بيت علام تحولت إلى ثكنة أمنية.. ارتفاع ضحايا مجزرة الثأر إلى 23 قتيلًا
قبل نحو 24 عامًا، خيم صمت يشبه صمت القبور على قرية بيت علام التابعة لمركز جرجا بمحافظة سوهاج، بعدما ارتفع عدد ضحايا واحدة من أكثر وقائع الثأر دموية إلى 23 قتيلًا، إثر وفاة أحد المصابين متأثرًا بجراحه.
تحولت القرية المنكوبة عقب المجزرة إلى ثكنة أمنية مفتوحة، وانتشرت قوات الشرطة ومكافحة الشغب وعناصر الأمن السري في الطرق والدروب، بينما طوقت الأجهزة الأمنية المناطق التي تقيم فيها العائلتان المتنازعتان، خشية انفجار موجة جديدة من الانتقام.
وفي الوقت الذي كانت فيه بقع الدماء الجافة وحطام زجاج السيارات لا تزال شاهدة على المذبحة، بدأ 28 نائبًا من نواب محافظة سوهاج التحرك للوساطة وإجراء مصالحة بين العائلتين، أملًا في وقف مسلسل الدم ومنع سقوط مزيد من الضحايا.
كمين دموي على طريق القرية
وقعت المجزرة عندما كان عدد من أفراد عائلة الحناشات يستقلون حافلتين صغيرتين في طريقهم لحضور جلسة محاكمة تتعلق بقضية ثأر سابقة.
وبحسب الرواية الواردة عن الواقعة، أعد خمسة أو ستة مسلحين من عائلة عبد الحليم كمينًا للحافلتين، قبل أن يمطروهما بوابل كثيف من رصاص الأسلحة الآلية.
أسفر الهجوم في البداية عن مقتل 22 شخصًا داخل الحافلتين، بينهم طفل لم يتجاوز عمره 8 سنوات، قبل أن ترتفع الحصيلة إلى 23 قتيلًا عقب وفاة أحد المصابين.
ولم ينجُ من الحافلتين سوى ثلاثة أشخاص، بعدما اختبأوا أسفل المقاعد خلال إطلاق النار، فأصيبوا بجروح طفيفة ونُقلوا إلى مستشفى جرجا لتلقي العلاج.
الطريق يحمل آثار المذبحة
على الطريق المؤدي إلى مدخل القرية، الواقعة بين حقول الذرة ويحيط بها امتداد جبلي صحراوي، بقيت بقع الدماء وحطام زجاج المركبات شاهدة على ما جرى.
وسحبت الشرطة الحافلتين من موقع الحادث بعد انتهاء المعاينة، بينما أغلقت القوات الطرق المؤدية إلى مساكن العائلتين، وفرضت إجراءات أمنية مشددة لمنع أي محاولة للانتقام.
وكان المشهد داخل بيت علام شديد القسوة؛ شوارع خالية من السكان، أبواب مغلقة، وحالة من الخوف لا يقطعها سوى أصوات عناصر الأمن المنتشرين في أنحاء القرية.

العمده عبدالقادر همام
عمدة القرية: لم يتصور أحد أن نصل إلى هذا الحد
عبّر عمدة القرية آنذاك، عبد القادر مصطفى، عن صدمته من حجم المذبحة، مؤكدًا أن أحدًا لم يتصور وصول الخلاف بين العائلتين إلى هذا المستوى من الدماء.
وأوضح أن أفراد عائلة الحناشات كانوا يعيشون حالة غضب شديدة، ورفضوا تلقي واجب العزاء في القتلى، وهو ما اعتُبر مؤشرًا خطيرًا في ظل ارتباط رفض العزاء، في بعض قضايا الثأر، بالإصرار على القصاص.
وأكد العمدة ضرورة عدم السماح بخروج الأوضاع عن السيطرة، مشيرًا إلى أن تدخل الوجهاء ورجال الدين ونواب المنطقة لن يكون ممكنًا بصورة فاعلة إلا بعد هدوء حالة الغضب.
دفن جماعي تحت حراسة الشرطة
في محاولة لمنع التجمعات والاحتكاكات، جرى دفن جثامين الضحايا بصورة جماعية عند الساعة الواحدة فجرًا داخل مقابر القرية، تحت حراسة أمنية مشددة.
وبحسب شهادات عدد من سكان بيت علام، تم الدفن في غياب أعداد كبيرة من الأهالي والأقارب، خشية أن تتحول مراسم الجنازة إلى نقطة انطلاق لأعمال عنف جديدة.
وغابت مظاهر العزاء المعتادة عن القرية، بينما ظلت القوات منتشرة حول المقابر ومداخل الشوارع المؤدية إلى منازل العائلتين.
خلاف بدأ في حفل زفاف عام 1990
تعود جذور النزاع بين عائلتي الحناشات وعبد الحليم إلى عام 1990، عندما اندلع خلاف خلال حفل زفاف بسبب تبادل اتهامات بشأن تصرفات بعض الأطفال.
