انتخابات إثيوبيا العامة.. اقتراع تحت ظلال القلق الأمني
تدخل إثيوبيا غدًا الإثنين واحدة من أكثر محطاتها السياسية حساسية، مع انطلاق الانتخابات العامة السابعة في أجواء تفرضها الحسابات الأمنية والضغوط السياسية والاختبارات الداخلية التي تواجه الدولة الأفريقية خلال السنوات الأخيرة. وبين إعلان السلطات جاهزيتها الكاملة لتأمين عملية الاقتراع، تبقى الأنظار متجهة نحو قدرة المؤسسات الإثيوبية على عبور هذا اليوم دون اضطرابات، خاصة في ظل تحديات تتعلق بالأمن، والثقة السياسية، وإدارة التنوع الداخلي، واستقرار المشهد العام.
وأكدت السلطات الإثيوبية انتهاء الاستعدادات الأمنية الخاصة بتأمين الانتخابات، مشددة على أن الأجهزة المعنية جاهزة لتنظيم الاقتراع في أجواء آمنة وسلمية على مستوى البلاد، بينما تتحرك فريق العمل المشتركة للأمن والسلام في سباق مع الوقت لضمان انسيابية العملية الانتخابية منذ فتح صناديق الاقتراع وحتى ما بعد إعلان النتائج.
فريق أمنية مشتركة لتأمين الانتخابات
الشرطة والجيش والمخابرات في حالة استنفار
تتولى فريق العمل المشتركة للأمن والسلام، المكونة من الشرطة الفيدرالية والجيش وجهاز الأمن والمخابرات، تنفيذ خطة أمنية موسعة لتأمين الانتخابات العامة السابعة في إثيوبيا، وسط تنسيق مباشر مع الجهات الانتخابية والإدارية في مختلف المناطق.
وتشمل الترتيبات الأمنية الجاهزية البشرية والتقنية واللوجستية، إلى جانب نشر العناصر المكلفة بتأمين المراكز الانتخابية، وتأمين نقل المواد والمستلزمات الخاصة بالاقتراع، ومتابعة أي محاولات محتملة لتعطيل العملية الانتخابية أو إثارة التوتر في محيط لجان التصويت.
وجاء ذلك خلال اجتماع أمني موسع خُصص لاستعراض مستوى الاستعدادات، بحضور رئيس الأركان الإثيوبي المشير برهانو جولا، ومفوض الشرطة الفيدرالية ديمبلاش جبراميكائيل، وعدد من قادة الأجهزة الأمنية الأخرى.

صعوبات تواجه إثيوبيا قبل يوم الاقتراع
تحديات أمنية وسياسية تضغط على المشهد
رغم الخطاب الرسمي الذي يؤكد الجاهزية الكاملة، فإن الانتخابات الإثيوبية تأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث تواجه البلاد عدة صعوبات قد تؤثر على أجواء الاقتراع، أبرزها الحاجة إلى تأمين مراكز التصويت في مختلف الأقاليم، وضمان مشاركة الناخبين دون خوف، ومنع أي محاولات لاستغلال العملية الانتخابية في إثارة الفوضى أو التشكيك في النتائج.
كما تضع التركيبة الإثنية والسياسية المعقدة في إثيوبيا عبئًا إضافيًا على السلطات، إذ لا تبدو الانتخابات مجرد عملية تصويت تقليدية، بل اختبارًا واسعًا لقدرة الدولة على إدارة التعدد الداخلي والحفاظ على الاستقرار، خاصة في ظل وجود ملفات سياسية وأمنية لم تُغلق آثارها بالكامل.
وتزداد أهمية هذه الانتخابات لأنها تأتي في مرحلة تحتاج فيها أديس أبابا إلى ترسيخ صورة الدولة القادرة على تنظيم استحقاق وطني واسع، مع الحفاظ على الأمن ومنع أي انزلاق قد يعيد التوتر إلى الواجهة.
رئيس الأركان الإثيوبي: أحبطنا مخططات لعرقلة الانتخابات
تحذيرات من محاولات الإخلال بالأمن
قال رئيس أركان الجيش الإثيوبي، المشير برهانو جولا، إن استعدادات فريق العمل المشتركة للأمن والسلام وصلت إلى مستوى عالٍ من الجاهزية، مؤكدًا أن الأجهزة الأمنية نجحت خلال الأيام الماضية في إحباط محاولات ومخططات كانت تستهدف عرقلة سير الانتخابات والإخلال بالأمن والاستقرار.
وأوضح جولا أن الإصلاحات التي شهدتها الشرطة الفيدرالية خلال السنوات الأخيرة ساعدت في رفع كفاءتها وقدرتها على أداء مهامها الوطنية، مشيرًا إلى أن دورها في هذه المرحلة لا يقتصر على حماية المواطنين فقط، بل يمتد إلى ضمان إجراء الانتخابات العامة السابعة بصورة منظمة وسلمية.
وتحمل تصريحات رئيس الأركان رسالة واضحة بأن الدولة تتعامل مع الانتخابات باعتبارها ملفًا أمنيًا وسياسيًا في آن واحد، وأن أي محاولة للتأثير على مسار الاقتراع ستواجه بإجراءات حاسمة.
