تصاعدت حدة الجدل السياسي داخل إسرائيل بشأن اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، بعدما وجه غادي آيزنكوت، رئيس حزب «يشار» الإسرائيلي المعارض ورئيس الأركان الأسبق، اتهامات مباشرة إلى حكومة بنيامين نتنياهو بتوفير غطاء لما وصفه بـ«الإرهاب اليهودي»، وذلك عقب تعرض وفد دبلوماسي أوروبي لهجوم نفذه مستوطنون قرب مدينة رام الله.
وتزامنت هذه التطورات مع تصريحات لافتة للرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، أكد فيها أن إسرائيل استولت على أراضٍ كانت مملوكة لآخرين، وانتقد اعتمادها على التفوق العسكري لفرض واقع سياسي على الفلسطينيين، في مواقف أثارت ردًا غاضبًا من نتنياهو وأعادت ملف الاستيطان والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية إلى واجهة النقاش الدولي.
آيزنكوت يتهم حكومة نتنياهو برعاية «الإرهاب اليهودي»
وجّه غادي آيزنكوت، السبت 17 أكتوبر 2026، انتقادات حادة إلى الحكومة الإسرائيلية بعد الهجمات التي تعرض لها مواطنون أجانب ودبلوماسيون في الضفة الغربية.
وقال رئيس حزب «يشار»، في منشور عبر منصة «إكس»، إن مجموعات من الخارجين العنيفين عن القانون هاجمت مواطنين أجانب مرتين خلال يوم واحد، مشيرًا إلى أن الهجوم الأخير طال دبلوماسيين ومسؤولين رسميين.
واستخدم آيزنكوت وصف «الإرهاب اليهودي برعاية حكومة إسرائيل»، محملًا السلطات الإسرائيلية مسؤولية السماح باستمرار الاعتداءات.
واعتبر أن ما يجري يمثل كارثة سياسية وأمنية، محذرًا من أن أعمال العنف تقوض الشرعية الدولية لإسرائيل، وتعرّض قوات الأمن للخطر، وتضر بأمن الدولة وبالمستوطنات نفسها.
تحذير من فقدان الشرعية الدولية
لم تتوقف انتقادات آيزنكوت عند إدانة المهاجمين، بل امتدت إلى تحميل القيادة السياسية مسؤولية التعامل مع ظاهرة العنف المتكرر.
وقال إن مجموعة صغيرة من المجرمين تبدد ما تبقى من الشرعية التي تتمتع بها إسرائيل، مشددًا على أنه لن يستطيع أي مسؤول الادعاء لاحقًا بأنه لم يتلق تحذيرات بشأن خطورة الوضع.
وتعكس تصريحات آيزنكوت تصاعد الخلاف داخل الساحة السياسية الإسرائيلية بشأن التعامل مع اعتداءات المستوطنين، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية للمطالبة بتوفير الحماية للمدنيين الفلسطينيين والوفود الأجنبية.
تفاصيل اعتداء المستوطنين على دبلوماسيين أوروبيين في رام الله
جاءت تصريحات آيزنكوت بعد تعرض وفد أوروبي لهجوم قرب قرية الطيبة شرق رام الله، أثناء مشاركته في زيارة مرتبطة بموسم قطف الزيتون.
وضم الوفد دبلوماسيين من بلجيكا وفرنسا وبولندا، إلى جانب ممثلين دينيين ومسؤولين محليين أوروبيين.
وبحسب تصريحات نقلتها وكالة رويترز، هاجم مستوطنون ملثمون المشاركين في الزيارة، وتعرض رئيس بلدية فرنسي لاعتداء جسدي أدى إلى سقوطه أرضًا، فيما تعرضت مركبة دبلوماسية بلجيكية لأضرار.
وأثار الهجوم موجة إدانات دولية، خصوصًا أن الاعتداء لم يقتصر على المزارعين الفلسطينيين، بل طال ممثلين رسميين لدول أوروبية.
بلجيكا تطالب بمحاسبة المعتدين
أدان وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو الهجوم، مؤكدًا أن على السلطات الإسرائيلية حماية الفلسطينيين والدبلوماسيين والصحفيين في الأراضي المحتلة.
كما أعلن أن بلاده ستواصل المطالبة بفرض عقوبات أوروبية على المسؤولين عن أعمال العنف والداعمين لها.
وفي المقابل، أعلنت الشرطة الإسرائيلية فتح تحقيق في الواقعة، بينما أدان وزير الخارجية جدعون ساعر الاعتداء، لكنه أشار إلى أن التنسيق المسبق مع الجيش كان يمكن أن يساعد في حماية الوفد.
