على بُعد نحو 120 كيلومترًا من مدينة أسوان، وفي عمق الجبل بوادي الصعايدة التابع لمركز إدفو، تقف قرية كاملة تناقض الصورة النمطية عن الصعيد، وتحمل في تفاصيلها تجربة اجتماعية وإنسانية فريدة.
إنها قرية السماحة، القرية التي لا يُسمح بدخول الرجال للإقامة فيها، والمخصصة بالكامل للأرامل والمطلقات وأطفالهن، حيث تعيش مئات النساء في معزل اختياري عن المجتمع التقليدي، يصنعن حياة جديدة من الصفر.
هنا، لا وجود لأزواج، ولا سلطة ذكورية، ولا معيل تقليدي. كل امرأة هي المعيلة، والمزارعة، وربّة البيت، وصاحبة القرار.
خلفية المشروع | كيف وُلدت قرية السماحة؟
تعود جذور قرية السماحة إلى عام 1998، ضمن مشروع وادي الصعايدة الذي أطلقته وزارة الزراعة في إطار خطة للتنمية المستدامة بالصعيد، هدفت إلى تحويل مناطق صحراوية نائية إلى مجتمعات ريفية متكاملة.
اعتمد المشروع على:
-
الزراعة العضوية (الأورجانك).
-
التصنيع الزراعي.
-
تمكين الفئات الأكثر هشاشة اقتصاديًا.
وفي هذا السياق، تم تخصيص قرية السماحة بالكامل للأرامل والمطلقات المعيلات، كحل غير تقليدي لمشكلة الفقر، والتهميش، وغياب فرص العمل للنساء في صعيد مصر.

من يسكن السماحة؟ أرقام وشروط صارمة
تضم القرية نحو 303 إلى 313 أسرة (وفق مراحل المشروع المختلفة)، وجميعهن:
-
أرامل أو مطلقات.
-
معيلات لأطفالهن.
-
غير متزوجات (ويُمنع على المتزوجات الإقامة بالقرية).
تحصل كل سيدة على:
-
منزل مستقل.
-
6 أفدنة أرض زراعية.
-
مساعدات أولية تشمل ماشية أو دواجن.
ويُسمح للأطفال بالإقامة وفق شروط محددة، حيث يغادر الأبناء بعد الزواج أو بلوغ سن معينة، بما يحافظ على هوية القرية كمساحة مخصصة للنساء فقط.
الحياة اليومية : زراعة.. كفاح.. وعزلة قاسية
الحياة في السماحة ليست سهلة.
القرية معزولة جغرافيًا، بلا مواصلات منتظمة، وبعيدة عن الأسواق والخدمات. تسير النساء كيلومترات للوصول إلى القرى المجاورة لبيع منتجاتهن الزراعية أو شراء احتياجاتهن.

تعتمد السيدات على:
-
زراعة محاصيل مثل الكركديه، الثوم، البصل.
-
تربية الماشية والدواجن (غير المخصصة للذبح) لضمان استمرارية الإنتاج.
-
البيع في الأسواق المحلية لتأمين دخل ثابت.
الكفاح هنا ليس شعارًا، بل نمط حياة.
شهادات من الداخل | حكايات بطلات منسية
«ست البنات حسين سعد» – 67 عامًا
من أوائل المستفيدات من المشروع، تقول إنها استلمت منزلها وأرضها بعد وفاة زوجها منذ أكثر من 20 عامًا.
تضيف:
«الأرض كانت بور، لكن قررت أحوّلها خضرا بإيدي وإيد ولادي… جينا من محافظات مختلفة، بس بقينا إخوات، بنسند بعض».
«سعدية حسن» – أرملة
اختارت عدم الزواج مرة أخرى.
تقول إن الخوف كان يسيطر عليها قبل القدوم، لكنها فوجئت بالأمان والتضامن بين نساء القرية، وقررت الاستقرار نهائيًا وبناء حياة مستقلة.
«نظيرة علي» – مطلقة وأم لطفلين
تصف يومها الذي يبدأ قبل الفجر في الحقل، وينتهي بجلسات جماعية مع سيدات القرية.
وتقول عبارتها الأشهر:
«ستات السماحة بـ100 راجل… وإحنا أخوات في الشدة قبل الفرح».
قرية بلا رجال.. لكن مليئة بالحياة

رغم أن المكان محاط بالجبل، ويُخيّل للزائر أنه لا يصلح إلا للرجال، فإن الواقع مختلف تمامًا.
النساء هنا:
-
عمّرن البيوت.
-
استصلحن الأراضي.
-
أنشأن مجتمعًا بديلًا قائمًا على التضامن لا السلطة.
اختلاف المحافظات والثقافات لم يكن عائقًا، بل تحوّل إلى مصدر قوة.

قراءة اجتماعية : ماذا تمثل السماحة؟
تمثل قرية السماحة:
-
نموذجًا نادرًا لتمكين المرأة اقتصاديًا في الصعيد.
-
تجربة جريئة في إعادة تعريف الأسرة والمجتمع.
-
ردًا عمليًا على الفقر لا عبر الإعانات، بل عبر العمل والإنتاج.
لكنها في الوقت نفسه تطرح أسئلة صعبة:
-
هل العزلة حل دائم أم استثناء مؤقت؟
-
هل يمكن تعميم النموذج؟
-
وأين الدولة اليوم من تطوير هذه التجربة؟
السماحة.. حين تصبح العزلة نجاة
قرية السماحة ليست مجرد تجمع سكني، بل شهادة حية على قدرة النساء على النجاة والبناء في أقسى الظروف.
هنا، في قلب الصعيد، كتبت الأرامل والمطلقات فصلًا مختلفًا من الحكاية المصرية، بعيدًا عن الأضواء، وبلا شعارات، فقط بالزرع والصبر والعمل.


