الأربعاء، ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦ في ١١:٥٦ م

من التطبيع إلى السفارات.. إلى أين وصلت علاقة المغرب بإسرائيل ؟

من «مكاتب الاتصال» إلى السفارات.. المغرب وإسرائيل يرفعان العلاقات الدبلوماسية 

دخلت العلاقات بين المغرب وإسرائيل مرحلة دبلوماسية جديدة، بعدما أعلنت إسرائيل، الأربعاء 16 سبتمبر 2026، التوصل إلى اتفاق لرفع مستوى التمثيل بين البلدين من مكاتب اتصال إلى سفارتين كاملتين وتعيين سفيرين، في خطوة تعمّق مسار العلاقات الذي استؤنف رسميًا قبل نحو ست سنوات برعاية أمريكية.

وجاء الإعلان الإسرائيلي عقب اجتماع ثلاثي في نيويورك جمع وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، ونظيره المغربي ناصر بوريطة، والسفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز. وأكدت رويترز أن الإعلان صدر عن الجانب الإسرائيلي، بينما لم يكن قد صدر، وقت نشر الخبر، إعلان مغربي مماثل بشأن الاتفاق.

لكن الخطوة الجديدة تعيد إلى الواجهة سؤالًا أكبر: إلى أي مدى وصلت العلاقات المغربية الإسرائيلية منذ 2020؟ وهل بقيت في حدود العلاقات الدبلوماسية، أم تحولت خلال السنوات الماضية إلى شراكة تمتد إلى الدفاع والأمن والاقتصاد؟

وفي المقابل، عاد إلى التداول حديث مثير نُسب في 2025 إلى وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير بشأن المغرب باعتباره مكانًا يمكن للإسرائيليين «العودة» إليه إذا انهارت إسرائيل..

إسرائيل تعلن فتح سفارة في المغرب.. ماذا حدث في نيويورك؟

بحسب الإعلان الإسرائيلي، عقد ساعر وبوريطة والتز اجتماعًا ثلاثيًا في نيويورك، واتفق الأطراف على سلسلة خطوات لتعزيز العلاقات المغربية الإسرائيلية.

وأبرز هذه الخطوات هو ترقية مكتبي الاتصال في الرباط وتل أبيب إلى سفارتين وتعيين سفيرين. كما تحدث الجانب الإسرائيلي عن استكمال اتفاقات مرتبطة بحماية الاستثمارات ومنع الازدواج الضريبي بحلول نهاية 2026، إلى جانب تبادل زيارات رفيعة المستوى خلال الأشهر المقبلة.

وتكتسب الخطوة أهمية لأنها تنقل العلاقات إلى مستوى دبلوماسي أعلى من الصيغة التي عمل بها البلدان خلال السنوات الماضية.

فحتى اليوم، يصف الموقع الرسمي للخارجية الإسرائيلية بعثتها في المغرب بأنها «مكتب الاتصال الإسرائيلي في مملكة المغرب»، وليس سفارة.

هل وقع المغرب وإسرائيل «اتفاقية سلام» عام 2020؟

الأدق تعديل هذه العبارة في النص الأصلي.

لم تكن خطوة ديسمبر 2020 معاهدة سلام بالمعنى التقليدي  وإنما اتفق المغرب وإسرائيل على استئناف العلاقات والاتصالات الدبلوماسية وتطبيعها في إطار إعلان ثلاثي جمع المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل.

والبيان الرسمي للديوان الملكي المغربي في ديسمبر 2020 تحدث عن «استئناف الاتصالات المنتظمة» وإحياء آليات التعاون في إطار علاقات دبلوماسية سلمية وودية، وحدد الإعلان الثلاثي الموقع في 22 ديسمبر باعتباره الإطار المرجعي للعلاقات.

وفي المقابل، اتخذت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حينها قرارًا شديد الأهمية بالنسبة للرباط، وهو اعتراف الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية.

ومنذ تلك اللحظة بدأت العلاقة تتحرك بوتيرة أسرع.

من الدبلوماسية إلى الأمن.. كيف تطورت علاقة المغرب بإسرائيل؟

لم تتوقف العلاقات عند الرحلات الجوية أو السياحة والتبادل الدبلوماسي.

ففي يناير 2021 افتُتح مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط، ثم زار وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك يائير لابيد المغرب في أغسطس من العام نفسه.