وبحسب أحد سكان القرية، فإن الأطفال كبروا ونقلوا معهم الخلاف إلى المدرسة وإلى مختلف الأماكن التي تجمع أفراد العائلتين، حتى تحول النزاع البسيط تدريجيًا إلى خصومة ثأرية ممتدة.
ومع مرور السنوات، تراكمت وقائع الاعتداء والقتل، وأصبح كل حادث مدخلًا لجولة جديدة من الانتقام، حتى وصلت الأمور إلى المجزرة التي حصدت أرواح 23 شخصًا.
الضحايا كانوا في طريقهم إلى المحكمة
كان أفراد عائلة الحناشات في طريقهم لحضور جلسة محاكمة اثنين من أبناء عائلتهم، هما حلمي أحمد وعلي محمود الحناشات، بتهمة قتل همام عبد الحليم خلال شهر أبريل السابق على وقوع المجزرة.
وبحسب ما ورد في تفاصيل القضية، فإن قتل همام عبد الحليم جاء بدوره بدافع الانتقام لأحد أفراد عائلة الحناشات، الذي قُتل قبل 11 عامًا على يد أشخاص من عائلة عبد الحليم.
وهكذا دخلت العائلتان في دائرة متواصلة من الدم، يتحول فيها كل قتيل إلى سبب لقتل جديد، دون أن يستطيع أي طرف إيقاف السلسلة.
ضبط متهمين واختفاء رجال العائلة في الحقول
أعلنت الأجهزة الأمنية ضبط عدد من المشتبه في مشاركتهم بالهجوم، وورد اسما ممدوح تمام وحمد هاشم من عائلة عبد الحليم ضمن المقبوض عليهم.
كما أفاد شهود من سكان القرية بأن منازل عائلة عبد الحليم أصبحت خالية من الرجال، بعدما لجأ بعضهم إلى الاختباء في الحقول أو المناطق الجبلية، هربًا من الملاحقة الأمنية وخشية الانتقام.
ووردت روايات متباينة بشأن عدد المقبوض عليهم؛ إذ أشارت المعلومات الأولية إلى ضبط اثنين، بينما تحدث شهود لاحقًا عن توقيف أربعة من المشاركين في الهجوم.
قوات مكافحة الشغب تطوق بيت علام
دفعت مديرية أمن سوهاج بأعداد كبيرة من قوات مكافحة الشغب إلى القرية التي كان يقطنها آنذاك نحو 15 ألف نسمة، مع تعزيز الوجود الأمني في محيط منازل العائلتين.
وفرضت القوات نقاط تفتيش على المداخل والطرق الزراعية، وراقبت المناطق الجبلية والحقول المحيطة، لمنع هروب المتهمين أو تسلل مسلحين إلى داخل القرية.
وأصبحت بيت علام خلال تلك الساعات أشبه بمنطقة عسكرية مغلقة، في ظل مخاوف حقيقية من تحول المجزرة إلى بداية لموجة ثأر جديدة أشد خطورة.
28 نائبًا يتحركون لوقف نزيف الدم
على الصعيد السياسي والاجتماعي، اتفق 28 نائبًا من نواب محافظة سوهاج على القيام بمهمة وساطة بالتعاون مع الأجهزة الأمنية، بهدف تجنيب القرية مزيدًا من إزهاق الأرواح.
وبدأ النواب والوجهاء البحث عن صيغة مناسبة لإجراء مصالحة بين العائلتين، إلى جانب وضع تصور أوسع لمعالجة جيوب الخصومات الثأرية المنتشرة في عدد من قرى المحافظة.
وكان الرهان الأساسي على تدخل رجال الدين وكبار العائلات وأصحاب النفوذ الاجتماعي، لكن الجميع أدرك أن المصالحة لن تكون سهلة في ظل العدد الكبير للضحايا ورفض عائلة الحناشات تلقي العزاء.
واحدة من أكثر جرائم الثأر دموية
اعتُبرت مجزرة بيت علام آنذاك واحدة من أكبر عمليات الثأر وأكثرها دموية منذ عام 1995، عندما قُتل 24 شخصًا في تبادل لإطلاق النار واشتباكات بالسكاكين بين عائلتين متنازعتين عقب الخروج من أحد المساجد في محافظة المنيا.
وكشفت الواقعة من جديد خطورة ثقافة الثأر في بعض مناطق الصعيد، وقدرتها على تحويل خلاف بسيط بين أطفال إلى سلسلة من جرائم القتل الجماعي تمتد سنوات طويلة.
وبين الدماء التي غطت الطريق، والدفن الجماعي تحت حراسة الشرطة، ورفض العزاء، بقيت مأساة بيت علام شاهدًا قاسيًا على أن الثأر لا يعيد حقًا ولا يطفئ حزنًا، بل يصنع ضحايا جددًا ويترك قرى كاملة أسيرة للخوف.


