الشرق الأوسط الجديد على أنقاض العرب.. هل تدير واشنطن وإسرائيل الفوضى ليقضي الجميع على الجميع؟
من فلسطين ولبنان وسوريا إلى السودان واليمن والسعودية والقرن الأفريقي.. هل تتحول الحروب والصراعات العربية إلى أدوات لإعادة رسم خرائط النفوذ والثروة، بينما يدفع العرب ثمن استنزاف قدراتهم بأيديهم؟
لم يعد السؤال الأكثر إلحاحًا في المنطقة العربية هو: أين ستندلع الحرب المقبلة؟ بل أصبح السؤال الأخطر: من المستفيد من استمرار الحروب، ومن يملك القدرة على تحويل الفوضى إلى نفوذ سياسي وعسكري واقتصادي؟
فالمشهد الممتد من فلسطين ولبنان وسوريا إلى السودان واليمن والقرن الأفريقي يطرح تساؤلات مشروعة بشأن مستقبل المنطقة، بعدما تحولت الصراعات المسلحة والانقسامات الداخلية والتدخلات الخارجية إلى عوامل متشابكة تستنزف قدرات دولها، وتضعف مؤسساتها، وتجعل قرارها السياسي أكثر عرضة لضغوط القوى الدولية والإقليمية.
وفي قراءة تحليلية لهذا المشهد الصاخب بأصوات المدافع ، تبرز فرضية تستحق النقاش الجاد: هل تتحول إدارة الصراعات واستثمار نتائجها إلى وسيلة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، على نحو يمنح إسرائيل تفوقًا استراتيجيًا أوسع، ويعزز نفوذ الولايات المتحدة وحلفائها على حساب استقلال القرار العربي؟
قد لا تتوافر أدلة قاطعة على وجود خطة واحدة تدير جميع الحروب من مركز موحد، لكن تكرار النتائج المتشابهة، واتساع دوائر الاستنزاف، يستوجبان قراءة المصالح التي تتحرك وراء الأحداث، بدل الاكتفاء بالنظر إلى كل أزمة باعتبارها واقعة منفصلة.

إدارة الفوضى.. عندما يصبح إنهاك الدول أكثر فاعلية من احتلالها
ليست السيطرة على الدول مرهونة دائمًا باحتلال أراضيها أو إسقاط أنظمتها بالقوة العسكرية المباشرة.
ففي العلاقات الدولية، قد يتحقق النفوذ أيضًا عبر إضعاف مؤسسات الدول، واستنزاف مواردها، وتعميق الانقسامات داخل مجتمعاتها، بحيث تصبح عاجزة عن اتخاذ قرارات استراتيجية مستقلة دون الحاجة إلى ضغوط خارجية مستمرة.
وتقوم الفرضية التي يناقشها هذا المقال على أن القوى الكبرى تستطيع استثمار النزاعات القائمة وإعادة توجيه نتائجها لخدمة مصالحها، حتى عندما لا تكون مسؤولة عن إشعالها منذ البداية.
هل المطلوب أن يدخل الجميع في صراع مع الجميع؟
هنا تكمن الخطورة الحقيقية.
فعندما تنشغل الدول العربية بمواجهات مفتوحة، أو تدخل في صراعات بالوكالة، أو تتحول الخلافات السياسية بينها إلى استنزاف اقتصادي وعسكري، تتراجع قدرتها الجماعية على مواجهة التحديات الكبرى.
والنتيجة المحتملة ليست مجرد إضعاف دولة بعينها، بل إنهاك البيئة الإقليمية بأكملها.
دولة تستنزف مواردها في الحرب، وأخرى تنشغل بحماية حدودها، وثالثة تبحث عن دعم خارجي لمواجهة خصومها، ورابعة تعجز عن استثمار ثرواتها بسبب الانقسام الداخلي.
وفي نهاية هذه الدائرة، قد لا يحتاج المستفيد الأكبر إلى خوض كل المعارك بنفسه، ما دام خصومه يستنزفون قدراتهم في مواجهات متبادلة.
وكأن الرسالة غير المكتوبة للجميع: «خلّصوا على بعضكم بأنفسكم، واتركوا لنا إعادة ترتيب المنطقة بعد أن تنتهي قوتكم».