سيناريوهات الانتخابات الإثيوبية
السيناريو الأول: اقتراع هادئ يعزز موقف الحكومة
السيناريو الأكثر إيجابية بالنسبة للسلطات الإثيوبية يتمثل في مرور يوم التصويت بهدوء، دون اضطرابات واسعة أو حوادث مؤثرة، وهو ما سيمنح الحكومة دفعة سياسية مهمة، ويعزز خطابها بشأن قدرة مؤسسات الدولة على ضبط المشهد وتنظيم الاستحقاقات الكبرى.
في هذا السيناريو، ستسعى أديس أبابا إلى تقديم الانتخابات باعتبارها دليلًا على الاستقرار المؤسسي، ورسالة طمأنة للداخل والخارج بأن الدولة قادرة على إدارة العملية السياسية رغم الضغوط والتحديات.
السيناريو الثاني: توترات محدودة دون تأثير كبير
السيناريو الثاني يتمثل في وقوع توترات محدودة في بعض المناطق، سواء بسبب خلافات محلية أو احتجاجات أو اعتراضات على إجراءات تنظيمية، لكنها لا تصل إلى مستوى تعطيل الانتخابات بشكل عام.
وفي هذه الحالة، ستكون قدرة الأجهزة الأمنية على الاحتواء السريع حاسمة، لأن أي تأخر في التعامل مع الحوادث قد يمنحها زخمًا سياسيًا وإعلاميًا أكبر من حجمها الحقيقي.
السيناريو الثالث: تشكيك سياسي في النتائج
أما السيناريو الأكثر تعقيدًا، فقد يظهر بعد انتهاء التصويت، إذا بدأت أطراف سياسية أو محلية في التشكيك في النتائج أو اتهام السلطات بالتأثير على العملية الانتخابية. وهذا السيناريو قد لا يرتبط بيوم الاقتراع فقط، بل بمرحلة ما بعد إعلان النتائج، وهي غالبًا المرحلة الأكثر حساسية في أي انتخابات تشهد توترًا سياسيًا مسبقًا.
لذلك تبدو فترة ما بعد التصويت بنفس أهمية يوم الاقتراع، إذ ستحتاج السلطات إلى إدارة النتائج بشفافية، وتقديم رسائل طمأنة، وتجنب أي إجراءات قد تزيد من حدة الاستقطاب.
الشرطة الفيدرالية تؤكد اكتمال المراحل الأساسية
تسجيل الناخبين وتوزيع المواد الانتخابية
من جانبه، أكد قائد الشرطة الفيدرالية الإثيوبية، ديمبلاش جبراميكائيل، أن فريق العمل المشتركة للأمن والسلام تعمل بتنسيق وثيق مع المجلس الوطني للانتخابات، من خلال تبادل المعلومات والتواصل المستمر مع الجهات المعنية، إلى جانب تعزيز التعاون مع المواطنين.
وأشار جبراميكائيل إلى أن المراحل الأساسية السابقة ليوم الاقتراع اكتملت بنجاح، بما في ذلك تسجيل الناخبين، وتعيين مسؤولي الانتخابات، وتوزيع المواد والمستلزمات الانتخابية على المراكز المخصصة في مختلف أنحاء البلاد.
وأضاف أن الأجهزة الأمنية وفرت التجهيزات والمعدات اللازمة لضمان استمرار ما تبقى من مراحل العملية الانتخابية دون عراقيل، كما انتهت من تدريب وتأهيل العناصر المكلفة بتأمين الانتخابات ونشرها في المناطق المحددة.
صناديق الاقتراع تفتح أبوابها صباح الإثنين
إجازة رسمية لتسهيل مشاركة الناخبين
أعلنت رئيسة المجلس الوطني للانتخابات في إثيوبيا، مولاتو هايلو، أن صناديق الاقتراع ستفتح أبوابها في تمام الساعة السادسة صباح غدٍ الإثنين بتوقيت إثيوبيا، مع إعلان إجازة رسمية في جميع أنحاء البلاد لتمكين الناخبين من الإدلاء بأصواتهم، باستثناء المؤسسات الخدمية الأساسية التي ستواصل عملها.
وتؤكد هذه الخطوة رغبة السلطات في توسيع المشاركة الشعبية، وتخفيف أي عوائق قد تمنع المواطنين من الوصول إلى مراكز الاقتراع، غير أن حجم المشاركة الفعلية سيظل مؤشرًا مهمًا على مستوى الثقة العامة في العملية الانتخابية.
اختبار صعب للدولة الإثيوبية
في النهاية، لا تبدو الانتخابات العامة السابعة في إثيوبيا مجرد إجراء دستوري عابر، بل اختبارًا سياسيًا وأمنيًا بالغ الحساسية لبلد يواجه تحديات داخلية متشابكة. فنجاح الاقتراع لن يُقاس فقط بفتح اللجان وإغلاقها في موعدها، بل بقدرة الدولة على حماية الناخبين، واحتواء التوتر، وإدارة مرحلة ما بعد النتائج دون انزلاق نحو أزمة جديدة.
وبين الاستعدادات الأمنية المكثفة وسيناريوهات ما بعد التصويت، تقف إثيوبيا أمام يوم قد يحمل رسائل مهمة بشأن مستقبل الاستقرار السياسي والأمني في البلاد.


