تعود الساحة السياسية العراقية مجددًا إلى مربع الجدل الحاد، مع بروز اسم رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي كمرشح محتمل للعودة إلى رئاسة الحكومة، رغم ما يحمله إرث حكمه السابق من انتكاسات سياسية واقتصادية كبرى لا تزال آثارها ماثلة في الذاكرة العراقية.
التحركات الأخيرة لا تأتي في فراغ، بل تتقاطع مع تحذيرات أمريكية مباشرة، وتصعيد غير مسبوق من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ما ينذر بمرحلة صدام سياسي جديدة، داخليًا وخارجيًا، في بلد لم يتعافَ بعد من أزمات متراكمة.
المالكي يعود إلى المشهد من بوابة التحالف الشيعي
بحسب مصادر سياسية، يستعد نوري المالكي لعودة قوية إلى السلطة، بعد أن أعلن تحالف يضم الكتل السياسية الشيعية، الذي يمتلك الغالبية داخل البرلمان العراقي، اختياره مرشحًا لمنصب رئيس الوزراء مرة أخرى.
القرار فاجأ شريحة واسعة من العراقيين، خاصة أن المالكي لا يزال مرتبطًا في أذهانهم بمرحلة وُصفت بأنها من أكثر الفترات اضطرابًا في تاريخ العراق الحديث.
تحذير ترامب: لا دعم أمريكي في عهد المالكي
في أحدث تدخل مباشر في سياسة دولة أخرى، وجّه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحذيرًا صريحًا للعراق من إعادة المالكي إلى رئاسة الحكومة.
وقال ترامب، في منشور على منصة تروث سوشيال، إن العراق انزلق خلال فترة حكم المالكي السابقة إلى «الفقر والفوضى العارمة»، محذرًا من أن واشنطن لن تقدم أي دعم للعراق إذا عاد المالكي إلى السلطة.
وأضاف ترامب أن سياسات المالكي وأيديولوجياته، على حد وصفه، كانت سببًا مباشرًا في تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية، معتبرًا أن تكرار التجربة سيكون «خطأً فادحًا».
رد المالكي: تدخل سافر وانتهاك للسيادة
في المقابل، رفض نوري المالكي تهديدات ترامب، مؤكدًا في منشور على منصة إكس أن العراق يرفض «رفضًا قاطعًا التدخل الأمريكي السافر في شؤونه الداخلية».
وشدد المالكي على أن لغة الحوار بين الدول يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل، لا على الإملاءات والتهديدات، معتبرًا أن التصريحات الأمريكية تمثل انتهاكًا واضحًا للسيادة العراقية.
إرث حكم مثقل بالانتكاسات
شغل المالكي، القيادي البارز في حزب الدعوة الإسلامية، منصب رئيس الوزراء لفترتين بين عامي 2006 و2014، وهي فترة اتسمت بـ:
-
تصاعد العنف الطائفي
-
توتر العلاقات مع السُّنة والأكراد
-
تدهور الخدمات العامة
-
تفشي الفساد الإداري والمالي
وخلال تلك المرحلة، وُجّهت إليه اتهامات باتباع سياسات إقصائية صبّت في مصلحة الغالبية الشيعية، وأسهمت في تعميق الانقسام المجتمعي.
سقوط الموصل.. نقطة التحول الحاسمة

بلغت الانتكاسات ذروتها عام 2014، حين انهارت قوات الأمن العراقية أمام التقدم السريع لتنظيم داعش، الذي سيطر على مدينة الموصل ومناطق شاسعة، ما يعادل نحو ثلث مساحة العراق آنذاك.
هذا الحدث شكّل نقطة تحول مفصلية، وأدى إلى تعرض المالكي لضغوط غير مسبوقة للتنحي، ليس فقط من خصومه السياسيين، بل من:
-
الولايات المتحدة
-
إيران
-
قيادات سنية
-
المرجعية الشيعية العليا في العراق
محاولات محاسبة لم تكتمل
في عام 2015، دعت لجنة برلمانية عراقية إلى محاكمة المالكي وعشرات من كبار المسؤولين، على خلفية سقوط الموصل بيد داعش.
غير أن هذه الدعوات لم تُترجم إلى إجراءات قضائية حاسمة، ما أبقى الملف مفتوحًا سياسيًا وأخلاقيًا، دون حسم قانوني نهائي.
المالكي بين واشنطن وطهران
تُعد تصريحات ترامب الأخيرة جزءًا من حملة أوسع للحد من نفوذ الجماعات المرتبطة بإيران داخل العراق، في وقت يسعى فيه العراق تقليديًا إلى موازنة علاقاته بين حليفين متناقضين:
واشنطن من جهة، وطهران من جهة أخرى.
ويرى محللون أن عودة المالكي، المعروف بقربه من إيران، قد تُربك هذا التوازن الهش، وتضع بغداد أمام خيارات صعبة سياسيًا واقتصاديًا.

قراءة في المشهد السياسي
تطرح عودة المالكي المحتملة تساؤلات جوهرية حول:
-
مدى استعداد الشارع العراقي لتكرار تجربة مثقلة بالإخفاقات
-
قدرة النظام السياسي على تجاوز منطق إعادة تدوير الوجوه القديمة
-
حجم التأثير الخارجي في اختيار القيادة العراقية المقبلة
وبين التحالفات البرلمانية والضغوط الدولية، يبدو أن العراق مقبل على مرحلة اختبار جديدة قد تعيد فتح جراح الماضي بدل معالجتها.
عودته المحتملة في مسار شديد التعقيد بسبب أرثة السابق في الحكم
رغم محاولات نوري المالكي إعادة بناء نفوذه السياسي، فإن إرث الحكم السابق بما يحمله من انتكاسات أمنية واقتصادية وطائفية، إلى جانب الرفض الأمريكي العلني، يضع عودته المحتملة في مسار شديد التعقيد.
وبين ذاكرة سقوط الموصل وتحذيرات ترامب، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يتحمل العراق تكرار تجربة الماضي، أم أن كلفة العودة ستكون أكبر من أي مكسب سياسي؟


