«ليبيا على صفيح ساخن.. محتجون يقتحمون منشآت الطاقة ويهددون البلاد بالظلام»
تشهد ليبيا موجة جديدة من الاضطرابات، تصدرتها الاحتجاجات الشعبية ضد الانقطاع الطويل للتيار الكهربائي وتراجع الخدمات، بالتزامن مع استمرار الانقسام السياسي بين حكومتي الغرب والشرق وتعثر الوصول إلى انتخابات تنهي المرحلة الانتقالية الممتدة منذ سنوات.
وتحولت الاحتجاجات، التي بدأت في عدد من مدن غرب ليبيا، من إغلاق طرق ومقار حكومية إلى اقتحام منشأة مليتة للنفط والغاز، ما تسبب مؤقتًا في توقف إنتاج حقول نفطية وتعطل إمدادات الغاز اللازمة لتشغيل محطات الكهرباء، قبل أن تستعيد قوات الأمن السيطرة على المجمع وتستأنف العمليات تدريجيًا.
احتجاجات واسعة بسبب انقطاع الكهرباء
اندلعت الاحتجاجات في طرابلس والزاوية ومصراتة وعدد من مناطق غرب ليبيا، بعد تعرض السكان لانقطاعات كهربائية استمرت ساعات طويلة بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة.
وأغلق محتجون طرقًا رئيسية ومداخل مؤسسات حكومية وشركات تابعة للمؤسسة الوطنية للنفط، مطالبين بتحسين خدمات الكهرباء ومحاسبة المسؤولين عن تدهور الشبكة وإنهاء الأزمات المتكررة التي تؤثر في حياة المواطنين.
ولم تقتصر الشعارات على المطالب الخدمية، إذ طالب بعض المتظاهرين برحيل حكومة الوحدة الوطنية التي يرأسها عبد الحميد الدبيبة، محملين إياها مسؤولية الفشل في توفير الكهرباء وتحسين الأوضاع المعيشية رغم الموارد النفطية الكبيرة التي تمتلكها البلاد.
اقتحام مجمع مليتة للنفط والغاز
بلغت الأزمة ذروتها عندما اقتحم محتجون مجمع مليتة للنفط والغاز، الواقع على مسافة نحو 90 كيلومترًا غرب العاصمة طرابلس، وأغلقوا خطوط الغاز المستخدمة في تشغيل عدد من محطات إنتاج الكهرباء.
وحذرت الشركة العامة للكهرباء من أن استمرار إغلاق خطوط الغاز كان يهدد بخروج وحدات إضافية من الخدمة وحدوث انقطاع واسع للتيار، وربما انهيار أجزاء من الشبكة الكهربائية في مناطق متعددة.
ويُعد مجمع مليتة من أهم المنشآت الاستراتيجية في ليبيا، وتديره شركة مشتركة بين المؤسسة الوطنية للنفط وشركة إيني الإيطالية، كما يؤدي دورًا محوريًا في تشغيل الحقول النفطية وتوفير الغاز لمحطات الكهرباء وتصديره إلى إيطاليا.
توقف حقلي الفيل والوفاء
أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط توقف الإنتاج بصورة كاملة في حقل الفيل، إلى جانب توقف جزئي في حقل الوفاء، نتيجة اقتحام مجمع مليتة وتعطيل عملياته.
ويتراوح إنتاج حقل الفيل في الظروف الطبيعية بين 80 و90 ألف برميل من النفط يوميًا، ما يجعل أي توقف فيه مؤثرًا في إجمالي إنتاج ليبيا وصادراتها.
كما تعطلت العمليات في منصة صبراتة البحرية، وتراجعت إمدادات الوقود والغاز اللازمة لتشغيل محطات الكهرباء، الأمر الذي أدى إلى خروج وحدات توليد إضافية وزيادة ساعات انقطاع التيار.

استعادة السيطرة واستئناف الإنتاج
قالت حكومة الوحدة الوطنية إن قوات الأمن التابعة لها استعادت السيطرة على مجمع مليتة، وأعادت تأمين المنشأة بعد اقتحام المحتجين.
وأكدت المؤسسة الوطنية للنفط استئناف العمل في حقلي الفيل والوفاء ومنصة صبراتة، إلى جانب إعادة ضخ الغاز إلى محطات توليد الكهرباء.
وأعلنت الشركة العامة للكهرباء بدء إعادة الشبكة تدريجيًا إلى وضعها الطبيعي، بعد عودة إمدادات الغاز اللازمة لتشغيل وحدات التوليد المتوقفة.
ورغم عودة الإنتاج، لا تزال الأزمة تكشف هشاشة قطاع الطاقة الليبي، إذ يمكن لأي احتجاج أو خلاف أمني أو سياسي أن يعطل منشآت حيوية يعتمد عليها الاقتصاد وإنتاج الكهرباء.
لماذا يعاني بلد نفطي من انقطاع الكهرباء؟
تملك ليبيا أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في إفريقيا، لكن قطاع الكهرباء يعاني منذ سنوات من نقص الصيانة وتهالك محطات التوليد وشبكات النقل، إضافة إلى الفساد والانقسام المؤسسي والصراعات على الميزانيات.
