الجمعة، ١٨ سبتمبر ٢٠٢٦ في ١١:٣٧ م

د . راشد الشاشاني يكتب : سطوة حيازة الغرائب

 

كثيراً ما نسمع قصصاً لا توافق مجرى الحياة العاديّة ، هذه القصص تقفز بالأحلام فوق جدار المستحيلات أو بالأقلّ الصعوبات  ، قصّةٌ مثل : فلان عثر على كنز ثمين ، شخص ما لديه قدرة خارقة في علاج بعض الامراض عجز الأطبّاء عن علاجها  وهو غير طبيب ،  أصل ثروة شخص ما صدفة جمعته بعصابة .... الخ .

لم تجد هذه القصص مكانا بين أصحابها بقدر ذلك المكان الذي احتلّته عند أصحاب رواية النقل ، فإذا استثنينا فكرة الفائدة المصلحيّة المباشرة لهؤلاء من نقل قصة ، كأتباع هؤلاء العاملين معهم ؛ سواء في تنفيذ بعض أعمالهم ، تسويقها ، او الاعلان عنها .. الخ . يبقى أولئك الذين لا مصلحة ماليّة او معنويّة ترتبطهم بهؤلاء " أبطال القصّة "  بمعنى : أنّه يجب أن نلتفت إلى المصلحة الماديّة أو المعنويّة التي يسعى هذا الناقل إلى تحقيقها .

مصالح الناقلين

اذا عرضنا شريطاً سريعاً ؛ نحصي فيه مصالح الناقلين ، فيما عُرض لنا من قصص هذا النوع من بث المعلومات حول ظاهرة ما ، وجدناها في معظمها تسعى إلى هيمنة معنويّة على الموقف ، هذا الموقف الذي يفقد فيه الناقل كلّ سلطة تمنحه مكانةً ؛ يُمكنه معها ان ينافس شركائه في اللقاء ، ليتحوّل _ مع هذا الصراع في داخله _  للقتال ضدّ الوقوف في صفّ الاعتراف بمكان أقلّ او مساوٍ لشركاء اللقاء ، لمصلحة الوقوف فوق أعلى نقطة بين نقاط التساوي هذه .

رحلة الصعود غير المكلفة في حساب هذا الراوي ، لا تعني أنّها بلا ثمن ، غير أنّ الثمن الذي سيدفعه  مصدّقوا الرواية لن يقف عند حدود حسابات أخطائهم ، الصورة التي ستولّدها حالة التصديق والتكذيب ؛ لن تُثني قصّة الأوهام عن الإنفجار في داخل عقول الناس قبل أحاديثهم ، التي تصنع في دواخلهم " وهماً " يتداخل عند غير المحدّقين منهم بفكرة " الأحلام " والتي يمكنها أن تُسيِّر أحدهم باتجاه مستقبل ما لم يكن يريده .

بالعودة إلى فكرة الربح الذي يجنيه الراوي ، والذي لن يتعدّى بالنسبة إليه حيازة سلطة كشف مجهول ، هذه السلطة التي لا يمكن معها مقاومة صعودها ، ولو بتكذيبها فوراً من الآخرين ، على اعتبار قيمة الإحتمالات التي تضع في رواية الناقل"  الراوي " قيمة : " سنتحقّق " هذا إن صادفت من يمكنه مقاومة الخوف من التكذيب .

نسيج خيال الراوي أوجده

ما يميّز هذا المجهول في صورة عرضنا هذا هو : أنّه حدث ليس موجوداً غفل عنه المستمعون أو غاب عنهم علمه ، إنّه تشكيل من نسيج خيال الراوي أوجده توّاً ، في طريقة صنّعَ فيها جهلاً متعمّدا لدى مستمعيه ، هذا الجهل هو بطبيعته أساس الخوف . الخوف هنا لم يولد من هجوم وحش او جيش ، بل من غياب المعرفة ، هذه الحالة التي تفسّر بطريقة العكس كيف يستهين بالقوّة من اقترب منها في حين يعظّمها البعيد  .

لكن علينا أن نسأل هنا ؛ هل يعني الكذب قوّة ؟ 
بالتأكيد لا . لكن الأساس في تحديد شكل العلاقة هنا هو الضعف لا القوّة ، ضعف الجاهلين " المستمعين " في كشف زيف الإدعاء ؛ هذا يعني : أنّه ينبغي علينا ان ندقّق أكثر في مشاهد القوّة التي نعرفها ، لأنها كذلك تستند على شكلها المقابل وهو ضعف المُستهدف أو" جهله " لكنّ الجدير أكثر بالملاحظة : أنّ الضعف وحده يكفي لوجود الهزيمة ، إذاً ؛الهزيمة لا تحتاج قوّة ولا قويّا ؛ إن كانت في مواجهة ضعيف . هذا يعني : أنّ مفهوم القوّة ليس كما يعرفه الجميع . 