هذه العبارة ليست تصريحًا رسميًا من أي طرف، وإنما تلخيص سياسي قاسٍ لما قد تفضي إليه حالة الاستنزاف الجماعي.
الشرق الأوسط الجديد.. مشروع سياسي قديم يعود في ظروف أكثر خطورة
لم بكن تعبير «الشرق الأوسط الجديد» وليد التطورات الراهنة بل مخطط امريكي يختفي وسرعان مايظهر مرة اخري .
فقد طرحت الولايات المتحدة عام 2004 مبادرة الشرق الأوسط الكبير وشمال أفريقيا، باعتبارها إطارًا للإصلاح السياسي والاقتصادي وتعزيز المشاركة والتنمية.
وللتذكرة انه خلال حرب لبنان عام 2006، استخدمت وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك كوندوليزا رايس تعبيرًا يشير إلى مخاض ولادة شرق أوسط جديد، في سياق الحديث عن التغيرات العنيفة التي كانت تشهدها المنطقة.
ورغم اختلاف السياقات والأهداف المعلنة لهذه الطروحات، فإنها تعكس حضور فكرة إعادة تشكيل الترتيبات الإقليمية في التفكير الاستراتيجي الأمريكي القائم علي حماية دولة الاحتلال وتوسعها.
لكن التحليل المهني يقتضي التمييز بين المبادرات السياسية المعلنة وبين الادعاء بوجود خطة سرية موحدة لتفجير الصراعات؛ إذ لا يكفي تشابه النتائج لإثبات وحدة التخطيط.
هل يولد الشرق الأوسط الجديد من قوة العرب أم من ضعفهم؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار والرأي العام العربي.
فإعادة تشكيل المنطقة يمكن أن تحدث عبر التعاون الاقتصادي والتسويات السياسية وبناء منظومة أمن إقليمي متوازنة، كما يمكن أن تحدث في ظروف الحروب والانقسامات واختلال موازين القوة.
والفارق بين المسارين هائل.
ففي الحالة الأولى، تشارك الدول العربية في صياغة مستقبلها باعتبارها أطرافًا فاعلة.
أما في الحالة الثانية، فإن الدول المنهكة قد تجد نفسها أمام ترتيبات أمنية وسياسية واقتصادية لم تكن صاحبة الدور الأكبر في وضعها.
إسرائيل واستثمار الفراغ الاستراتيجي في المنطقة العربية
لا يمكن مناقشة إعادة تشكيل الشرق الأوسط دون التوقف عند السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وجبهتي لبنان وسوريا.
فقد خلصت محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الصادر في يوليو 2024، إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، كما تناولت السياسات الاستيطانية والضم واستغلال الموارد الطبيعية.
وفي سوريا، سجلت قوات الأمم المتحدة المعنية بمراقبة فض الاشتباك انتهاكات إسرائيلية لاتفاق عام 1974، عقب تحركات عسكرية داخل منطقة الفصل.
أما في لبنان، فقد حذرت الأمم المتحدة من أن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب بعد المواعيد المحددة للانسحاب يمثل مخالفة للترتيبات والالتزامات الدولية ذات الصلة.
وتبرر إسرائيل جانبًا من هذه التحركات باعتبارات أمنية وحماية حدودها ومواطنيها، لكن هذه المبررات لا تلغي التساؤلات القانونية والسياسية بشأن السيادة والاحتلال والتوسع العسكري.
كيف تستفيد إسرائيل من ضعف محيطها؟
من منظور موازين القوى، فإن تفكك القدرات الإقليمية المحيطة بإسرائيل، أو انشغالها بأزمات داخلية طويلة، قد يمنحها هامش حركة عسكريًا وسياسيًا أوسع.
فكلما تراجعت قدرة الدول على حماية سيادتها، ازدادت صعوبة بناء موقف إقليمي قادر على منع فرض الوقائع بالقوة.
وهنا يصبح السؤال عن المشروع الإسرائيلي المستقبلي مشروعًا، خاصة في ظل استمرار الاحتلال والاستيطان والتوترات الحدودية.
