الأربعاء، ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦ في ١٠:١١ م

صلاح توفيق يكتب: العالم في دوامة حروب.. والدبلوماسية تصل دائمًا متأخرة

عالم يفاوض تحت النار.. الحروب تتسع والأمم المتحدة تبحث عن مخرج

هناك مشهد يصعب تجاهله ونحن نراقب خريطة العالم في نهاية سبتمبر 2026: كلما اتسعت طاولة الدبلوماسية، اتسعت معها خرائط القتال.وهو عكس المنطق السياسي المتعرف علية وهو عندما تفشل الدبلوماسية تتحرك المدافع 

ففي الوقت الذي يجتمع فية قادة الدول ووزراء الخارجية تحت سقف الأمم المتحدة ويتحدثون عن السلام والأمن والتعاون الدولي، بينما لا تبعد نشرات الأخبار سوى دقائق عن صور الصواريخ والطائرات المسيرة والمدن المدمرة والنازحين.

المشكلة هنا ليست أن العالم يشهد حربًا؛ فالتاريخ الإنساني علي مر العصور  عرف مراحل أكثر دموية. لكن المقلق هو تزامن عدد كبير من الأزمات المسلحة، وتداخلها مع بعضها، وتحول مناطق كاملة إلى ساحات صراع مفتوحة يصعب معرفة أين تنتهي حدود حرب وتبدأ أخرى.

من إثيوبيا إلى السودان.. النار تتسع في أفريقيا

في إثيوبيا، عاد القتال بين القوات الفيدرالية وقوات تيغراي إلى مستويات هي الأخطر منذ انتهاء حرب 2020-2022، وسط توسع المواجهات وتعطل الاتصالات ونزوح مدنيين ومخاوف دولية من انزلاق البلاد مجددًا إلى حرب  أهلية واسعة.

وبجوارها تقريبًا، لا يزال السودان يعيش حربًا مستمرة منذ أبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأصبحت الطائرات المسيرة جزءًا رئيسيًا من المعارك، بينما تتحدث الأمم المتحدة عن دعم أجنبي وشبكات تسليح تغذي الصراع. وقد أشارت لجنة أممية إلى شبكات مرتبطة بالإمارات ودول أخرى يُشتبه في دورها في إمداد الدعم السريع، بينما تنفي الإمارات تقديم دعم عسكري له.

وهنا تظهر واحدة من أخطر سمات المرحلة الحالية: الحروب المحلية لم تعد محلية بالكامل. خلف كثير منها قوى إقليمية ودولية، وأسلحة وأموال ومصالح تتجاوز حدود الدولة التي يدفع سكانها الثمن الدماء من جيوبهم.

الخليج لم يعد بعيدًا عن المواجهة

وفي الشرق الأوسط، تحولت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى حرب إقليمية امتدت آثارها إلى الخليج وطرق التجارة والطاقة.

بدأ الصراع الحالي بضربات أمريكية وإسرائيلية على إيران في فبراير، ثم ردت طهران بضربات على مصالح وحلفاء للولايات المتحدة في الخليج، وأصبح مضيق هرمز أحد أهم أوراق الصراع، مع ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب حركة السفن. 

وفي اليمن، عاد التصعيد بقوة، مع هجمات حوثية بالصواريخ والطائرات المسيرة على السعودية، وردود عسكرية سعودية ويمنية، بينما تسبب تجدد القتال في نزوح أكثر من مئة ألف شخص خلال أسابيع.

المفارقة أن الخليج، الذي كان يُنظر إليه لسنوات باعتباره أحد أكثر أجزاء الشرق الأوسط استقرارًا اقتصاديًا، أصبح اليوم يعيد حساباته الأمنية ومسارات طيرانه وشحناته النفطية بسبب اتساع دائرة الحرب.

غزة وسوريا ولبنان.. أزمات فوق أزمات

وفي غزة، لا تعني كلمة «وقف إطلاق النار» بالضرورة توقف سقوط الضحايا؛ فقد شهد القطاع ضربات إسرائيلية جديدة خلال سبتمبر، بينما لا يزال ملايين السكان يعيشون وسط دمار واسع وتأخر في إعادة الإعمار. 

وفي سوريا، تستمر العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الجنوب السوري. وحذرت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة هذا الشهر من أن بعض الممارسات الإسرائيلية، بما فيها عمليات التوغل والاعتقال، قد ترقى إلى جرائم حرب، وهو تقييم رفضته إسرائيل، التي تقول إن وجودها مؤقت ومرتبط بأمن حدودها. 

