ي ظل الصدمة الدولية التي أحدثها الهجوم الأمريكي على فنزويلا، وما تبعه من تهديدات مباشرة وغير مباشرة طالت دولًا أخرى مثل إيران وغرينلاند، تتصاعد المخاوف عالميًا من تحول نهج التدخل الأحادي إلى سياسة أمريكية ثابتة. وفي قلب هذا القلق الدولي، برزت المكسيك كدولة تخشى أن تكون الهدف التالي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في سيناريو يرى مراقبون أنه قد يزعزع استقرار المنطقة بأكملها ويشكل خطرًا واسع النطاق على النظام الدولي.
قلق متصاعد خلف الكواليس رغم خطاب التهدئة
ورغم محاولات الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم تهدئة الأوضاع، ورفضها العلني والقاطع لأي غزو عسكري أمريكي للأراضي المكسيكية، فإن القلق يتزايد خلف الأبواب المغلقة بين المسؤولين الحكوميين ودوائر المال والأعمال.
وتشير تقديرات داخلية إلى أن التهديدات التي أطلقها ترامب قد لا تبقى في إطار التصريحات السياسية، بل قد تتحول إلى واقع عسكري مفاجئ، على غرار ما حدث في فنزويلا.
أسوأ السيناريوهات: هجوم أمريكي أحادي
بحسب تقرير نشرته بوليتيكو، يتمثل أسوأ سيناريو يقلق صناع القرار في مكسيكو سيتي في هجوم أمريكي أحادي الجانب قد يشمل توغلاً بريًا مباشرًا داخل الأراضي المكسيكية، وهو ما قد يؤدي إلى سقوط ضحايا مدنيين، وإغراق البلاد في فوضى سياسية واقتصادية ذات تداعيات إقليمية ودولية.
تصريحات ترامب تعيد المخاوف إلى الواجهة
تجددت هذه الهواجس بعد تصريحات أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال عطلة نهاية الأسبوع، ألمح فيها إلى أن واشنطن قد تضطر إلى «فعل شيء ما» ضد عصابات المخدرات، التي قال إنها «تسيطر على المكسيك».
وفي الأوساط السياسية المكسيكية، فُسّر هذا الخطاب على أنه إشارة مقلقة لاحتمال عمل عسكري غير منسق، خاصة في ظل السوابق الأخيرة في فنزويلا.
تحذيرات دبلوماسية: الاحتمال ضعيف لكنه قائم
من جانبه، قال أرتورو ساروخان، الذي شغل منصب سفير المكسيك لدى واشنطن في عهد الرئيسين جورج دبليو بوش وباراك أوباما، إن لدى المكسيك أسبابًا حقيقية للقلق.
وأضاف أن استخدام الولايات المتحدة للقوة بشكل أحادي داخل المكسيك مستبعد في الظروف الطبيعية، لكنه ليس مستحيلًا، داعيًا إلى أقصى درجات الحذر في التعامل مع الخطاب الأمريكي المتصاعد.
قلق قطاع الأعمال رغم العلاقات الجيدة
تأتي هذه المخاوف في وقت توصف فيه العلاقات الأمريكية المكسيكية بأنها جيدة للغاية، بفضل التعاون الوثيق في أمن الحدود، والتصريحات الإيجابية التي أدلى بها ترامب مؤخرًا عن شينباوم، واصفًا إياها بأنها «شخصية عظيمة».
غير أن قادة الأعمال، الذين يعتمدون على الاستقرار السياسي، يبدون قلقًا متزايدًا من النهج المتشدد لترامب، الذي يصور تهريب المخدرات والهجرة على أنهما تهديدان مباشران للأمن القومي الأمريكي، يمكن التعامل معهما – بحسب طرحه – بالقوة العسكرية.
وقال بيدرو كاساس ألاتريست، المدير العام لغرفة التجارة الأمريكية في المكسيك، إن ما جرى في فنزويلا ضاعف المخاوف من إجراءات أمريكية أحادية ضد عصابات المخدرات داخل المكسيك.
موقف رسمي مكسيكي: القانون الدولي أولًا
في ردها الرسمي على أحداث فنزويلا، شددت حكومة شينباوم على أهمية القانون الدولي، ودعت إلى التهدئة، مؤكدة أن استخدام القوة الأحادية دون إطار جماعي أو متعدد الجنسيات يُعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، وقد يؤدي إلى تقويض الاستقرار الإقليمي.
وفي الخفاء، تترافق هذه الرسالة مع جهد مكثف للتعاون مع واشنطن، خصوصًا في ملفي مكافحة تهريب المخدرات وأمن الحدود، بهدف نزع أي ذريعة لتدخل عسكري محتمل.
وخلال العام الماضي، أرسلت المكسيك آلاف الجنود إلى الحدود، وسلّمت عشرات من كبار مهربي المخدرات إلى الولايات المتحدة، كما سمحت بتوسيع نطاق طلعات المراقبة الجوية الأمريكية فوق أراضيها.
واشنطن: خيارات مفتوحة ونهج توسعي
في المقابل، يقول مسؤولون أمريكيون إن أمام ترامب «خيارات عديدة» لحماية المواطنين الأمريكيين من تهريب المخدرات.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي إن الإدارة تعمل على تفعيل مبدأ مونرو، بهدف تعزيز النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي، والسيطرة على الهجرة، ووقف تهريب المخدرات.
توقيت بالغ الحساسية وتكلفة مرتفعة لأي تصعيد
يأتي هذا التوتر في توقيت شديد الحساسية، إذ تستعد المكسيك والولايات المتحدة وكندا لاستضافة كأس العالم 2026، كما يتعين على الدول الثلاث اتخاذ قرار مصيري العام المقبل بشأن تمديد اتفاقية التجارة الحرة التي تحكم تبادلاً تجاريًا ضخمًا.
ويرى مراقبون أن أي خطوة عسكرية أمريكية دون موافقة مكسيكو سيتي قد تكون باهظة التكلفة سياسيًا واقتصاديًا، ليس فقط على العلاقات الثنائية، بل على الاستقرار الدولي ككل.