السودان والقرن الأفريقي.. لماذا تمتد الصراعات إلى بوابات البحر الأحمر؟
قد يبدو للبعض أن الأحداث الجارية في السودان والقرن الأفريقي بعيدة عن قضية فلسطين أو التوازنات الأمنية في المشرق العربي.
لكن الجغرافيا الاستراتيجية تقول غير ذلك.
فالبحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن تمثل حلقات وصل حيوية بين التجارة الدولية وأمن الطاقة والموانئ وسلاسل الإمداد، فضلًا عن ارتباطها المباشر بأمن مصر ودول الخليج والقرن الأفريقي.
وتكشف الحرب في السودان، إلى جانب التوترات الإقليمية المحيطة بالموانئ والمنافذ البحرية، كيف يمكن للصراعات الداخلية أن تفتح المجال أمام تنافس خارجي على النفوذ والموارد وخطوط التجارة.
هل تصبح الموانئ والثروات جزءًا من صراع النفوذ؟
عندما تضعف الدولة المركزية، يصبح التحكم في الموانئ والممرات البحرية ومصادر الطاقة والمعادن أكثر عرضة للمساومات والنزاعات.
وقد تتداخل المصالح الاقتصادية مع التمويل العسكري والتحالفات السياسية، فتتشكل شبكات تستفيد من استمرار الصراع بدل العمل على إنهائه.
وهنا لا تقتصر الخسائر على الأموال أو البنية التحتية، بل تمتد إلى استقلال القرار الوطني وقدرة الدولة على إدارة ثرواتها لمصلحة مواطنيها.
وليس من الدقة اختزال جميع أزمات القرن الأفريقي في تحرك أمريكي أو إسرائيلي واحد؛ فهناك فاعلون محليون وإقليميون ودوليون متعددون، ولكل منهم مصالحه وحساباته التي تخدم مشروع ادارة الفوضي بعلم وبدون علم .
لكن تعدد الأطراف لا يقلل من خطورة النتيجة: منطقة واسعة تتراجع قدرتها على التحكم في مواردها كلما ازدادت انقساماتها.
الثروات العربية.. الوجه الاقتصادي لصراعات تبدو سياسية وعسكرية
من الخطأ الاعتقاد بأن الصراع على الشرق الأوسط يقتصر على الحدود والنفوذ العسكري.
فالمنطقة تمتلك احتياطيات كبيرة من النفط والغاز، وتتحكم في ممرات استراتيجية للتجارة الدولية، وتضم أسواقًا ضخمة وموارد بشرية واقتصادية مؤثرة.
ومن ثم، فإن إضعاف الدول المنتجة أو المطلة على الممرات البحرية قد يفتح فرصًا لإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي، والتحكم في مسارات الاستثمار والتجارة، وزيادة اعتماد الدول المتضررة على القوى الخارجية.
من يربح عندما تتحول موارد الدول إلى وقود للحروب؟
في أوقات الاستقرار، تستطيع الدول توجيه مواردها إلى التعليم والصناعة والطاقة والبنية التحتية.
أما في أوقات الحروب الطويلة، فتتجه أولوياتها إلى شراء السلاح، وتمويل العمليات العسكرية، وإصلاح ما دمرته المعارك، ومواجهة أزمات النزوح والغذاء والطاقة.
وتتضاعف الخسارة عندما تتحول الثروات الطبيعية نفسها إلى مصدر لتمويل الصراع أو غنيمة تتنافس عليها الأطراف المسلحة.
وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة تحديدًا، تناولت محكمة العدل الدولية مسألة استغلال إسرائيل للموارد الطبيعية بما يتعارض مع التزاماتها بموجب القانون الدولي..
الخطر الأكبر.. أن يتولى العرب استنزاف بعضهم بدل مواجهة أسباب أزماتهم
ليست المأساة في امتلاك القوى الدولية والإقليمية مشروعات ومصالح؛ فهذا من طبيعة السياسة الدولية.
المأساة الحقيقية تبدأ عندما تفشل دول المنطقة في إدارة خلافاتها، وتسمح بتحولها إلى صراعات مفتوحة تستنزف الجميع.