كما تتعرض خطوط الغاز والحقول والمنشآت النفطية للإغلاق المتكرر بسبب احتجاجات محلية أو خلافات سياسية أو مطالب بتوفير الوظائف والخدمات.
وتؤدي زيادة الاستهلاك خلال فصل الصيف، مع الاعتماد الواسع على أجهزة التكييف، إلى ارتفاع الضغط على الشبكة وخروج وحدات ضعيفة أو قديمة من الخدمة.
ويعني ذلك أن الأزمة لا ترتبط بنقص موارد الطاقة وحده، وإنما بطريقة الإدارة والاستثمار والصيانة وقدرة المؤسسات على حماية المنشآت وضمان استمرار إمدادات الوقود.
انقسام سياسي مستمر بين الشرق والغرب
تأتي الاحتجاجات في ظل استمرار الانقسام السياسي بين حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد في شرق ليبيا.
وتحظى حكومة الدبيبة باعتراف دولي، بينما تدير حكومة حماد المناطق الشرقية وتعمل تحت نفوذ قوات القيادة العامة بقيادة خليفة حفتر.
وفشلت الأطراف الليبية حتى الآن في الاتفاق على حكومة موحدة وقوانين انتخابية نهائية تتيح إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي تأجلت منذ ديسمبر 2021.
ويستفيد كل طرف من المؤسسات والأجهزة والقوى المسلحة الموجودة داخل مناطق نفوذه، ما يعقد محاولات إعادة توحيد الدولة وإنهاء ازدواجية الحكومات والميزانيات.
غضب الشارع يتجاوز أزمة الكهرباء
على الرغم من أن انقطاع الكهرباء كان الشرارة المباشرة للاحتجاجات الأخيرة، فإن الغضب الشعبي يمتد إلى ملفات أوسع، من بينها ارتفاع الأسعار والفساد وضعف الخدمات وتأخر الانتخابات واستمرار وجود التشكيلات المسلحة.
ويخشى المحتجون من أن تتحول الوعود الحكومية بتحسين الكهرباء إلى حلول مؤقتة، قبل عودة الانقطاعات مرة أخرى مع استمرار المشكلات الفنية والإدارية.
كما يرى قطاع من الليبيين أن الحكومات المتنافسة تستفيد من استمرار المرحلة الانتقالية، بينما يتحمل المواطن تبعات الانقسام وتراجع الخدمات.
تحركات الأمم المتحدة لإنهاء الأزمة السياسية
تواصل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا محاولاتها لدفع الأطراف نحو تنفيذ خريطة طريق سياسية تقود إلى انتخابات وطنية ومؤسسات موحدة.
وتقوم الخطة الأممية على حوار سياسي منظم، ومحاولة معالجة الخلافات المتعلقة بالقوانين الانتخابية وتشكيل حكومة قادرة على تنظيم الانتخابات، إلى جانب إصلاح المؤسسات الاقتصادية والأمنية.
لكن الإحاطة التي قُدمت إلى مجلس الأمن في يونيو 2026 أكدت أن التقدم لا يزال محدودًا، وأن الخلافات بين المؤسسات الليبية تعرقل الوصول إلى تسوية نهائية، رغم وجود اتصالات ومناقشات بين الأطراف.
ولا يوجد حتى الآن موعد نهائي معلن للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، بينما تستمر البعثة الأممية في الضغط من أجل اتفاق ليبي يحظى بقبول واسع.
هل تتجه ليبيا إلى مواجهات مسلحة جديدة؟
لم تتحول احتجاجات الكهرباء حتى الآن إلى حرب شاملة بين المعسكرين الشرقي والغربي، لكن استمرار انتشار التشكيلات المسلحة وغياب مؤسسة عسكرية موحدة يجعلان الوضع الأمني شديد الحساسية.
وسبق أن حذرت دول أعضاء في مجلس الأمن من التحركات العسكرية والتوترات في مدينة الزاوية ومناطق غرب ليبيا، ودعت جميع الأطراف إلى خفض التصعيد وتجنب استخدام القوة.
ومن المرجح أن يبقى الخطر الأكبر مرتبطًا بإمكانية تدخل مجموعات مسلحة في الاحتجاجات أو استخدامها للضغط على الحكومة، وهو ما قد يحول أزمة خدمية إلى مواجهة أمنية أوسع.
وهذا تقييم يستند إلى هشاشة المشهد الأمني والانقسام القائم، وليس إلى وجود إعلان مؤكد عن عملية عسكرية واسعة.

النفط مجددًا في قلب الصراع
يعتمد الاقتصاد الليبي بصورة شبه كاملة على عائدات النفط، ولذلك تتحول الحقول والموانئ وخطوط الغاز باستمرار إلى وسائل ضغط تستخدمها مجموعات محلية أو أطراف سياسية.
