بين رسائل القوة والدعوة إلى الدبلوماسية، يتسع هامش الغموض في مقاربة واشنطن لملف إيران، ما يضع حلفاءها في الخليج أمام معادلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع التحركات العسكرية مع محاولات منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
ماذا يحدث؟ غياب التنسيق يثير قلق الخليج
أفادت فوكس نيوز نقلًا عن مسؤول عربي رفيع، بأن الولايات المتحدة لم تُطلع حلفاءها في منطقة الخليج على أهدافها أو خططها تجاه إيران.
وبحسب القناة، استند التقرير إلى مصدر حكومي من إحدى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، أكد أن واشنطن لم تشارك تفاصيل خططها رغم عقد مشاورات رفيعة المستوى مع ممثلي المملكة العربية السعودية في العاصمة الأمريكية، كان هدفها المعلن توضيح الموقف الأمريكي.
هذا الغياب للوضوح، وفق المصدر، يضاعف القلق الإقليمي في لحظة تتكثف فيها الإشارات العسكرية والسياسية على حد سواء.
لماذا الآن؟ مؤشرات ضربة “حتمية” رغم مساعي التهدئة
في موازاة ذلك، نقل موقع بوليتكو عن ثلاثة مصادر عربية مطلعة على محادثات بين إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ودول خليجية، أن الضربة الأمريكية لإيران تُعد حتمية من وجهة نظرهم.
وأفادت المصادر بأن البيت الأبيض يقدم ضمانات محدودة بالاستجابة لنصائح التهدئة، وأن الخطاب العام المتشدد للرئيس الأمريكي—إلى جانب التحشيد العسكري المتواصل نحو الخليج—يضع الإدارة في مسار يصعب التراجع عنه، بما يجعل أي شكل من أشكال الضربات احتمالًا قائمًا بقوة.
وتتصاعد مخاوف مسؤولي عدة دول خليجية من أن تقود هذه الديناميكية واشنطن إلى هجوم جديد، رغم الجهود المكثفة المبذولة لاحتواء التصعيد.
السياق العسكري: استعراض قوة ورسائل متناقضة

يشير المطلعون إلى أن التحركات الأخيرة تأتي بعد عملية أمريكية قبل أسابيع، ومعها تزايد القناعة بقدرات الجيش الأمريكي. وقال مسؤول خليجي رفيع إن القدرات العسكرية ليست موضع شك، لكن التحدي الحقيقي يتمثل في غياب الهدف الواضح:
هل تسعى واشنطن إلى تغيير النظام في طهران؟ أم إلى توجيه رسالة ردع محدودة؟ أم كليهما؟
وأضاف دبلوماسي عربي رفيع على تواصل مع الإدارة الأمريكية: “ما زال غير واضح بالنسبة لنا ما الذي يريده الطرفان، حتى بعد كثير من الحوار”.
مساعٍ إقليمية لدرء الحرب.. وحدود التأثير
تعمل خمس دول—السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عُمان وتركيا—على منع اندلاع حرب شاملة عبر قنوات دبلوماسية متعددة.
وفي هذا السياق، تعهد الأمير محمد بن سلمان علنًا لرئيس إيران بأن الرياض لن تسمح باستخدام مجالها الجوي لأي هجوم على إيران، في موقف سبقه إعلان مماثل من الإمارات العربية المتحدة.
ورغم حث طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات، يعترف مسؤولون إقليميون بأن فرص صفقة شاملة لتفكيك البرنامج النووي الإيراني تبدو ضعيفة، لا سيما بعد الضربات التي تعرضت لها منشآت نووية خلال عملية أمريكية العام الماضي أنهت حربًا استمرت 12 يومًا مع إسرائيل.
تحركات الأسطول: ضغط ميداني يوازيه خطاب دبلوماسي
خلال حديثه للصحفيين في المكتب البيضاوي، حذر ترامب قادة إيران من استئناف البرنامج النووي أو استخدام العنف لقمع الاحتجاجات، مؤكدًا أن “أسطولًا كبيرًا” من السفن الحربية الأمريكية في طريقه إلى الخليج، واصفًا الاستعراض بأنه “أكبر حتى مما كان في فنزويلا”.
ويشبه هذا الانتشار البحري ما حدث في الربيع الذي سبق الهجوم الأمريكي–الإسرائيلي المشترك على منشآت نووية إيرانية. وقد وصلت حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن إلى المنطقة، يرافقها خمس مدمرات صواريخ موجهة وسفينتان قتاليتان ساحليتان، بينما أُعيدت بعض أنظمة الدفاع الجوي التي نُشرت مؤقتًا—مثل بطارية باتريوت—إلى مواقعها الأصلية.
ورغم ذلك، كرر ترامب تفضيله الحل الدبلوماسي قائلًا: “إذا أبرمنا صفقة، فهذا جيد. وإذا لم نبرم صفقة، فسنرى ما سيحدث”، مضيفًا أن إيران تريد إبرام صفقة.
غموض مستمر ورسائل متباينة للحلفاء
كشفت أكسيوس عن أن حلفاء واشنطن في الخليج لم يحصلوا على وضوح كامل بشأن تقييم الإدارة الأمريكية للوضع الإقليمي، مع تأكيد ضرورة إيصال موقف دول المجلس وتقديراتها للمخاطر إلى واشنطن.
وشددت المصادر على أن السعودية لن تسمح باستخدام أجوائها أو قواعدها لأي ضربة محتملة ضد إيران.
وفي تصريحات سابقة، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة نفذت في يونيو 2025 ضربات ضمن عملية “مطرقة منتصف الليل”، محذرًا من أن “الهجوم القادم سيكون أسوأ”، وداعيًا إلى تفاديه عبر اتفاق “عادل ومنصف” يتضمن التخلي الكامل عن الأسلحة النووية.
بين الردع والدبلوماسية
تضع هذه التطورات المنطقة أمام مفترق طرق: تصعيد محسوب يهدف للضغط والردع، أو انزلاق غير مقصود إلى مواجهة أوسع نتيجة تراكم التحشيدات والغموض.
فهل تنجح مساعي التهدئة الخليجية في انتزاع مسار تفاوضي واضح، أم يفرض منطق القوة إيقاعه على حساب الدبلوماسية؟


