تركيا تلغي ترخيص بنك إيراني بعد 44 عامًا.. هل بدأت أنقرة تشديد الخناق المالي على طهران؟
في خطوة لافتة وسط تصاعد الضغوط الاقتصادية الأمريكية على إيران، ألغت هيئة التنظيم والرقابة المصرفية التركية BDDK ترخيص تشغيل الفرع المركزي لبنك ملت الإيراني Bank Mellat في إسطنبول، منهية بذلك نشاطًا مصرفيًا بدأ في تركيا قبل أكثر من أربعة عقود.
ونُشر القرار في الجريدة الرسمية التركية اليوم السبت 19 سبتمبر 2026، بعدما اتخذه مجلس الهيئة في اجتماعه يوم 18 سبتمبر. واستند تحديدًا إلى المادة 71/1-b من قانون المصارف التركي رقم 5411.
لماذا أغلقت تركيا فرع بنك ملت؟
النقطة الأهم أن القرار التركي لم يقل إن السبب هو العقوبات الأمريكية على إيران، كما لم يعلن عن مشكلة تشغيلية محددة داخل البنك.
وإنما استندت الهيئة إلى مادة قانونية تتيح لها سحب ترخيص أي بنك عندما يتبين أن استمرار نشاطه يمثل خطرًا على حقوق المودعين وأصحاب صناديق المشاركة أو على أمن واستقرار النظام المالي.
لذلك، لا يمكن الجزم من القرار الرسمي وحده بأن أنقرة أغلقت الفرع استجابة مباشرة لطلب أمريكي، حتى وإن جاء التوقيت بالتزامن مع حملة أمريكية متصاعدة للضغط اقتصاديًا على إيران. رويترز أشارت أيضًا إلى أن الإخطار الرسمي لم يربط الخطوة بالإجراءات الأمريكية.
44 عامًا من العمل في تركيا تنتهي بقرار واحد
يمتلك بنك ملت تاريخًا طويلًا في السوق التركية؛ فقد حصل على الموافقة للعمل في البلاد عام 1981، وبدأ نشاط فرعه الرئيسي في إسطنبول في 16 أبريل 1982.
ثم توسع بافتتاح فرع في أنقرة عام 1985 وآخر في إزمير عام 1992، وكان نشاطه في تركيا يركز، بحسب بيانات البنك، على تقديم الخدمات المالية المرتبطة بالتجارة والمشروعات المشتركة بين تركيا وإيران.
وبذلك يأتي قرار 2026 بعد نحو 44 عامًا من بدء نشاط البنك في تركيا.
التوقيت يثير التساؤلات.. ضغوط أمريكية تتصاعد
أهمية القرار لا تتوقف عند بنك ملت نفسه، وإنما في توقيته.
ففي وقت سابق من سبتمبر، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على بنك الاستثمار التركي Golden Global Yatirim Bankasi وشركتين تابعتين له، في إطار إجراءات مرتبطة بإيران.
كما أعلنت الخزانة الأمريكية أن تركيا وسلطنة عمان قررتا وقف رحلات شركة الطيران الإيرانية ماهان إير إلى البلدين عقب مناقشات بشأن الالتزام بالإجراءات الأمريكية ضد إيران. وأعلنت ماهان لاحقًا وقف الرحلات إلى تركيا وعمان اعتبارًا من 21 سبتمبر وحتى إشعار آخر، بينما أشارت تقارير إلى عدم صدور إعلان علني موازٍ من أنقرة أو مسقط بشأن القرار حتى ذلك الوقت.
وهذه التحركات تجعل إلغاء ترخيص بنك ملت جزءًا من سياق إقليمي أوسع من الضغوط المالية على إيران، لكنها لا تثبت وحدها أن واشنطن هي التي دفعت تركيا مباشرة لاتخاذ القرار.
ماذا يعني القرار لإيران؟
بنك ملت ليس مؤسسة صغيرة معزولة عن الاقتصاد الإيراني، كما أنه خضع على مدار السنوات الماضية لإجراءات وعقوبات غربية مرتبطة بإيران.
وتشير البيانات المتخصصة في تتبع العقوبات إلى خضوع البنك لعقوبات أمريكية وأوروبية وبريطانية، بينما تربط تلك الإجراءات البنك بدعم الدولة الإيرانية وبرامجها محل العقوبات.
ومن هنا، فإن فقدانه نافذة مصرفية في تركيا قد يزيد صعوبة بعض الأنشطة المالية المرتبطة بالتجارة الإيرانية التركية، لكن حجم التأثير الفعلي يحتاج إلى معرفة كيفية تسوية أعمال الفرع وحساباته والقنوات البديلة التي تستطيع الشركات استخدامها.
هل تغيّر تركيا موقفها من إيران؟
من المبكر اعتبار القرار تحولًا شاملًا في السياسة التركية تجاه طهران.
المؤكد حتى الآن هو أن BDDK سحبت الترخيص رسميًا استنادًا إلى قانون المصارف التركي، وأن الخطوة تأتي في الوقت نفسه الذي تضغط فيه واشنطن على دول وشركات ومؤسسات مالية لتقليص تعاملاتها مع الكيانات الإيرانية الخاضعة للعقوبات.
أما وجود تنسيق أمريكي مباشر وراء قرار بنك ملت تحديدًا، فلم يرد في القرار التركي المنشور، وبالتالي يظل ربط الأمرين قراءة للسياق والتوقيت وليس سببًا رسميًا معلنًا.
وهنا تكمن أهمية التطور: فإذا أعقب إلغاء الترخيص خطوات تركية أخرى ضد مؤسسات مالية أو تجارية إيرانية، فسيكون ذلك مؤشرًا أوضح على اتجاه أوسع في سياسة أنقرة الاقتصادية تجاه طهران. أما القرار الحالي منفردًا، فلا يكفي لإثبات هذا التحول.