ورغم وصول إنتاج النفط الليبي في يونيو 2026 إلى مستويات مرتفعة قاربت 1.5 مليون برميل يوميًا شاملة المكثفات، فإن استمرار الإغلاقات والاضطرابات يهدد الحفاظ على هذا المستوى.
ويؤدي توقف الحقول إلى خسارة الإيرادات وتعطل إمدادات الوقود والكهرباء، كما يثير مخاوف شركات الطاقة الدولية التي تحتاج إلى بيئة مستقرة لضخ استثمارات جديدة.
وكانت المؤسسة الوطنية للنفط قد أعلنت خلال 2026 اكتشافات جديدة واتفاقات مع شركات عالمية، لكن نجاح خطط زيادة الإنتاج يظل مرتبطًا بالاستقرار السياسي والأمني.
الولايات المتحدة تستعد للعودة إلى طرابلس
في تطور دبلوماسي لافت، أبلغت الإدارة الأمريكية الكونجرس بخطط للمضي قدمًا في إعادة فتح سفارة الولايات المتحدة في ليبيا بصورة تدريجية، بعد إغلاقها منذ عام 2014.
وتشمل الخطة تخصيص نحو 41 مليون دولار لتعزيز الإجراءات الأمنية وتجهيز مكتب في طرابلس، تمهيدًا لاستعادة الوجود الدبلوماسي الدائم.
وبررت واشنطن التحرك بأهمية ليبيا الاستراتيجية في أمن البحر المتوسط وأسواق الطاقة والهجرة، إضافة إلى رغبتها في مواجهة اتساع نفوذ روسيا وقوى دولية أخرى داخل البلاد.
ولا يعني القرار أن السفارة ستفتح فورًا، إذ ستتم العودة على مراحل ووفق تقييمات أمنية، لكنه يمثل إشارة إلى تجدد الاهتمام الدولي بالملف الليبي.
ماذا عن موقف حفتر وشرق ليبيا؟
لم تتأثر مناطق الشرق حتى الآن بالاحتجاجات الأخيرة بنفس مستوى طرابلس والزاوية ومصراتة، لكن حكومة الشرق تتابع تداعيات الأزمة التي يمكن أن تؤثر في إنتاج النفط وإيرادات الدولة.
ويحافظ خليفة حفتر وقواته على نفوذ واسع في شرق البلاد وأجزاء من الجنوب، بما يشمل مناطق توجد بها حقول وموانئ نفطية مهمة.
ويمنح هذا النفوذ معسكر الشرق ورقة قوية في أي مفاوضات سياسية، لكنه يرسخ في الوقت نفسه انقسام مؤسسات الدولة بين طرابلس وبنغازي.
السيناريوهات المتوقعة خلال الأيام المقبلة
احتواء الاحتجاجات
قد تنجح عودة الغاز وتشغيل محطات الكهرباء في تقليص ساعات الانقطاع وتهدئة الشارع مؤقتًا، خصوصًا إذا التزمت الحكومة بخطة عاجلة لإصلاح الأعطال وتوفير الوقود.
لكن عودة الانقطاعات ستدفع المتظاهرين على الأرجح إلى استئناف إغلاق الطرق والمؤسسات.
اتساع الاحتجاجات
قد تنتقل المظاهرات إلى مناطق جديدة وتتحول من مطالب خدمية إلى حركة سياسية تطالب بإسقاط الحكومة وتشكيل سلطة جديدة تشرف على الانتخابات.
ويتوقف ذلك على استجابة السلطات ومدى استمرار أزمة الكهرباء والموقف الذي تتخذه القوى المسلحة في طرابلس.
تكرار إغلاق منشآت النفط
من المحتمل أن يلجأ محتجون آخرون إلى إغلاق حقول أو موانئ أو شركات نفطية، بعدما أثبت اقتحام مجمع مليتة قدرة التحرك الشعبي على الضغط السريع على الحكومة.
ويشكل هذا السيناريو الخطر الأكبر على الاقتصاد الليبي وشبكة الكهرباء في الوقت نفسه.
عودة التصعيد المسلح
يبقى هذا الاحتمال قائمًا إذا تدخلت مجموعات مسلحة لحماية الحكومة أو دعم المحتجين، لكنه ليس السيناريو المؤكد حتى الآن.
خلاصة تطورات ليبيا
تعيش ليبيا أزمة متداخلة تجمع بين الغضب الشعبي من انقطاع الكهرباء، وهشاشة منشآت الطاقة، والانقسام السياسي، وانتشار الجماعات المسلحة.
ورغم استعادة مجمع مليتة واستئناف الإنتاج في حقلي الفيل والوفاء ومنصة صبراتة، فإن جذور الأزمة لم تُحل، لأن شبكة الكهرباء لا تزال ضعيفة، والحكومات المتنافسة لم تتفق على الانتخابات أو توحيد مؤسسات الدولة.
وتكشف التطورات الأخيرة أن أي أزمة خدمية في ليبيا يمكن أن تتحول سريعًا إلى أزمة سياسية وأمنية واقتصادية، خاصة عندما تصل الاحتجاجات إلى قطاع النفط والغاز الذي يمثل شريان الحياة للدولة.