فكل مواجهة عربية جديدة لا تضعف طرفًا واحدًا فقط، بل قد تستنزف فرص التكامل الاقتصادي، وتعرقل مشروعات التنمية، وتزيد الارتهان للسلاح والدعم الخارجي.
وبهذا المعنى، لا تحتاج سياسة استثمار الفوضى إلى نجاح دائم في إشعال الحروب، إذا كانت الأطراف المحلية مستعدة للاستمرار فيها دون أفق سياسي.
هل أصبح إضعاف المنطقة شرطًا لإعادة تشكيلها؟
يمكن طرح هذا الاحتمال باعتباره قراءة نقدية للنتائج والمصالح فأدارة الفوضي التي تحدث في المنطقة تستوجب تعتمد علي اساسا أن المنطقة الضعيفة والمنقسمة تكون أقل قدرة على التفاوض، وأكثر تأثرًا بالضغوط الخارجية، وأضعف في حماية حدودها وثرواتها.
أما إثبات أن هذا الضعف هدف مخطط ومتكامل وراء كل أزمة، فيستلزم أدلة محددة على القرارات والتمويل والتنسيق، لا مجرد الربط بين أحداث متباعدة.
وهذا التمييز لا يضعف النقد السياسي، بل يجعله أكثر صلابة وقدرة على الإقناع.
كيف يواجه العرب معادلة الفوضى والاستنزاف؟
إن مواجهة هذه المخاطر لا تبدأ بالبحث عن عدو خارجي في كل أزمة، وإنما ببناء قدرة عربية حقيقية على منع تحول الخلافات إلى حروب.
ويستلزم ذلك معالجة أسباب النزاعات الداخلية، واحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وتجفيف مصادر تمويل الصراعات المسلحة، وتفعيل الدبلوماسية الإقليمية، وبناء تعاون اقتصادي وأمني يحمي المصالح المشتركة.
كما يتطلب موقفًا واضحًا من رفض الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وحماية الحقوق الفلسطينية، ودعم مؤسسات الدول الوطنية بدل تكريس الانقسام أو منح المجموعات المسلحة دورًا بديلًا عن الدولة.
فالاستقلال الحقيقي لا يتحقق بالشعارات وحدها، وإنما بالاقتصاد القوي، والمؤسسات المستقرة، والقدرة على اتخاذ القرار دون ارتهان للخارج.
لا تمنحوا الآخرين فرصة إعادة رسم المنطقة على أنقاضكم
قد تختلف التفسيرات بشأن ما إذا كانت الفوضى الحالية نتاج مشروع مدروس، أم حصيلة تراكمات تاريخية وصراعات داخلية وتنافس دولي وإقليمي متعدد الأطراف.
لكن الاختلاف في تفسير الأسباب لا يغير خطورة النتائج.
فالمنطقة العربية تواجه خطرًا يتجاوز حدود الصراعات القائمة، ويتمثل في أن يؤدي استمرار الاستنزاف إلى إعادة تشكيل توازناتها السياسية والأمنية والاقتصادية بينما تتراجع قدرة دولها على التأثير في مستقبلها.
وفي تقديري، فإن أخطر سيناريو لا يتمثل في أن تفرض قوة خارجية مشروع الشرق الأوسط الجديد بالقوة وحدها، بل أن تصبح الانقسامات العربية نفسها الأداة التي تجعل فرضه ممكنًا.
حينها لن تكون القضية من انتصر في حرب محلية أو من خسر مواجهة حدودية، بل من استطاع الاحتفاظ بدولته وثرواته وقراره المستقل بعدما انتهت الحروب.
وتبقى الرسالة التي ينبغي أن نقرأها قبل فوات الأوان:
«خلّصوا على بعضكم بأنفسكم.. ثم اتركوا لنا الأرض والثروات وقرار المستقبل».
ليست هذه العبارة وثيقة سياسية معلنة، لكنها تحذير من المصير الذي قد تقود إليه الحروب عندما تتحول الخلافات إلى استنزاف لا ينتهي.
فالشرق الأوسط الذي يصنعه العرب بإرادتهم سيكون مختلفًا تمامًا عن شرق أوسط يُعاد تشكيله وهم منشغلون بهدم قدراتهم بأيديهم.






