الأربعاء، ٢٩ يوليو ٢٠٢٦ في ٠٢:٣٩ ص

صلاح توفيق يكتب : الويل لمجتمع لا يعاقب من يعتدي على كرامة أبناء وطنة

مع كامل الاحترام لمحمد علي خير.. قضية إهانة أهل سوهاج ليست بابًا للتسامح بل اختبارًا لهيبة القانون

 بداية أعترف انا مقالا علي صغحة الكاتب الكبير الزميل والأستاذ محمد علي خير  استطاع استفزازي لكتابة هذة السطور  حيث طالب خلال مقالة بالتسامح مع  مضيفة الطيران  التي ظهرت في مقطع فيديو شاهده الملايين، وهي توجه عبارات مسيئة إلى أهل سوهاج والصعيد بوجه عام، مؤكدًا أن «الويل لمجتمع لا يتسامح».

وبداية، لا يختلف اثنان على أن التسامح قيمة إنسانية عظيمة، وأن المجتمعات التي تغلق أبواب الصفح وتعيش على الثأر لا يمكن أن تنعم بالسلام أو الاستقرار. لكن التسامح لا يعني إلغاء المسؤولية، ولا يتحول إلى مظلة تحمي من يعتدي على الآخرين أو يهينهم أمام الملايين.

هناك فارق كبير بين أن يتسامح الإنسان في حق شخصي يخصه وحده، وبين أن يطالب ملايين المواطنين بالتنازل عن حقهم المعنوي بعد الإساءة إليهم علنًا.

التسامح لا يلغي المساءلة

ساق الزميل المحترم عددًا من المبررات التي تصب في باب التسامح، ودعا إلى النظر إلى اعتذار المضيفة  وقبوله، لكن القضية في تقديري تجاوزت منذ اللحظة الأولى حدود الخلاف الشخصي أو الانفعال العابر.

فنحن أمام مقطع مصور لم يتضمن إساءة إلى شخص بعينه، وإنما حمل تعميمًا مسيئًا على أهل محافظة كاملة، بل وعلى أبناء الصعيد الذين يمثلون ملايين المصريين.

وعندما يصل الأمر إلى هذا المستوى، فإن المسألة لا تعود مرتبطة بقبول فرد للاعتذار أو رفضه، بل تصبح مرتبطة بأخلاق المجتمع وحدود المسؤولية القانونية لمن يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي في التحريض أو الإهانة أو إثارة الفتن بين المصريين.

التسامح حق لصاحب الحق، لكنه لا يمنح أحدًا حصانة من القانون.

من أمن العقاب أساء الأدب

كتبت للزميل محمد علي خير ردًا على دعوته إلى التسامح، قلت فيه إن من أمن العقاب أساء الأدب، وإن الفيصل في هذه القضية يجب أن يكون القانون.

والمقصود هنا ليس الانتقام من  مضيفة الطيران  ولا التشفي فيها، ولا المطالبة بتدمير مستقبلها، وإنما إخضاع الواقعة لتحقيق قانوني ومهني واضح، يحدد المسؤولية ويوقع الجزاء المناسب إن ثبتت المخالفة.

فالمجتمع الذي يتسامح مع كل تجاوز من دون مساءلة لا يصبح أكثر رحمة، بل يصبح أكثر فوضى. ومن يعلم أنه يستطيع إهانة الملايين ثم تسجيل اعتذار سريع سيجد نفسه قادرًا على تكرار الفعل نفسه متى شاء.

العقاب العادل ليس نقيضًا للتسامح، بل هو الذي يمنع الثأر الشخصي ويعيد الحق إلى أصحابه عبر مؤسسات الدولة.

اعتذار لا يساوي حجم الإساءة

الاعتذار قيمة محترمة عندما يكون صادقًا، ويتناسب مع حجم الخطأ، ويصاحبه تحمل واضح للمسؤولية.

لكن الاعتذار الذي يأتي بعد انتشار الفيديو واشتداد الغضب الشعبي لا يمحو تلقائيًا أثر ما صدر، ولا يجعل الواقعة كأنها لم تكن.

كما أن مجرد القول «أعتذر» لا يغني ولا يثمن من جوع إذا لم يتضمن الاعتذار اعترافًا صريحًا بالخطأ، وتراجعًا واضحًا عن التعميم المسيء، وقبولًا بنتائج التحقيق المهني والقانوني.