وفي لبنان، تستمر تداعيات الحرب مع إسرائيل والنزوح المرتبط بها، فيما يحاول البلد في الوقت نفسه التعامل مع أزمته الاقتصادية المزمنة. 

أي إن المنطقة لا تواجه أزمة واحدة، بل طبقات من الأزمات فوق بعضها: أمن، وحروب، وطاقة، واقتصاد، ونزوح والرابط الاوضح  بين كل هذه الصراعات هو وجود اسرائيل في كل منها بطريقة ما

ليبيا.. لا حرب شاملة ولا سلام مستقر

أما ليبيا فتقدم نموذجًا مختلفًا للفوضى.

ليست هناك اليوم حرب شاملة كتلك التي شهدتها البلاد في سنوات سابقة، لكن الدولة ما زالت منقسمة بين سلطات متنافسة، والجماعات المسلحة ما زالت قادرة على تعطيل منشآت حيوية؛ ففي سبتمبر أغلقت مجموعة مسلحة أحد صمامات خط أنابيب حقل الشرارة، ما أدى إلى تراجع إنتاج أحد أكبر الحقول النفطية في البلاد. 

إنها حالة لا يمكن وصفها بالحرب الكاملة، لكنها أيضًا بعيدة عن معنى الدولة المستقرة.

وأوكرانيا لا تزال تحترق

بعيدًا عن الشرق الأوسط وأفريقيا، تستمر الحرب الروسية الأوكرانية التي بدأت بالغزو الروسي الشامل في فبراير 2022.

وفي 30 سبتمبر وحده تعرضت البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا لهجوم واسع بالصواريخ والطائرات المسيرة، فيما امتدت تداعيات النشاط العسكري إلى دول مجاورة واضطرت دول في المنطقة إلى رفع جاهزية طائراتها العسكرية.

وهكذا، بعد أكثر من أربع سنوات، لم تعد المسألة مجرد حرب تبحث عن نهاية قريبة، وإنما صراع طويل يعيد تشكيل أمن أوروبا وعلاقتها بروسيا.

ثم يظهر «مضيق ترامب»

وسط كل هذه الدماء والأزمات، يصبح المشهد أكثر غرابة عندما تتداخل السياسة مع الاستعراض الإعلامي.

ففي ذروة الخلاف حول مضيق هرمز، نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إشارات ساخرة إلى الممر الاستراتيجي مستخدمًا تسمية «مضيق ترامب»، في وقت كانت فيه واشنطن وطهران تتفاوضان بصورة غير مباشرة على إعادة فتح المضيق ووقف التصعيد.

يمكن النظر إلى الأمر باعتباره جزءًا من أسلوب ترامب السياسي والإعلامي، لكن المشهد يختصر شيئًا أكبر: ممر بحري تمر عبره نسبة ضخمة من تجارة الطاقة العالمية أصبح مادة للمساومة العسكرية والسياسية بل وحتى للشعارات الشخصية. التي لاتخلو من الهزل الفاضح

الجميع يتحدث عن السلام.. والجميع يستعد لجولة أخرى

وهنا تظهر المفارقة الأكثر وضوحًا.

واشنطن وطهران تتبادلان المقترحات عبر وسطاء قطريين، وفي الوقت نفسه تستعدان لاحتمال استئناف المواجهة.

الأطراف المتحاربة في السودان تتلقى مبادرات لوقف إطلاق النار بينما تستمر العمليات العسكرية. 

وفي أوكرانيا يستمر الحديث عن تفاوض محتمل بينما تتعرض البنية التحتية للقصف.

الدبلوماسية موجودة، لكنها في كثير من الملفات تبدو وكأنها تتحرك خلف الحرب بدل أن تسبقها.

والأمم المتحدة في قلب المفارقة

ربما كان أكثر مشاهد هذه المرحلة تعبيرًا عن الأزمة هو اجتماع قادة العالم في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

نفس الدول التي تختلف حول الحروب والعقوبات والأسلحة والنفوذ تجلس داخل قاعة واحدة وتتحدث عن القانون الدولي والسلام وميثاق الأمم المتحدة.

