حادث دمياط.. من يحاول اختبار قدرات مصر؟...مسيّرة ميناء دمياط تثير أسئلة عن الفاعل ومسار الهجوم
كتبتُ في مقال سابق، مقال حمل عنوان لا تختبروا صبر مصر.. السلام اختيار والقوة تحميه وذكرت أن محاولات جر الدولة المصرية إلى النزاعات الإقليمية لا تتوقف، وأن هناك من لا يريحه أن تظل مصر آمنة ومستقرة وسط منطقة تحاصرها الحروب من الشرق والغرب والجنوب.
وقلت إن مصر، رغم اشتعال النيران من حولها، استطاعت أن تحافظ على أمنها واستقرارها بسياسة تقوم على الحكمة وضبط النفس وعدم التهور، لا خوفًا من حرب، ولا عجزًا عن خوضها، وإنما إيمانًا راسخًا بأن الحروب لا تمنح الشعوب إلا الدم والخراب، وأن من يبدأ المعركة قد لا يستطيع التحكم في نهايتها أو في حدود انتشارها.
فمصر دولة سلام، لكنها لم تحصل على سلامها بمنحة من أحد، بل فرضته بالقوة والنصر، وحمته بجيش قادر على الدفاع عن حدودها وأمنها القومي ومصالح شعبها.
مصر لا تعتدي على أحد، ولا تتدخل في شؤون الدول، وتفتح أبوابها أمام المفاوضات، وتشارك بقدر استطاعتها في حل النزاعات ونشر ثقافة السلام، لكنها في الوقت نفسه لا تقبل أن يختبر أحد صبرها أو يحاول تحويل ضبط النفس المصري إلى نقطة ضعف.
حادث دمياط يفتح أبواب الأسئلة
جاء حادث ميناء دمياط ليعيد أمامنا الأسئلة نفسها، ويمنح من وجهة نظري أسبابًا إضافية لعدم استبعاد وجود محاولة لجر مصر إلى قلب النزاع الإقليمي المشتعل.
وقد أكدت الحكومة المصرية أن التحقيقات الأولية أظهرت تسبب طائرة مسيّرة مجهولة في اندلاع حريق بسفينتين للغاز داخل ميناء دمياط، بينما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم حتى الآن. ونجحت فرق الطوارئ في السيطرة على الحريق دون وقوع إصابات أو خسائر بشرية.
الحادث، رغم محدودية خسائره المباشرة، ليس حادثًا صغيرًا في دلالاته؛ لأنه استهدف موقعًا مصريًا حساسًا، وفي توقيت بالغ الخطورة، وفي منطقة قريبة من واحد من أهم الممرات الملاحية في العالم.
لقد سقطت المسيّرة، لكن الأسئلة بقيت معلقة في الهواء: من أطلقها؟ ومن أين جاءت؟ وما الهدف الحقيقي من إطلاقها؟ وهل كان المقصود السفينة ذاتها، أم اختبار منظومة الدفاع والحماية؟ وهل أراد الفاعل إرسال رسالة إلى مصر، أم إلى طرف آخر كانت له صلة بالسفينة المستهدفة؟
هل قطعت المسيّرة كل هذه المسافة؟
هناك سؤال محير لا يمكن تجاوزه: كيف وصلت المسيّرة إلى ميناء دمياط؟
هل انطلقت من مسافة بعيدة وعبرت مناطق تغطيها أنظمة دفاع ومراقبة متعددة في البحر الأحمر ودول المنطقة، ومرت بالقرب من قطع بحرية وقواعد عسكرية، ثم واصلت طريقها حتى وصلت إلى الساحل المصري على البحر المتوسط؟
إن كان هذا هو المسار، فإننا نكون أمام تساؤلات فنية وأمنية كبيرة تتعلق بمدى المسيّرة وارتفاع طيرانها وطبيعة توجيهها وقدرتها على الإفلات من أنظمة الرصد.
أما الاحتمال الآخر، فهو أن تكون المسيّرة قد انطلقت من جهة الشمال أو من منصة بحرية أو سفينة على مسافة أقرب من الهدف، وهو احتمال قد يفسر قصر المدة المتاحة لاكتشافها والتعامل معها.
لكن كل ذلك يظل في نطاق الاحتمالات، ولا يجوز تحويله إلى حقائق قبل انتهاء التحقيقات الفنية، وفحص بقايا المسيّرة ومسارها ونوعها ونظام توجيهها ونقطة إطلاقها.
الأجهزة المصرية وحدها هي التي ستصل إلى الحقيقة، وهي الأقدر على جمع الخيوط التي قد لا يراها المواطن العادي أو المتابع من الخارج.
جريمة بلا فاعل معلن
الأخطر في حادث دمياط أننا أمام جريمة وقعت بالفعل، لكن فاعلها ما زال مجهولًا.
لم تعلن دولة أو جماعة مسؤوليتها، ولم يصدر حتى الآن تفسير نهائي يحدد نقطة انطلاق المسيّرة أو الجهة التي وجهتها، وهو ما يفتح الباب أمام احتمالات عديدة.
والجرائم التي ترتكب في الخفاء ليست بلا أهداف، والطائرات المسيّرة لا تتحرك بمحض الصدفة، ولا تختار أهدافها من تلقاء نفسها. هناك من خطط وأطلق ووجّه، وهناك غرض أراد تحقيقه، حتى لو لم يحقق الهجوم خسائر بشرية.