 معايشة موضوع الاختبار
 بالعودة إلى أصل حديثنا ،،،

حالة التعريض لاختبار صدق  الرواية ، لن تمرّ بلا استعراض خبرةٍ ما ؛ عايشت موضوع الاختبار ذاته ، هذه الخبرة قد تكون بامتحان مباشر ، أو بالإستئناس برأي الآخرين ، في كلتا الحالتين هناك نتيجة مزدوجة ناتجة عن اجراء إختبارٍ مباشرٍ للقصّة في مواضع تشكّلها .

فإن أردنا ضرب مثال : معالج يستخدم عصا ؛ يُعالج _ بالضغط فيها على الجسد _ آلاما معيّنة ، وفقا لتناقل الروايات ، لا تستغرق رحلة العلاج سوى لحظات ؛ بعدما قاسى فيها العليل سنواتٍ طوالٍ مرارةَ فشل الطبّ في علاجه . تقول الرواية الشعبيّة : " حملناه حمل ورجع يمشي ع رجليه  " دعك من هلاميّة البناء المنطقي للقصّة وركّز في السرعة ، نقصد سرعة تحقيق نتيجة ما ، هذا هو الهدف الذي سعى إليه أساسا الرواي ؛ سرعة الحصول على مرتبة تقتضي زمنا طويلا من الجهد وقد لا يصلها بعده.

سرعة الحصول على مرتبة هذه ؛ لم تكن نتيجة حاجة آنيّة ملحّة ، لقد كانت نتاج سعي طويلٍ للحصول عليها ، لكن في أماكن ومواضيع وساحات مختلفة ، كلّها انتهت بالفشل ، على أن نفهم الفشل هنا على أساس من عدم الفائدة من تجربته .
إلّا أنّ الحاجة إلى المرتبة التي ظهرت في ظرفٍ مفاجيء ؛ كمطلبٍ لا يمكن معه التجريب ، واحتمال الفشل ، ولا النظر نحو الأمام مع السعي لتحقيق نتيجة ، لقد كان مطلوباً تدارك مفاجئةٍ  لم يقبل معها الراوي انتظار " الفرصة التالية " هنا ينبغي لنا أن نثجري تدقيقاً بين مفاهيم : الجهل ، الهدوء ، الأناة ، العراقة ، الضعف ، والقوّة ، لكنّ هذا التدقيق يجب أن ينتهي إلى تحديد مفهوم جديد يختلف تماماً عن صورة " المخضرم ، الجامح ، الطموح ، الشيخ ، الشاب ، المتّزن ، الرصين ، سريع البديهة ..الخ ؛ على أساس مختلف تماماً عن فكرتي السرعة والبطء ، بل ؛ ينبغي مع هذا إعادة النظر في نطاق هذين المفهومين الآخيرين .

لقد تحتّم مع هذه السرعة المفاجئة لمداهمة الموقف ؛ أن يُحمل على آلة سريعةٍ توازي سرعة الحاجة إلى هذه المرتبة ، بمعنى أنّ آلة بطيئة _ وهي تشكّل هنا موضوع القصّة _ لا يمكنها الإسراع بهذه الحاجة إلى حدّ بلوغها الفرصة الحالّة ، وهي تنتظر السير الطبيعي لأيّة قصّة ، لذا ؛ كان لزاماً تسريع أحداثها ، لكن هذه السرعة لم تكن في الوقت بل في المسافة بين الاسباب والنتيجة .

أداة الخيال وجمود الواقع
 
هذه المسافة بين الاسباب والنتيجة لم تكن لتسير في مجرى تولّد النتائج الطبيعي ، بل كان ينبغي لها أن تصنع ذهولاً في صورة مولّدها . هذا الذهول هو أداة الخيال التي يستعملها الراوي في التحليق فوق جمود الواقع . 