لكن التطور الأكثر أهمية جاء في نوفمبر 2021 عندما وقع المغرب وإسرائيل مذكرة تفاهم دفاعية خلال زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك بيني غانتس إلى الرباط.

ووفرت المذكرة إطارًا قانونيًا للتعاون العسكري والأمني، بما يشمل مجالات الاستخبارات والصناعات الدفاعية والتدريب العسكري، كما فتحت الباب أمام صفقات ومشروعات دفاعية بين الجانبين.

وبالتالي فإن وصف العلاقة الحالية بأنها مجرد «تطبيع دبلوماسي» لا يعكس الصورة كاملة؛ فقد تطورت إلى تعاون في ملفات أمنية ودفاعية واقتصادية وتكنولوجية.

إسرائيل تعترف بسيادة المغرب على الصحراء

وفي يوليو 2023 حدث تطور سياسي آخر.

أعلنت إسرائيل رسميًا اعترافها بـالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، في رسالة وجهها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى الملك محمد السادس. ويسجل الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الإسرائيلية هذا الاعتراف ضمن المحطات الرئيسية للعلاقات الثنائية.

وهكذا أصبح ملف الصحراء أحد أهم الأبعاد السياسية للعلاقة: الولايات المتحدة اعترفت بالموقف المغربي بالتزامن مع اتفاق 2020، ثم تبعتها إسرائيل باعتراف رسمي في 2023.

حرب غزة وضعت العلاقة أمام اختبار صعب

غير أن العلاقة بين الحكومتين لا تعني غياب الخلاف السياسي أو الشعبي.

فالموقف الرسمي المغربي ظل يؤكد دعم حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية. وفي الوقت نفسه، شكلت الحرب في غزة منذ أكتوبر 2023 ضغطًا كبيرًا على اتفاقات التطبيع العربية عمومًا، مع تصاعد الغضب الشعبي العربي بسبب أعداد الضحايا الفلسطينيين.

ورغم تلك الضغوط، لم يقطع المغرب علاقاته مع إسرائيل.

والقرار المعلن الآن بالانتقال إلى مستوى السفارات يعني، إذا نفذ كما أعلن الجانب الإسرائيلي، أن العلاقة لا تستمر فقط رغم سنوات الحرب والتوتر الإقليمي، بل تنتقل رسميًا إلى درجة دبلوماسية أعلى.

ماذا قال بن غفير عن المغرب؟

وهنا تظهر القصة التي انتشرت بصورة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي في يونيو 2025.

تداولت حسابات ومنصات عربية منشورًا منسوبًا إلى وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير، زُعم أنه قال فيه إن أجداده من السكان الأصليين للمغرب وإن له ولأحفاد اليهود المغاربة «حقًا في العودة إلى مراكش» إذا انهارت إسرائيل.

واستُخدمت الرواية لاحقًا للحديث عن فكرة «المغرب وطنًا بديلًا للإسرائيليين».

المغرب وإسرائيل.. علاقة تتجاوز السفارات

وبعيدًا عن الادعاءات غير المثبتة، فإن الوقائع الموثقة وحدها تكشف حجم التحول الذي طرأ على العلاقة خلال ست سنوات.

بدأ المسار باستئناف العلاقات الرسمية في 2020، ثم افتتاح مكاتب الاتصال، وتلاه تعاون أمني وعسكري واتفاقات اقتصادية، قبل أن تعترف إسرائيل في 2023 بالسيادة المغربية على الصحراء، وصولًا في سبتمبر 2026 إلى الإعلان الإسرائيلي عن الاتفاق على فتح سفارتين وتبادل السفراء.

والخطوة الأخيرة، إذا أكدتها الرباط ونُفذت، تمثل انتقالًا واضحًا من صيغة العلاقات التي بدأت بمكاتب اتصال إلى علاقات دبلوماسية كاملة على مستوى السفراء.

لكن تبقى هناك معادلة مغربية معقدة: تطوير علاقات الدولة مع إسرائيل من جهة، والاستمرار في إعلان دعم الحقوق الفلسطينية وحل الدولتين من جهة أخرى، بينما يظل الموقف الشعبي من الحرب الإسرائيلية على غزة عامل ضغط مهمًا على هذه العلاقة.