وقد يكون إخفاء هوية الفاعل جزءًا من العملية نفسها؛ لأن من يريد جرجرة مصر إلى نزاع إقليمي قد يسعى إلى تنفيذ ضربة غامضة، ثم يترك الأطراف تتبادل الاتهامات، فتقع الدولة المستهدفة في فخ الرد على الجهة الخطأ أو الانخراط في معركة لم تخترها.
من هنا، لا ينبغي استباق التحقيقات، لكن لا ينبغي أيضًا التعامل مع الحادث باعتباره واقعة عابرة يمكن إغلاق ملفها بمجرد إخماد الحريق.
لماذا مصر تحديدًا؟
رفضت مصر أن تكون طرفًا في الحرب في اليمن، كما رفضت الانزلاق إلى النزاع مع إيران، ولم تدخل طرفًا عسكريًا في لبنان أو في غيره من ساحات الصراع.
حافظت القاهرة على موقفها القائم على الدعوة إلى التهدئة، ورفض توسيع الحرب، وحماية أمن الملاحة، ومنع انهيار دول المنطقة.
فمن صاحب المصلحة في جر مصر إلى هذه الصراعات؟
ولصالح من يجري استهداف منشأة أو سفينة داخل ميناء مصري؟
ومن يريد أن تُستنزف مصر عسكريًا واقتصاديًا وأمنيًا في معركة لا تخصها؟
هل يريد الفاعل استفزاز القاهرة لتوجيه ضربة إلى طرف بعينه؟ أم يريد إرباك علاقتها بدول أخرى؟ أم يسعى إلى نقل الحرب من مضيق هرمز والبحر الأحمر إلى البحر المتوسط وقناة السويس؟
هذه أسئلة كبيرة ولدها حادث محدود في خسائره، لكنها أسئلة لا يجوز تجاهلها؛ لأن بعض الحروب تبدأ بحادث غامض، ثم تتسع بفعل ردود الأفعال المتسرعة وسوء الحسابات.
السلام المصري ليس ضعفًا
يخطئ من يعتقد أن اختيار مصر للسلام يعني أنها تخشى المواجهة.
مصر تعرف الحرب، وخاضتها، وانتصرت فيها، وتعرف كذلك ثمنها الإنساني والاقتصادي، ولذلك فهي تختار السلام عن قوة، لا عن ضعف.
الحكمة المصرية ليست تراجعًا، وضبط النفس ليس عجزًا، وعدم الاندفاع خلف الاستفزازات لا يعني أن أمن مصر مستباح.
هناك فارق كبير بين دولة تتجنب الحرب لأنها لا تستطيع خوضها، ودولة تملك جيشًا قويًا لكنها تعرف متى تستخدم قوتها، وكيف تستخدمها، وضد من توجهها.
مصر لا تدخل حربًا لإرضاء أحد، ولا تتحرك وفق أجندة غيرها، ولا تستخدم قواتها المسلحة إلا لحماية حدودها وأمنها القومي ومصالح شعبها وفق رؤية قيادتها وتقدير مؤسساتها.
الرد يبدأ بكشف الحقيقة
لا أتحدث هنا عن رد متعجل أو ضربة عشوائية؛ لأن ذلك قد يكون تحديدًا ما يريده من نفذ الهجوم.
الرد الحقيقي يبدأ بكشف الحقيقة كاملة: تحديد نوع المسيّرة، ومصدرها، ومسارها، ونقطة إطلاقها، والجهة التي امتلكت القدرة والنية والمصلحة في تنفيذ الهجوم.
وحين تصل الأجهزة المصرية إلى الفاعل، فإن عليه أن يستعد لدفع ثمن ما ارتكبه.
فالدولة التي تمكنت من حماية أمنها وسط هذه النيران قادرة على حماية موانئها وحدودها ومنشآتها الاستراتيجية، وقادرة على الرد في الوقت والمكان والطريقة التي تحقق مصلحتها، لا بالطريقة التي يرسمها لها خصومها.
والرد المصري، حين تكتمل الأدلة، لن يكون انفعالًا أو مغامرة، بل قرار دولة تعرف قدراتها، وتحسب خطواتها، ولا تترك حقها.
لا تختبروا صبر مصر
حادث دمياط رسالة خطيرة، سواء كان هدفه توسيع الصراع، أو استهداف مصالح طرف أجنبي داخل الأراضي المصرية، أو اختبار أنظمة الحماية، أو توجيه إنذار سياسي وأمني.
لكن من أرسل الرسالة عليه أن يدرك أن مصر تقرأ جيدًا، وتفهم ما وراء السطور، ولا تنسى من اعتدى عليها.
قد تتأخر القاهرة في إعلان ما تعرفه حفاظًا على التحقيقات، وقد تفضل الصمت إلى أن تكتمل الصورة، لكن الصمت المصري ليس غيابًا عن المشهد، كما أن الهدوء لا يعني أن الجريمة ستُقيد ضد مجهول إلى الأبد.
إننا ننتظر ما ستكشفه الجهات المعنية، ونثق في قدرتها على الوصول إلى الفاعل وتحديد دوافعه، وعندها لن يكون السؤال: هل سترد مصر؟ بل كيف ومتى وبأي ثمن سيدفع المعتدي حساب فعلته؟
لقد قلناها من قبل، ونكررها اليوم: لا تختبروا قدرات مصر، ولا تراهنوا على صبرها طويلًا.
مصر تختار السلام عن قوة، ولا تعتدي على أحد، لكنها لا تقبل العدوان، ومن يمد يده إلى أمنها القومي سيكتشف أن الدولة التي تفتح أبوابها لصناعة السلام تعرف أيضًا كيف تغلق أبوابها في وجه المعتدين، وكيف ترد الصاع صاعين حين تثبت هوية الفاعل.


