تشهد أسواق الصاغة في مصر حالة غير مسبوقة من القلق والترقب، بعدما تزامن النشاط الموسمي المرتبط بمواسم الخطوبة والزواج مع انتشار أنباء عن وقائع غش وتزييف في سوق المعادن الثمينة، ما فتح الباب واسعًا أمام تساؤلات مشروعة: هل وصل الغش إلى الذهب نفسه؟ وهل ما يُتداول عن “ذهب مضروب” حقيقة أم تهويل؟
في الأسابيع الأخيرة، ارتفع الإقبال على شراء الذهب بشكل لافت، مدفوعًا باعتباره الملاذ الآمن الأول للمصريين في مواجهة تقلبات الاقتصاد وتآكل قيمة العملة، إلا أن هذا الطلب الكثيف كشف في الوقت نفسه عن ثغرات خطيرة استغلتها بعض الشبكات غير الشرعية.
نشاط غير طبيعي وضغوط سعرية
هاني ميلاد، رئيس شعبة الذهب والمجوهرات، أكد أن السوق المحلية تمر بمرحلة “نشاط استثنائي”، حيث فاق الطلب حجم المعروض، ما خلق ضغوطًا واضحة على الأسعار وفتح المجال أمام توقعات بموجة ارتفاع جديدة خلال الفترة المقبلة.
وأوضح أن أسعار الذهب في مصر لا تُحدد بعشوائية، بل تخضع لمعادلة دقيقة ترتكز على سعر الأوقية عالميًا وسعر صرف الدولار الرسمي المعلن من البنك المركزي، نافياً وجود فجوات سعرية مبالغ فيها بين السوق المحلية والعالمية، ومشيرًا إلى أن الفروق غالبًا لا تتجاوز 20 جنيهًا للجرام الواحد.
«فخ ذهبي» أم حقيقة الغش؟

الجدل الأكبر انفجر عقب إعلان ضبط شبكة لتزييف المعادن الثمينة في محافظة الإسكندرية، وهو ما أثار حالة من الذعر بين المستهلكين، ودفع البعض للاعتقاد بأن الذهب نفسه بات مغشوشًا في الأسواق.
لكن رئيس شعبة الذهب حسم الجدل مؤكدًا أن الواقعة لا تتعلق بغش خام الذهب، بل بفضة مستوردة غير حاصلة على الدمغات الرسمية، جرى تداولها بالمخالفة للقانون، وهو ما يندرج تحت جرائم التلاعب التجاري وليس تزوير الذهب المتداول رسميًا داخل السوق.
كيف يحمي المواطن نفسه؟

وسط هذه الأجواء، شدد ميلاد على أن “الفاتورة الرسمية” تمثل خط الدفاع الأول للمستهلك، والضمانة القانونية الوحيدة التي تحفظ حقوقه، مشيرًا إلى ضرورة أن تتضمن الفاتورة بيانات دقيقة تشمل نوع المشغول، العيار، الوزن، وسعر الجرام.
كما دعا المواطنين إلى التعامل فقط مع محال الصاغة المعروفة وأصحاب السمعة الطيبة، محذرًا من الإغراءات السعرية الزائفة التي قد تخفي وراءها عمليات غش أو تلاعب.
الذهب بين الادخار والخوف
سلوك المستهلك المصري، بحسب الشعبة، يميل حاليًا إلى الشراء لا البيع، في ظل تصاعد المخاوف الاقتصادية والاضطرابات العالمية، وهو ما يعزز الاتجاه الصعودي للأسعار، ويجعل الذهب أكثر جاذبية كأداة ادخار، رغم الضجة المثارة حول وقائع الغش.
جريمة منظمة حاولت التسلل إلى سوق شديد الحساسية
ما جرى في سوق الصاغة لا يعني أن “الذهب كله مغشوش”، لكنه يكشف عن جريمة منظمة حاولت التسلل إلى سوق شديد الحساسية، مستغلة موجة الطلب المرتفعة. وبين التهويل والحقيقة، تبقى القاعدة الأهم: الوعي، والفاتورة، والتاجر الموثوق، هي الأسلحة الحقيقية لحماية أموال المصريين في زمن حتى الذهب فيه لم يسلم من الشبهات