هذا التركيب السريع بين الأسباب والنتائج ، والمعقّد بين الواقع والخيال ؛ لا يكفي فقط لخلق " الإثارة "  ولا لإحاطة الراوي بهالةِ السطوة على الموقف ، بل يزيد ؛ حتى يطال سطوة الرواية ذاتها على ضمير المتلقي ؛ الذي لا يُطيق حصر مشهد الأحداث المُثير بين معرفته وعقله ، ونتيجة المحاكمة ؛ التي تنقل بدورها صورة النتيجة مع تعليق بالتصديق او التكذيب او السخرية إلى الآخرين .

بعد سلسلة النقل هذه ؛ تبتعد الأحداث عن صانعها ؛ بحيث لا يُعرف شخص الراوي الأوّل ، وتبتعد الرواية عن خالقها ، بمعنى ذات الشخص الذي قيل عن قدرته كذا ، لتتحوّل سلسلة السير التي تجمع امتداد تفاصيل الرواية والزيادة والنقص فيها ؛ مع ثبوت نسبة مصداقيّتها عند حدًّ ليس بقليل ، لا يسمح بإلغاء وجودها ، هنا تبرز فكرة القداسة والمرجعيّة ، لكن علينا أن ندقّق مرّة أخرى في أنّ المصداقيّة هنا بُنيت فوق قواعد التواتر لا جوهر الحقيقة ، ومثلها القداسة والمرجعيّة  . تذكّروا هنا النتيجة المزدوجة الناتجة عن إجراء إختبارٍ مباشرٍ للقصّة التي أشرنا إليها قبل قليل .

قصّة العثور على كنز

مثل هذه التركيبة ؛ تخلقها قصّة العثور على كنز ؛ والتي أراد أحدهم أن يُخفي فيها مصدر ثروته ، أو أنّه يريد من ورائها إيقاع الغير في شراك احتياله . وغيرها من القصص التي تعتمد إسقاط مرور الزمن لصالح صناعة الغرائب .

الغرائب لا تقترن بالسرعة ، قد يخلقها الجهل ، نعم الجهل بحقيقة أمر ما ؛ تجعل من حقيقته غريبة ، هذا ليس مقترنا بالزمن ؛ إنّه مقترن بتركيب العناصر المعرفيّة .

عودوا الآن إلى حديثنا عن الخوف من القوّة او عدم الاكتراث بها عند الابتعاد والاقتراب منها .
علينا مع هذا أن نعيد النظر في معرفتنا حول :  القوّة ، السطوة ،  المقدّس ، المرجع ، الغريب .

مقالات ذات صلة

عاجل
بث مباشر الريان والنهضة العماني اليوم.. شاهد القمة الآسيوية والقنوات الناقلة والتشكيل. | بث مباشر التعاون والفيصلي الأردني اليوم.. شاهد القمة الآسيوية والقنوات الناقلة والتشكيل. | بث مباشر الاتفاق وعجمان اليوم.. شاهد مواجهة دوري أبطال الخليج والقنوات الناقلة والتشكيل. | نتنياهو والشاباك في مواجهة الصوت العربي.. هل تتحول أصوات الناخبين إلى تهديد أمني؟ | غرق سفينة تعمل لصالح زيم الإسرائيلية قبالة بلغاريا.. 3 مسيّرات بحرية و421 حاوية | أسعار الذهب اليوم الأربعاء 4 نوفمبر 2026.. هل يهبط عيار 21 إلى 6000 جنيه؟ | حظك اليوم 4 نوفمبر.. ماذا ينتظر برجك في العمل والحب والمال؟ | مباريات اليوم الأربعاء.. مواعيد ريال مدريد وليفربول والتعاون والرجاء والقنوات الناقلة | «بر الوالدين أم حق الدم؟».. تنازل الأب عن اتهام أمه بقتل طفليه بالكلور يشعل الجدل | جنرالات إسرائيليون يساعدون الفلسطينيين في حصاد الزيتون.. واتهامات للجيش بحماية المستوطنين | نتنياهو ينفخ في نيران المنطقة.. اتهامات كيميائية لإيران وشكوك أمريكية بشأن ضربة جديدة | فيروس غامض في الأقصر يثير القلق.. الصحة تكشف حقيقة إصابات إسنا وأعراض المرض | «كنا بنشرب مخدرات مع بعض».. لما بطل سرقت تليفونه وحطمت عربيته في الطالبية | احترس من نصاب خدمة العملاء المزيف.. مكالمة تحديث البيانات قد تكلفك أموالك | من «عايزة ميراث أولادي» إلى محضر سرقة.. مفاجأة في فيديو سيدة الطالبية | أسلحة إسرائيلية وقنبلة يدوية.. مصرع «خط الجبل» و«حمو» بعد معركة ساعتين بسوهاج |