لماذا يُطلب من أهل سوهاج أن يتسامحوا فورًا، بينما صاحبة الفيديو نفسها ـ وفق ما ظهر من حديثها ـ لم تتسامح مع مجرد سلوك صادر عن أطفال، بل اختارت تسجيل مقطع مقزز وتوجيه الإهانة إلى مجتمع كامل؟

كيف يُطلب من ملايين الأشخاص ضبط غضبهم والتغاضي عن الإساءة، بينما لم تستطع هي ضبط انفعالها أمام موقف محدود كان يمكن التعامل معه بهدوء وعقل؟

أخطر ما في الفيديو أنه يزرع الفتنة

خطورة ما حدث لا تتوقف عند حدود الشتائم أو الألفاظ غير المقبولة، وإنما تمتد إلى إمكانية إشعال فتنة مناطقية بين أبناء الوطن الواحد.

مصر لا تحتمل تقسيم المصريين إلى صعايدة وبحراوية، أو قاهريين وأبناء أقاليم، ولا تحتمل أن تصبح وسائل التواصل منبرًا لإهانة محافظة أو إقليم كامل بسبب خلاف فردي.

فإذا كانت هناك مشكلة مع شخص من سوهاج، فلا يجوز تعميمها على أهل سوهاج. وإذا صدر سلوك خاطئ من طفل أو بالغ، فإن المسؤولية تقع على صاحب السلوك وحده، لا على ملايين المواطنين الذين لا يعرفونه ولم يشاركوا في فعله.

والتعميم على أساس المنطقة أو الأصل الاجتماعي ليس مجرد سوء تعبير، بل سلوك خطير يهدد السلم الاجتماعي، خصوصًا عندما يصدر عن شخصية عامة أو شخص يعمل في موقع يفترض فيه الاحتكاك بالجمهور واحترامه.

القضية ليست سبابًا مقابل سباب

لا نريد أن نعيش في غابة، يستيقظ فيها شخص صباحًا ليسبني، فأرد عليه بالسب، ثم يتحول المجتمع كله إلى ساحة من الإهانات المتبادلة.

لا يليق بأهل سوهاج الرد بإهانة  المضيفة  أو أسرتها، كما لا يجوز التعرض لها بالتهديد أو التحريض. الرد الصحيح هو اللجوء إلى القانون، وتقديم الشكاوى، ومطالبة جهة عملها بإعلان نتائج التحقيقات بكل شفافية.

وحين يطبق القانون، فإنه يحمي الجميع: يحمي أهل سوهاج من الإهانة، ويحمي صاحبة الفيديو من الانتقام الشخصي أو الاعتداء عليها، ويضع القضية في إطارها الصحيح بعيدًا عن الفوضى الرقمية.

لهذا أقول إن تطبيق القانون هو قمة التسامح؛ لأنه ينقل المجتمع من منطق الثأر إلى منطق العدالة، ومن رد الفعل الغاضب إلى حكم المؤسسات.

مواقع التواصل تفرز شخصيات تحتاج إلى تقويم

المشكلة لم تعد في واقعة منفردة، بل في ثقافة تتوسع على مواقع التواصل الاجتماعي، يظن أصحابها أن الهاتف يمنحهم الحق في التشهير والسب والتحريض وتوجيه الاتهامات بلا ضوابط.

يخرج شخص في لحظة غضب فيسجل مقطعًا، ثم يضغط زر النشر قبل أن يدرك أنه قد أساء إلى أشخاص أو عائلات أو محافظات بأكملها.

وبعد الانتشار، يأتي الاعتذار بوصفه محاولة لإطفاء الأزمة، لا بوصفه تحملًا حقيقيًا للمسؤولية.

هذه الشخصيات لا تحتاج إلى حملات تنمر مضادة، وإنما تحتاج إلى تقويم بإجراءات قانونية ومهنية واضحة، حتى يعرف الجميع أن حرية التعبير لا تعني حرية الإهانة، وأن عدد المتابعين لا يضع أحدًا فوق القانون.

أهل سوهاج يعرفون معنى التسامح

يا صديقي محمد علي خير، أهل سوهاج هم أهل التسامح والكرم والشهامة، وأنا أثق أنك تعرف ذلك جيدًا.

هم لا يحتاجون إلى شهادة من أحد في أخلاقهم، وتاريخهم ومواقفهم يشهدان لهم. وقد يتسامح كثير منهم في حقوقهم الشخصية، ويقبلون الاعتذار الصادق، لكن التسامح لا يعني أن تُغلق القضية من دون تحقيق أو مساءلة.

من ارتكب خطأ يجب أن يعاقب بالعقوبة التي يحددها القانون، لا بما يحدده الغاضبون على مواقع التواصل، ولا بما يراه المدافعون عنه من أعذار.

