لم يكن المشهد الأكثر إثارة للدهشة في عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو هو “جرأة” الاقتحام بحد ذاتها، بل الصمت شبه الكامل لمنظومة الدفاع الجوي الفنزويلية: لا اعتراض فعّال، لا إشارات ردع واضحة، ولا “رد فعل” بحجم ما يُفترض أن يُواكب حدثًا بهذا الثقل داخل العاصمة كاراكاس.
هذا الصمت فتح باب التساؤلات على نطاق واسع: هل تعطلت المنظومة؟ هل كانت هناك اختراقات داخلية؟ أم أنّ السماء أُغلقت إلكترونيًا قبل أن تُغلق عسكريًا؟
تقارير أمريكية وغربية، إلى جانب تغطيات متخصصة، قدّمت تفسيرًا متماسكًا: حرب إلكترونية مركّزة سبقت الاقتحام، وتحديدًا عبر طائرات Boeing EA-18G Growler التي تُعد رأس الحربة في “قمع الدفاعات الجوية المعادية” لدى البحرية الأمريكية، ما مهّد الطريق لعملية وُصفت بأنها محكمة وعالية التنسيق تحت اسم Operation Absolute Resolve.
ما الذي حدث في كاراكاس؟ الرواية المتداولة عن “العزم المطلق”
وفق ما نقلته تقارير صحفية أمريكية وبريطانية، نُفّذت العملية فجر 3 يناير/كانون الثاني 2026 داخل كاراكاس، وانتهت باحتجاز مادورو وزوجته ونقلهما لاحقًا إلى الولايات المتحدة لمواجهة اتهامات تتعلق بملفات “مخدرات” وشبكات إجرامية، وهي اتهامات ينفيها.
وتتحدث هذه التقارير عن عملية واسعة النطاق شاركت فيها قدرات جوية متعددة، وأن عنصر “المفاجأة” لم يكن وحده العامل الحاسم، بل تجريد الدفاعات الفنزويلية من قدرتها على الرؤية والتنسيق في الساعات الحرجة.
لماذا “صمت” الدفاع الجوي؟ فرضية السيطرة الكهرومغناطيسية

التفسير الأكثر تداولًا في التحليلات العسكرية هو أن ما حدث يندرج تحت مفهوم السيطرة الكهرومغناطيسية: أي تعطيل أو إرباك “سلسلة القتل” الدفاعية كاملة (رصد–تعقّب–تحديد–اشتباك) عبر التشويش، والخداع الإلكتروني، وقطع الروابط بين الرادارات ومراكز القيادة والاتصالات.
هنا دخل اسم “غرولر” بقوة إلى الواجهة. فوفق “Military Watch Magazine” وتقارير عربية استندت إليها، لعبت EA-18G Growler دورًا مركزيًا في “كسر” قدرة الدفاعات الفنزويلية على العمل بصورة متماسكة، بما شمل الرادارات وروابط البيانات وبُنى القيادة والسيطرة.
طائرة EA-18G Growler.. لماذا تُعد كابوسًا للرادارات؟
منصة مصممة لـ “شل العيون” قبل الضربة
EA-18G Growler ليست مقاتلة تقليدية؛ إنها طائرة حرب إلكترونية مبنية على هيكل F/A-18 Super Hornet، ومهمتها الأساسية: الإنصات للطيف الكهرومغناطيسي، تحديد مصادر البث الراداري، ثم التشويش عليها أو تعطيلها، مع القدرة على العمل ضمن تشكيل قتالي يوفّر لها الحماية ويستفيد من “فتح الطريق” الذي تصنعه.
كيف تعمل في الميدان؟
وفق التغطيات المتخصصة، تتمثل الفكرة في جعل منظومة الدفاع الجوي تعمل “بعين واحدة” أو “من دون عين”:
-
إرباك الرادارات كي لا تميّز بين الهدف الحقيقي و”الأشباح” الإلكترونية.
-
تأخير قرار الاشتباك عبر ضغط قنوات الاتصال وربط البيانات.
-
تفكيك التنسيق بين وحدات الرصد ووحدات الإطلاق ومراكز القيادة.
وهنا تتحول المنظومة –حتى إن كانت تمتلك صواريخ ورادارات– إلى أجزاء منفصلة لا تنتج ردًا متماسكًا، وهو ما يفسّر وصف المشهد بـ”الانهيار شبه الكامل” لقدرة الاعتراض
من الاستطلاع إلى التنفيذ.. “خرائط الرادار” قبل ساعة الصفر
جزء أساسي من أي حرب إلكترونية ناجحة يبدأ قبل الضربة بزمن، عبر بناء “بنك أهداف إلكتروني”:
-
تحديد مواقع الرادارات وأنماط عملها وتردداتها.
-
تحليل نقاط الضعف: زوايا التغطية، فترات التحديث، بروتوكولات الربط.
-
اختبار الاستجابة عبر “محاكاة هجمات” أو ضغط تدريجي.
تغطيات أمريكية ذكرت أن العملية نتاج تخطيط وتنسيق كبيرين، وأنها شملت نشاطًا جويًا واسعًا في مسرح العمليات، ما يعزز فرضية أن مرحلة الإعداد الاستخباراتي كانت طويلة وليست وليدة ساعات.
هل كان “التشويش” وحده كافيًا؟ ماذا تقول التقارير؟
التقارير لا تتوقف عند الحرب الإلكترونية فقط، بل تتحدث عن:
-
تحركات جوية كثيفة لدعم العملية.
-
استهداف/تعطيل بنى عسكرية في محيط كاراكاس وفق تحليلات صور أقمار صناعية نُشرت في بعض المنصات
-
تنفيذ الاقتحام عبر قوات خاصة، مع سرديات مختلفة حول تفاصيل الساعات الأولى.
وبينما يظل جزء من التفاصيل محل جدل سياسي وإعلامي بطبيعة الحال، فإن القاسم المشترك في معظم الروايات هو أن البيئة الإلكترونية كانت “مُهيّأة” لصالح القوة المهاجمة، وهو ما يجعل “غرولر” مرشّحًا منطقيًا لدور مركزي. i
تفوق تقني أم رسالة ردع؟
حرب إلكترونية كرسالة قبل أن تكون أداة
دلالة “إسكات” الدفاع الجوي –إن صحّت الروايات– لا تُقرأ فقط كنجاح تكتيكي، بل كرسالة استراتيجية:
من يمتلك القدرة على تعطيل الاستشعار والاتصالات يمتلك القدرة على تغيير ميزان القوة دون اشتباك مباشر طويل.
لماذا تُعد Growler “شبه فريدة”؟
التقارير المتخصصة تصف EA-18G بأنها من أبرز منصات الحرب الإلكترونية الغربية الحديثة، وتضعها ضمن فئة محدودة عالميًا من الطائرات المصممة لهذا الدور بشكل تخصصي.
ما الذي يعنيه ذلك لفنزويلا والمنطقة؟
إذا كانت “القصة التقنية” صحيحة في خطوطها العامة، فالأثر لا يقتصر على كاراكاس:
-
يفتح نقاشًا واسعًا حول هشاشة الدفاعات عندما تُفصل إلكترونيًا.
-
يرفع من أهمية الاستثمار في “الصمود الإلكتروني” (ECCM) وتعدد طبقات الاستشعار.
-
يضيف بُعدًا جديدًا لصراعات النفوذ في الإقليم، حيث لم تعد المعركة “صاروخًا مقابل صاروخ”، بل “موجة مقابل موجة” داخل الطيف الكهرومغناطيسي.