اعتداء على مصورة واشنطن بوست يزيد الانتقادات
لم تكن واقعة الدبلوماسيين الحادث الوحيد الذي أثار الغضب خلال الساعات الماضية.
فقد تعرضت المصورة الصحفية الأمريكية هايدي ليفين، العاملة لدى صحيفة واشنطن بوست، لاعتداء خلال تغطيتها موسم قطف الزيتون في قرية أبو فلاح شمال شرقي رام الله، يوم الجمعة 16 أكتوبر.
وأصيبت ليفين بجروح وكسور استدعت نقلها إلى المستشفى وإجراء تدخل جراحي.
وقالت الصحفية إن مجموعة من المستوطنين هاجمتها واستولت على معدات تصويرها ومقتنيات شخصية، كما اتهمت جنودًا إسرائيليين بعدم التدخل لحمايتها.
وجاءت هذه الواقعة قبل الهجوم على الوفد الدبلوماسي، ما زاد الاهتمام الدولي بتكرار الاعتداءات خلال موسم قطف الزيتون.
أوباما يعيد فتح ملف الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية
بالتزامن مع تصاعد الجدل حول اعتداءات المستوطنين، أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما بشأن الأراضي الفلسطينية ردود فعل واسعة.
وكان أوباما قد تحدث يوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 خلال فعالية في مدينة بلفاست بأيرلندا الشمالية، ضمن زيارة حصل خلالها على الدكتوراه الفخرية من جامعة كوينز.
وتناول خلال حوار مع الصحفية سوزان ماكاي جذور الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والظروف التاريخية التي صاحبت تأسيس إسرائيل، والتداعيات الإنسانية والسياسية للصراع المستمر.
وأوضح أوباما أن اليهود تعرضوا عبر التاريخ للاضطهاد والتمييز والقتل، خاصة في أوروبا، وأن البحث عن ملاذ آمن كان مفهومًا في هذا السياق.
لكنه أكد في المقابل أن ذلك لا يلغي حقيقة الاستيلاء على أراضٍ كانت في حيازة آخرين، ولا ينفي ما تعرض له الفلسطينيون من ظلم.
ماذا قال أوباما عن أراضي الفلسطينيين؟
قال الرئيس الأمريكي الأسبق إن الإسرائيليين أخذوا أراضي من آخرين وتجاوزوا الحدود في ذلك، معتبرًا أن اعتراض الفلسطينيين ومطالبتهم باستعادة أراضيهم رد فعل مفهوم على ما تعرضوا له.
وحذر من أن الاعتماد على التفوق العسكري والتكنولوجي لفرض شروط على الفلسطينيين، دون تقديم تنازلات أو معالجة المظالم التاريخية، قد يحقق مكاسب قصيرة الأمد لكنه لا يصنع سلامًا مستدامًا.
كما أشار إلى أنه سبق أن ناقش مع نتنياهو، خلال فترة رئاسته للولايات المتحدة، مسؤولية الطرف الأقوى عن المساهمة في كسر دائرة الصراع.
وتعيد هذه التصريحات تسليط الضوء على العلاقة بين الاستيلاء على الأراضي، والتوسع الاستيطاني، ومستقبل التسوية السياسية.
نتنياهو يرد على أوباما: أرضنا ليست مسروقة
لم تتأخر الحكومة الإسرائيلية في الرد على تصريحات أوباما.
فقد نشر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الجمعة 16 أكتوبر، مقطعًا مصورًا رفض فيه اتهام إسرائيل بالاستيلاء على أراضي الفلسطينيين، واعتبر تصريحات الرئيس الأمريكي الأسبق مؤسفة.
وأكد نتنياهو أن اليهود ليسوا قوة أجنبية محتلة في أرض أجدادهم، مستندًا إلى الروابط التاريخية والدينية التي تربط الشعب اليهودي بالمنطقة.
كما رفض وصف التاريخ الإسرائيلي بالمشروع الاستعماري، معتبرًا أن الأرض تمثل وطنًا تاريخيًا لليهود.
ويكشف هذا السجال عن استمرار الخلاف بين أوباما ونتنياهو بشأن تفسير جذور الصراع، ومسؤولية إسرائيل عن استمرار الاحتلال، والسبل اللازمة للوصول إلى تسوية سياسية.
الاستيطان الإسرائيلي.. ماذا يقول القانون الدولي عن أراضي فلسطين؟
تكتسب تصريحات أوباما أهمية إضافية عند النظر إلى الموقف القانوني الدولي من الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967.