ولا تعارض بين قبول الاعتذار وبين استمرار التحقيق؛ فقد يسامح أصحاب الحق من الناحية الإنسانية، بينما تظل للمجتمع والدولة مسؤولية في حماية النظام العام ومنع تكرار الإساءة.

لا حصانة لشخصية عامة

من يعمل في مجال الإعلام أو الطيران أو أي وظيفة تقوم على التعامل مع الجمهور يتحمل مسؤولية مضاعفة.

فهو لا يمثل نفسه وحده في نظر الناس، بل قد تنعكس تصرفاته على المؤسسة التي يعمل بها وعلى صورة المهنة التي ينتمي إليها.

لهذا كان من الواجب أن تعلن جهة العمل موقفًا واضحًا، وأن تكشف نتائج التحقيقات والإجراءات التي اتخذتها، ليس استجابة لضغط مواقع التواصل، وإنما حفاظًا على ثقة الجمهور واحترامًا لحقوق المواطنين.

فالمؤسسة التي تتجاهل إساءة موظف إلى قطاع واسع من عملائها أو مواطني الدولة تمنح رسالة خاطئة بأن الاعتذار الشخصي يكفي لإغلاق أي ملف.

القانون هو الحل العادل

القضية ليست معركة بين أهل سوهاج و مضيفة شركة طيران ، وليست اختبارًا لمن هو أكثر قدرة على توجيه الإهانات.

إنها قضية تتعلق بحدود المسؤولية، وبحق المواطنين في ألا يتعرضوا للتجريح الجماعي، وبضرورة محاسبة كل من يستخدم منصته لإثارة الكراهية أو التحقير بين فئات المجتمع.

فلنترك التحقيقات تأخذ مسارها الطبيعي ، ولنمتنع عن التهديد والتنمر، لكننا في الوقت نفسه يجب ألا نقبل تحويل التسامح إلى وسيلة للهروب من المساءلة.

التسامح فضيلة عندما يأتي بعد الاعتراف بالخطأ ورد الحق وتحمل المسؤولية. أما التسامح الذي يسبق المحاسبة ويغلق أبواب القانون، فقد يتحول إلى تشجيع ضمني على تكرار الإساءة.

ومع كامل الاحترام للزميل محمد علي خير، أقول: نعم، الويل لمجتمع لا يعرف التسامح، لكن الويل أيضًا لمجتمع لا يعاقب من يعتدي على كرامة أبنائه، أو يسمح بإهانة الملايين ثم يكتفي بكلمة اعتذار.

أهل سوهاج متسامحون، لكن مصر دولة قانون، ومن أخطأ في حق الآخرين يجب أن يخضع للمساءلة. فبالقانون نحفظ الكرامة، ونمنع الفتنة، ونضمن ألا تتحول مواقع التواصل الاجتماعي إلى غابة يسب فيها الجميع بعضهم بعضًا.

 

عاجل
صلاح توفيق يكتب : الويل لمجتمع لا يعاقب من يعتدي على كرامة أبناء وطنة * قائمة أوائل الثانوية العامة 2026 تكشف مفاجأة المدارس الحكومية * «حلمت أنها قتلتني».. اعترافات صادمة في جريمة عروس مدينة بدر * نتيجة الثانوية العامة 2026 الآن.. الرابط الرسمي والدرجات كاملة * حب ع ورق الحلقة 35 كاملة.. الموعد وأبرز توقعات الأحداث * قصة ظهور تمساح في بلاعة الصرف بالجيزة * الانتقام المر من طفل بسبب اللعب.. عصا خشبية تشعل مشاجرة عائلية بالدقهلية * بطاقة الإقامة شرط للتعامل الحكومي.. تفاصيل القرار المصري الجديد * من الثانوية إلى كلية الطب.. لماذا يتعثر نصف طلاب الفرقة الأولى بسوهاج؟ * نتيجة الثانوية العامة 2026 في مصر.. رابط الوزارة للنظامين القديم والجديد * سعيد محمد أحمد يكتب : ماذا جرى في سوريا؟ كواليس الثورة ومخطط تفتيت الدولة السورية * ادعت تعرضها للتهديد لمساعدة نجلها.. مفاجأة في واقعة سيدة المرج * هل بدأت نهاية حكم قيس سعيّد؟ كواليس الأزمة التونسية ودور الجزائر * نتنياهو أمام ترامب بملف استخباراتي خطير.. ما مطالب إسرائيل من واشنطن؟ * بشكتاش ينسحب من صفقة محمد صلاح.. ونادٍ تركي يقترب من التعاقد معه *