في لحظة يشهد فيها الدولار الأمريكي اهتزازًا ملحوظًا في مكانته العالمية، وتتعثر فيها القدرة الأمريكية على فرض إيقاعها المالي كما في السابق، تخرج الصين بخطاب واضح ومباشر يعكس طموحًا استراتيجيًا طويل الأمد: إعادة تعريف ميزان القوى النقدية عالميًا. دعوة الرئيس الصيني لاستخدام اليوان كعملة احتياطية لم تعد مجرد شعار اقتصادي، بل مؤشر على تحوّل أعمق في قراءة بكين لمستقبل النظام المالي الدولي.
دعوة صينية صريحة لكسر هيمنة الدولار
دعا الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى العمل على جعل اليوان الصيني عملة احتياطية عالمية، في خطوة تعكس بوضوح تصاعد الثقة الصينية في قدرتها على لعب دور مالي دولي موازٍ للولايات المتحدة.
وجاءت هذه الدعوة في مقال نُشر بمجلة تشيوشي، التابعة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، حيث شدد شي على ضرورة بناء "عملة قوية قادرة على الاستخدام الواسع في التجارة الدولية والاستثمار وأسواق الصرف"، إضافة إلى امتلاكها وضع عملة احتياط عالمية.

الركائز الثلاث لرؤية شي جين بينغ النقدية
حدد الرئيس الصيني ثلاث ركائز أساسية لنجاح هذا المشروع الطموح:
بنك مركزي قوي
يرى شي أن وجود بنك مركزي قادر على إدارة المعروض النقدي بمرونة وفعالية شرط أساسي لتحرير اليوان من القيود المحلية وتحويله إلى أداة ثقة دولية.
مؤسسات مالية قادرة على المنافسة
تشدد الرؤية الصينية على بناء بنوك ومؤسسات مالية تمتلك القدرة على العمل عالميًا، ومنافسة نظيراتها الأمريكية والأوروبية في التمويل والاستثمار.
مراكز مالية دولية مؤثرة
تسعى بكين إلى تعزيز دور مراكزها المالية لجذب رؤوس الأموال العالمية، والمشاركة في تسعير الأصول والسلع بدل الاكتفاء بدور المتلقي للأسعار.
قراءة غربية: ما الذي تغيّر الآن؟
صحيفة فاينانشال تايمز رأت أن الصين لطالما سعت إلى تعزيز مكانة اليوان، إلا أن تصريحات شي الأخيرة تمثل أوضح تعريف حتى الآن لما تعتبره بكين "عملة قوية"، وما يتطلبه ذلك من بنية مالية عميقة.
وبحسب الصحيفة، فإن توقيت المقال ليس عابرًا، بل يأتي في ظل مناخ عالمي مرتبك يتسم بتراجع الثقة في الدولار، وتصاعد الانقسامات الجيوسياسية، وتزايد المخاوف من مستقبل السياسة النقدية الأمريكية.
الدولار تحت الضغط.. لماذا الآن؟
يشهد الدولار الأمريكي تقلبات ملحوظة مدفوعة بعدة عوامل متزامنة:
-
تراجع الثقة في الاستقرار المالي الأمريكي
-
احتمالات التغيير في قيادة مجلس الاحتياطي الفيدرالي
-
تصاعد الصراعات التجارية والعقوبات الاقتصادية
-
توجه بنوك مركزية عالمية لتنويع احتياطياتها
هذه العوامل دفعت العديد من الدول لإعادة تقييم اعتمادها المفرط على الدولار، وهو ما تراه بكين فرصة تاريخية لإعادة التموضع.
الرؤية الصينية: فرصة تاريخية لإعادة تشكيل النظام المالي

يقول الخبير الاقتصادي في شركة بانثيون ماكروإيكونوميكس، كيفن لام، إن الصين تشعر بأن "تغيير النظام المالي العالمي أصبح أقرب من أي وقت مضى"، معتبرًا أن تركيز شي المتزايد على اليوان يعكس تصدعات حقيقية في النظام النقدي القائم.
وتسعى الصين، وفق هذا المنظور، إلى استثمار لحظة الضعف الأمريكي، ليس عبر المواجهة المباشرة، بل عبر التدرج المؤسسي وبناء البدائل.
الأرقام تكشف حجم التحدي
رغم الطموحات الصينية، لا تزال الفجوة كبيرة. فبحسب بيانات صندوق النقد الدولي للربع الثالث من العام الماضي:
-
حصة اليوان من الاحتياطيات العالمية: 1.93% فقط
-
الدولار: نحو 57% (مقارنة بـ71% عام 2000)
-
اليورو: قرابة 20%
وتوضح هذه الأرقام أن بكين ما زالت في بداية الطريق، وأن تحويل اليوان إلى عملة احتياطية كبرى يتطلب وقتًا وإصلاحات عميقة وثقة دولية ممتدة.
هل تريد الصين كسر هيمنة الدولار؟
بين تراجع نسبي للدولار وصعود صيني محسوب، يقف النظام المالي العالمي أمام مرحلة إعادة توازن قد تستمر سنوات.
السؤال لم يعد: هل تريد الصين كسر هيمنة الدولار؟
بل: هل العالم مستعد فعلًا للانتقال إلى نظام نقدي متعدد الأقطاب؟


