على الرغم من مرور أكثر من عقد على موجة ما سُمّي بـ**«الربيع العربي»، لا تزال تداعيات تلك المرحلة حاضرة بقوة في الوعي السياسي العربي، بوصفها تجربة ارتبطت لدى قطاعات واسعة بـتفكيك الدول، وزعزعة الاستقرار، وتخريب الأوطان** تحت عناوين براقة.
وفي هذا السياق، عاد الجدل مجددًا في السعودية مع انطلاق النسخة الخامسة من منتدى دولي استضاف شخصيات غربية بارزة، أعاد حضورها فتح حسابات سياسية قديمة مرتبطة بدور تلك الأسماء في مرحلة الربيع العربي، وما خلّفته من فوضى في عدد من الدول العربية.
حكمة سياسية سعودية: الغضب بلا رضا
يروي أحد السياسيين المخضرمين في السعودية أن زعيمًا في البلاد أوصى رجاله ذات يوم بتجنب الغضب ما أمكن، لكن إن استُنفدت كل فرص الحِلم، وجاء الغضب حتميًا، فـ«إياك ثم إياك أن ترضى».
وتحوّلت هذه المقولة، بحسب مراقبين، إلى منهج غير معلن في التعامل مع شخصيات ودول امتلكت سجلًا سلبيًا تجاه الرياض، خصوصًا خلال سنوات الاضطراب الإقليمي.
الربيع العربي.. ذاكرة لم تُغلق
فعلى الرغم من انقضاء أعوام على تلك المرحلة، إلا أن حضور شخصيات مثل هيلاري كلينتون و**جون كيري** في منتدى اقتصادي غير سياسي، كان كفيلًا بإعادة استحضار مرحلة إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، التي ارتبط اسمها عربيًا بدعم تحركات أدت إلى انهيارات أمنية واقتصادية في أكثر من دولة.
ورغم أن الحضور جاء في سياق اقتصادي بحت، لا علاقة له رسميًا بالسياسة أو حقوق الإنسان أو المناخ، إلا أن الذاكرة السياسية العربية لم تفصل بين الأشخاص وأدوارهم السابقة.
انتقادات مهنية تخفي غضبًا سياسيًا
علّق رئيس تحرير صحيفة الاقتصادية، الصحفي محمد البيشي، على المشاركة المثيرة للجدل، متسائلًا عن علاقة هؤلاء السياسيين والإعلاميين بمنتدى عقاري، معتبرًا أن الأجدر كان توجيه الدعوة إلى كبار المطورين العقاريين العالميين.
غير أن محللًا اقتصاديًا تحدث لـاندبندنت عربية – طالبًا عدم ذكر اسمه – رأى أن هذا الطرح المهني يخفي خلفه سخطًا سياسيًا مكتومًا تجاه شخصيات غربية ارتبط اسمها بمواقف سلبية من السعودية خلال مراحل سابقة، وخصوصًا إبان الربيع العربي.
«سوء سمعة» وانتهاء الصلاحية
يرى منتقدون أن جزءًا من الاعتراض لا يعود فقط إلى الماضي السياسي، بل إلى أن هذه الشخصيات لم تعد فاعلة سياسيًا، وُصفت من قبل بعض المراقبين بأنها «منتهية الصلاحية»، فضلًا عن غياب أي صلة حقيقية لها بقطاع العقار، لا في السعودية ولا عالميًا.
وبحسب هذا الرأي، فإن حضورها لا يضيف قيمة مهنية أو استراتيجية، مقارنة باستضافة مستثمرين أو خبراء يمتلكون تأثيرًا مباشرًا في صناعة العقار.
لماذا لم يُثر بيل كلينتون الجدل؟
في المقابل، لم تُثر استضافة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون في نسخة سابقة من المنتدى الجدل ذاته، ويُعزى ذلك – وفق متابعين – إلى تاريخه الإيجابي مع دول الخليج خلال فترة رئاسته في نهاية التسعينيات، ما جعله خارج دائرة الاتهام المرتبطة بالربيع العربي.
الاستضافة كأداة قوة ناعمة

من زاوية مختلفة، يرى رجل الأعمال السعودي ناصر العودة أن الاستضافة تُعد إحدى أدوات القوة الناعمة للسعودية، موضحًا أن العالم بات يستخدم المؤتمرات الاقتصادية كمنصات جذب عالمية، عبر استضافة شخصيات مؤثرة لخلق حراك دولي واسع الصدى.
وأشار إلى أن التداخل بين القطاعات بات سمة عالمية، خاصة أن العقار يمثل ركيزة أساسية في الاقتصاد، ما يجعله محل اهتمام سياسيين ورياضيين وفنانين ومؤثرين، وليس حكرًا على المتخصصين فقط.
المنتدى وتحولات الاقتصاد السعودي
أكد المنتدى في جلسته الافتتاحية أنه ينعقد في لحظة فارقة من تطور قطاع العقارات في السعودية، بالتزامن مع دخول قانون تملك غير السعوديين حيز التنفيذ، وهي خطوة استراتيجية تعيد تشكيل علاقة المملكة برؤوس الأموال الدولية، وتعزز الثقة طويلة الأجل في قطاعات العقار والسياحة وأسواق المال.
براغماتية سعودية وإحراج للخصوم
يرى معلقون أن السعودية تتعامل ببراغماتية عالية:
-
لا تنسى من ساهم في فوضى الربيع العربي
-
لكنها في الوقت نفسه لا تُغلق أبوابها أمام العالم
-
وتحوّل الجدل أحيانًا إلى إحراج سياسي لتلك الشخصيات داخل بلدانها
وقد امتد الجدل بالفعل إلى الداخل الأمريكي، حيث وُجهت انتقادات لشخصيات ديمقراطية بالمزايدة والبحث عن الأضواء والصفقات في دول كانت تعاديها سياسيًا، في مؤشر على تراجع نفوذها داخليًا.
رفضًا عربيًا واسعًا لمخططات الربيع العربي
يعكس الجدل الدائر في الرياض رفضًا عربيًا واسعًا لمخططات الربيع العربي التي ارتبطت بتخريب الأوطان، مع تمسك واضح بعدم تكرار التجربة أو تبييض أدوار شخصيات ساهمت فيها.
وفي المقابل، تؤكد السعودية أنها قادرة على الانفتاح دون فقدان الذاكرة، وعلى استخدام أدواتها الناعمة بحكمة، دون التفريط في ثوابتها أو تجاهل دروس الماضي.