ففي 23 ديسمبر 2016، اعتمد مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2334، الذي أكد أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، لا تتمتع بأي شرعية قانونية، وتمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي.
وطالب القرار إسرائيل بوقف الأنشطة الاستيطانية بصورة كاملة، محذرًا من أنها تقوض إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة جغرافيًا.
واللافت أن الولايات المتحدة امتنعت عن التصويت على القرار خلال الأسابيع الأخيرة من رئاسة أوباما، ما سمح بتمريره بأغلبية 14 عضوًا في مجلس الأمن.
ويشكل هذا الموقف محطة مهمة في تاريخ العلاقة المتوترة بين إدارة أوباما وحكومة نتنياهو بشأن الاستيطان.

هل يقتصر النزاع على المستوطنات غير المرخصة؟
لا يقتصر الموقف الأممي على المستوطنات التي لا تحمل تراخيص من السلطات الإسرائيلية.
فالقانون الدولي، كما تعكسه قرارات الأمم المتحدة ورأي محكمة العدل الدولية الاستشاري الصادر في يوليو 2024، يتناول النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي المحتلة منذ عام 1967 باعتباره مخالفًا للقانون الدولي.
وفي المقابل، ترفض الحكومات الإسرائيلية هذا التوصيف القانوني أو تنازع في تطبيقه، وتستند إلى حجج تاريخية وأمنية وسياسية.
وتظل هذه المسألة من أبرز نقاط الخلاف بين إسرائيل والمؤسسات الدولية المعنية بالقضية الفلسطينية.
موسم قطف الزيتون يتحول إلى مواجهة على الأرض
تأتي الاعتداءات الأخيرة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى المزارعين الفلسطينيين، إذ يمثل موسم قطف الزيتون مصدر رزق رئيسيًا للعديد من الأسر في الضفة الغربية.
وتشير تقارير حقوقية وإعلامية إلى تعرض مزارعين لهجمات متكررة وقيود على الوصول إلى أراضيهم، خصوصًا في المناطق القريبة من المستوطنات والبؤر الاستيطانية.
ولا تقتصر التداعيات على الخسائر المادية، بل تمتد إلى المخاوف من تعرض الفلسطينيين للتهجير أو فقدان القدرة على استغلال أراضيهم الزراعية.
ويزيد الاعتداء على الصحفيين والدبلوماسيين من حجم الاهتمام الدولي بما يجري، لأنه ينقل آثار العنف إلى أشخاص يؤدون مهامًا صحفية أو دبلوماسية إلى جانب السكان الفلسطينيين.
هل تضع اعتداءات المستوطنين حكومة نتنياهو أمام أزمة دولية جديدة؟
تشير ردود الفعل الأخيرة إلى تزايد الضغوط على الحكومة الإسرائيلية من أكثر من اتجاه.
فداخليًا، يتهم آيزنكوت الحكومة بالتساهل مع عنف المستوطنين وتهديد المصالح الأمنية والسياسية لإسرائيل.
وخارجيًا، تطالب دول أوروبية بمحاسبة المعتدين وحماية البعثات الدبلوماسية، بينما أعادت تصريحات أوباما النقاش بشأن الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية ومسؤولية إسرائيل عن استمرار النزاع.
وفي المقابل، تقول حكومة نتنياهو إنها ترفض الاعتداءات على الدبلوماسيين، وتؤكد ضرورة استكمال التحقيقات قبل تحديد المسؤوليات.
ويبقى التحدي الأساسي في مدى قدرة الإجراءات المعلنة على منع تكرار الاعتداءات ومحاسبة المسؤولين عنها.
اعتداءات الضفة وتصريحات أوباما تعيدان قضية الأرض إلى الواجهة
تكشف التطورات الأخيرة عن ترابط ثلاثة ملفات رئيسية في المشهد الفلسطيني الإسرائيلي: تصاعد عنف المستوطنين، والانقسام السياسي الإسرائيلي بشأن مسؤولية الحكومة، وتجدد النقاش الدولي حول الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية.
فبين اتهام آيزنكوت للحكومة برعاية ما سماه «الإرهاب اليهودي»، وإدانة الهجوم على الدبلوماسيين، وتصريحات أوباما التي أعادت الحديث عن الحقوق التاريخية للفلسطينيين، تبرز أسئلة متجددة حول مستقبل الضفة الغربية وإمكانية حماية سكانها وأراضيها.