منشير هنا الي  مراجعة وزكالة  رويترز لأسبوع الجمعية العامة الأخير إلى أن النشاط الدبلوماسي كان مكثفًا، من إيران وأوكرانيا إلى السودان، لكن من دون اختراقات كبيرة في الأزمات الرئيسية. لسبب بسيط ان صوت المافع والطائرات ذو طنين اعلي وأقوي 

وهنا لا تكمن المشكلة في وجود الأمم المتحدة نفسها؛ فغياب قنوات الحوار سيكون أكثر خطورة. المشكلة أن الهوة تبدو آخذة في الاتساع بين لغة المؤسسات الدولية وما يحدث على الأرض.

ليست المشكلة أن العالم في حرب واحدة

ربما تكون العبارة الأدق سياسيا  أن العالم لا يخوض «حربًا عالمية» واحدة، لكنه أصبح يعيش داخل شبكة من الحروب المترابطة.

السلاح يتحرك من دولة إلى أخرى، والطائرات المسيرة تنتقل تقنياتها بين ساحات القتال، والطاقة تتحول إلى وسيلة ضغط، والممرات البحرية تصبح أدوات تفاوض، والحروب المحلية تتحول سريعًا إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية او البحث عن نفوذ اقليمي

ومع كل أزمة جديدة، ترتفع احتمالات أن يؤدي خطأ صغير أو ضربة غير محسوبة أو سوء تقدير إلى توسيع الصراع.

عالم لا يعاني نقص الاجتماعات.. بل نقص القدرة على إيقاف الحرب

قد يكون هذا هو جوهر اللحظة الحالية.

العالم لا يعاني نقصًا في المؤتمرات أو القمم أو البيانات أو الوسطاء. لدينا الأمم المتحدة ومجلس الأمن وعشرات المؤسسات الدولية وآلاف الدبلوماسيين.

لكن عدد الحروب المستمرة يكشف أن وجود آليات للحوار لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة السياسية على فرض التسويات.

ومن هنا يأتي الإحساس بالفوضى: دول تتحدث عن السلام صباحًا، وتستعد لجولة عسكرية جديدة مساءً؛ وأسواق تترقب الصواريخ لمعرفة سعر النفط؛ وطائرات مدنية تغير مساراتها بسبب الحروب؛ وملايين المدنيين يعيشون حياتهم وفق خرائط الخطر لا خرائط الدول.

ليس السؤال الحقيقي إذن: هل العالم يمر بمرحلة صعبة؟

السؤال الأكثر أهمية هو: هل ما نشاهده موجة أزمات يمكن احتواؤها، أم أن إدارة الصراع بدل حله أصبحت هي الوضع الطبيعي الجديد للنظام الدولي؟

عاجل
مصرع «كوتا» في مواجهة نارية مع الشرطة بقرية ونينة في سوهاج * دماء داخل قمرة القيادة.. كيف نجا ركاب رحلة فلاي دبي قبل الهبوط في السعودية؟ * صلاح توفيق يكتب: العالم في دوامة حروب.. والدبلوماسية تصل دائمًا متأخرة * نصف أم الحلقة 2.. مواجهة بين زينب وعائلة ألتاي بسبب إيجه * تهديد وتشويه سمعة مقابل المال.. سقوط مبتز فتيات بكفر الشيخ * من لاليبيلا إلى أديس أبابا.. تفاصيل إجلاء الإسرائيليين من إثيوبيا * النفس المطمئنة على نتفليكس.. قصة حب قديمة تتحول إلى رحلة من الغموض * من السعودية إلى الأردن والعراق وإيران.. خريطة التحذيرات الأوروبية الجديدة للطيران * رسوم تراخيص السيارات بعد التخفيض.. التفاصيل الكاملة وموعد التطبيق * العراق بعد القوات الأمريكية.. صراع بين فرحة السيادة ومخاوف نفوذ الفصائل * «كنا على بعد خطوة من كارثة».. روايات جديدة عن حادث فلاي دبي * انهيار منجم ذهب في اليمن يقتل 6 أشخاص ويحاصر 14 آخرين * القصة الكاملة لهبوط رحلة دبي تل أبيب في الأراضي السعودية * دعوى قضائية تطالب بمراجعة قيد غير المصريين وتراخيص مزاولة الهندسة * خلف الزناتي: المعلم شريك أساسي في بناء وعي الطلاب ومواجهة الشائعات * «اللاهوت المعمدانية» تفتتح فرعًا متخصصًا بالمنيا لتأهيل كوادر لخدمة ذوي الهمم *