تتعرض له الملاحة الدولية، ليس مجموعة من الأزمات المنفصلة.
فهذه التطورات ترتبط ببعضها عبر الاقتصاد والأمن والطاقة والتجارة والتحالفات العسكرية.
والدول العربية التي تتعامل مع كل أزمة بوصفها شأنًا محليًا محدودًا قد تجد نفسها أمام نتائج إقليمية تتجاوز قدرتها المنفردة على المواجهة.
لكن بناء أمن عربي مشترك يتطلب أكثر من التضامن السياسي أو إرسال القوات عند الضرورة؛ إنه يحتاج إلى تنسيق دفاعي مستمر، ومصالح اقتصادية متبادلة، ودبلوماسية قادرة على معالجة النزاعات قبل تحولها إلى حروب.
كما يتطلب إدراك أن أمن السعودية ومصر والخليج والبحر الأحمر لا ينفصل عن استقرار اليمن نفسه، وأن أي ترتيب لا يأخذ في الاعتبار أمن الشعب اليمني ومستقبله السياسي سيظل معرضًا للاهتزاز.
مصر ليست ذاهبة إلى حرب اليمن لكنها لن تكون متفرجة
أرى أن جوهر الموقف المصري الحالي يقوم على معادلة بالغة الدقة: الدفاع عن أمن السعودية والمصالح العربية، دون التضحية باستقلال القرار المصري أو الانجراف إلى حرب مفتوحة.
فالقاهرة دفعت بالفعل ثمن اضطرابات البحر الأحمر اقتصاديًا، وتدرك أن استمرار تهديد الممرات البحرية قد يضاعف الأعباء على قناة السويس والاقتصاد الوطني.
وتدرك أيضًا أن غياب القوى العربية عن ترتيبات الأمن الإقليمي قد يمنح أطرافًا خارجية قدرة أكبر على فرض تصوراتها السياسية والعسكرية على المنطقة.
لكن ذلك كله لا يجعل الحرب حتمية، ولا يحوّل أي تحرك عسكري إلى خيار خالٍ من المخاطر.
الفرق بين الأمرين هو وضوح الاستراتيجية.
فإذا استطاعت القاهرة والرياض بناء تعاون دفاعي يحمي المدنيين والمنشآت الحيوية والممرات البحرية، ويدعم الجهود الدبلوماسية لإنهاء التصعيد، فقد يتحول هذا التعاون إلى عنصر استقرار إقليمي.
أما إذا اتسعت المهمة إلى حرب بلا أهداف محددة أو نهاية واضحة، فإن المخاطر قد تطغى على المكاسب المرجوة.
والرسالة التي أعتقد أن المرحلة تستوجبها واضحة: لن يحمي الأمن العربي إلا تعاون عربي مسؤول، ولن تستطيع أي قوة عربية حماية المنطقة إذا استنزفت نفسها في حروب لا تنتهي.
إن مصر والسعودية أمام اختبار حقيقي، ليس لإثبات القدرة على دخول الحرب، وإنما لإثبات القدرة على منع اتساعها وحماية المصالح العربية.
فالقوة الحقيقية ليست في أن نخوض كل حرب، بل في أن نمتلك القدرة على الدفاع عن أنفسنا، ومنع الآخرين من فرض حروبهم علينا.







